|
|
|
آخر تحديث samedi mai 06, 2006 الساعة 08:48:17 |
|
خسائر العلمانية في بؤس العلمانيين (2) نصري الصايغ باب الحروب الإقليمية: لو كان لبنان جزيرة في بحر ناء، لكان استقلاله ناجزا، وسيادته محترمة نسبيا، ولربما، وجدت الطوائف فيه، طريقة فضلى في إدارة البلاد، من دون اضطرارها الى مد يدها الى الآخر، لاقامة نظام متوازن نسبيا، مستقر نسبيا، ديموقراطي نسبيا... وموقت باستمرار. إلا ان لبنان على تماس مع أصعب أزمة حلت في المنطقة، بعد تقسيم سايكس بيكو للتركة العثمانية، وبعد وعد بريطاني، نفذته الحركة الصهيونية، كيانا لليهود، على أنقاض الشعب الفلسطيني. شهدت هذه المعضلة، انخراطا وتدخلا دوليين، مرارا عديدة. وعرفت هذه القضية، عددا من الحروب، فاق اي منطقة اخرى في العالم. ففي ظرف نصف قرن فقط حدث ما يلي: حرب التقسيم واغتصاب فلسطين عام .1984 العدوان الثلاثي (بريطانيا، فرنسا، اسرائيل) على مصر عام .1956 حرب حزيران وهزيمة الجيوش العربية عام .1967 حروب العصابات والفدائيين الفلسطينيين من العام 1965 ولا تزال متأججة في الانتفاضة. أحداث ايلول في الأردن عام 1970 ودخول السلاح الفلسطيني الى لبنان، وتحول المخيمات الى معسكرات تدريب، بدعم من شريحة لبنانية، في الحكم وخارجه. اجتياح لبنان الاول عام 1978 واجتياح لبنان الثاني عام .1982 حرب تشرين عام .1973 الانتفاضة الاولى عام 1988 والانتفاضة الثانية عام .1990 يضاف الى هذه الأحداث العنيفة، انعكاس المعضلة الفلسطينية على سياسات الأنظمة العربية في الدول المحيطة بفلسطين: انقلاب في مصر، سلسلة انفجارات في سوريا والعراق، محاولات فاشلة في الأردن. كان لبنان على تماس بأزمة فلسطين. لكنه، بعدما نجا من أسر الحروب الكلاسيكية الكبيرة، حضرت إليه الحروب الصغيرة، واحتلت جغرافيته كاملة، على مدار 15 عاما. لم يكن ممكنا ان ينأى لبنان عن هذا الصراع. تحاشاه، هرب منه، احتال عليه. ولكن الطوفان الاقليمي عَبَرَ السياج الهش للبنان، وبات جزءا من الطائفية في لبنان. في هذه الانعطافات الحادة الاقليمية، تبارى اللبنانيون في إبراز التناقض. باتت الهوية اللبنانية، مغتربة عن أرضها. اختصرت الهويات القومية في الطائفية، وتداخلت الأخيرة مع القضايا الوطنية والقومية، ثم بالغت، وبات البعض منها، جزءا من مشروع ديني مع وقف التنفيذ. أهي فلسطين سبب مشكلتنا، أم كيفية تعاطينا مع هذه المشكلة، هي سبب انقسامنا؟ أهي العروبة سبب انقسامنا، أم ان انقسامنا سابق على العروبة والقوميات؟ وأسئلة اخرى أكثر صعوبة وأشد هلكا. الطريق إلى العلمانية: أزمة الفكر العلماني أنه ظل فكرا. صار تبشيرا ولم يصبح مشروعا. أزمة الفكر العلماني أنه بالغ في قوة ونصاعة حقيقته، فيما بالغ في هشاشة وضعف النظام الطائفي في لبنان. ادعى قدرته على التغيير وطالب بدولة علمانية ولكنه لم يتنكب مسؤولية العمل المنهجي لبناء العلمانية حجرا حجرا. ظن أنه قادر على ان يكون البديل التام والناجز عن النظام الطائفي. وعندما قرر التواضع والبدء بالأجزاء وصولا الى الإنجاز، لم يدعم تواضعه هذا، بقوة مناسبة، تفرض التعديل. مارس رياضة الكلام العملي المنهجي. عندما جمد مشروع الزواج المدني الاختياري بعد إقراره في مجلس الوزراء اللبناني، لم تحرره قوة العلمانيين. تذمروا، شتموا، ولم يتحدوا من أجل تحرير هذا المشروع من المنع. ظل الشارع فارغا فيما احتله تهديد رجال الدين وتواطؤ بعض رجال السياسة. المعركة مع الطائفية ليست بالكلام ولا بالترداد الايديولوجي لفضائل العلمانية ورذائل الطائفية، بل بالعمل المنهجي الدؤوب والمتراكم، الذي لا ييأس. إذا كانت وظيفة النظام الطائفي، عدم الاعتراف بالعلماني، فإن من مهمة العلماني الأساسية إثبات حقه في الوجود القانوني والسياسي. من مهماته ان يسعى ويناضل لينوجد. فهل هذا ممكن؟ 1 قدم طلال الحسيني اقتراحا عمليا يقترح فيه على العلمانيين الانسحاب من السجلات الطائفية لأن الدستور كفل حق الاختيار للبنانيين. وحق الاختيار لمن يبلغ الرشد. نحن سجلتنا الدولة في خانة طائفية، وفق تقليد وعرف غير قانونيين وغير دستوريين. ذلك ان من يريد ان يمارس حقه في حرية المعتقد، عليه ان يتقدم ويشهر ذلك، عندما يبلغ سن الرشد. ألغيت حرية المعتقد، وحرية الاختيار. مورس ضدنا الإلزام. حتى حرية التصريح بالمعتقد الديني، ممنوعة. الحرية تعني في هذا الحيز ان اختار طائفتي كمعتقد او كمؤسسة او كحالة في النظام السياسية اللبنانية. والحرية تعني كذلك ان أختار طائفتي في المعتقد، من دون ان يؤدي هذا الاختيار الى تبني الانتماء الى الطائفة كمدخل الى الوطن. أكون مؤمنا وذا اعتقاد، وأمارس واجباتي الدينية، وفق طقوسي الدينية، من دون ان يستتبع ذلك إدراجي من دون علم مني في خانة طائفية ترتب عليّ إلغاء فرادتي ومواطنتي. وهناك مسعى جدي لتظهير هذا المنحى كي يصبح العلماني موجودا خارج القيد الطائفي على ان يتقدم بطلب أمام مأموري النفوس، وبموازاة ذلك يجري العمل على تقديم مشروع قانون يتيح لهؤلاء ممارسة واجباتهم الوطنية وبلوغ حقوقهم بغير الوسائل الطائفية. 2 قدمتُ اقتراحا للجنة العليا لقانون الانتخابات اللبنانية يقضي بأن يلحظ القانون الانتخابي القيد نصا يتيح للعلمانيين ان يتمثلوا كالطائفيين في المجلس النيابي تمهيدا لحضورهم في مؤسسات الدولة الرسمية وإداراتها العامة على ان تكون حصتهم من ضمن نظام المحاصصة متناسبة مع حجمهم الانتخابي. وقد فصّلت هذا المشروع ضمن اقتراح يتضمن إمكانية قيام نظام سياسي لبناني مختلط يتنافس فيه الطائفيون والعلمانيون داخل المساحة السياسية وفق الأصول الديموقراطية. لا يلغي العلماني الطائفي، وليس على الطائفي ان يلغي العلماني. والمنافسة تكون في كل الميادين. فإذا كانت وظيفة الطائفي ممارسة الثقافة الطائفية والتمييز الطائفي والسياسة الطائفية، فإن مهمات العلماني في السلطة وفي المؤسسات التشريعية الادارية ممارسة العلمانية وثقافتها وعدلها... ذلك والغلبة تكون للنموذج الأفضل والأقوى ضمن الاطر الديموقراطية. من حق العلماني ان يمارس وجوده داخل مؤسسات المجتمع والدولة، ولن يمنح هذا الحق، الا اذا انتزعها بقوته، مجندا طاقات ضرورية، لبلوغ حصته. وقوة العلماني متاح بناؤها ونموها اذا نهج وفق آليات ناجعة. وأقترح:
أ مؤسسات علمانية في المجتمع الأهلي.
فحتى الآن الحيز الأهلي يزخر بأنشطة المؤسسات الطائفية في الميادين كلها.
الثقل الطوائفي في المجتمع ضخم جدا. الثقل العلماني معنوي. لا يؤخذ بعين
الاعتبار، يسهل إلحاقه بالطوائف. ب إنشاء مراكز علمانية في المناطق اللبنانية كافة لممارسة أنشطة ثقافية وإنمائية وإعلامية وتربوية ومخيمات...
ج إعلاماً علمانياً لأن الإعلام قوة
ضاربة في العمل الاجتماعي والسياسي. ان القوة المفترضة للعلمانيين تفترض حتما إلغاء فكرة العنف كليا، لأن العنف يقدم خدمة رائعة للطائفية. إن الممارسة السلمية والديموقراطية ضمن برامج مدعومة بقوة العلمانيين تحرص على تشكيل حالات جادة، لا يمكن ان تهملها السلطة ولا يمكن ان تتجاوزها القوى السياسية في البلاد. أخيرا: المال يختصر الطريق. يدفع الخطوات باتجاه الانجاز. الطوائف ثروات عقارية ومالية ومدعومة من الخارج عبر امتداداتها. والعلمانيون أمام امتحان الكرم. ذلك ان كل نشاط، وكل خطوة، بحاجة الى كرم المتبرعين. بيت مال العلمانيين يلزم ان يكون من جيوب العلمانيين.. إذا كان هذا الرصيد فقيرا، فإن العلمانية ستبقى امرأة متسولة على أبواب الطوائف. هذه صورة تفتح المشهد على إمكانات كثيرة بشرط ان يعي العلمانيون ان الطائفيين دافعوا بشراسة وعنف وضحوا من أجل نصرة قضاياهم الطائفية. فليكن العلمانيون كالطائفيين في الدفاع عن علمانيتهم، ولنصرتها. وإلا فصحتين، لمن ستكون له الغلبة. السفير (05 06 2006) خسائر العلمانية في بؤس العلمانيين (1) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||