موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث vendredi juin 09, 2006 الساعة 11:49:00

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

 

لبنان شوارع لا وطن!

أدمون صعب

كاد مقتل أبو مصعب الزرقاوي في العراق أن يطغى على معظم الاهتمامات في لبنان والعالم العربي، وفي مقدمها مؤتمر الحوار الوطني اللبناني وسلاح "حزب الله"، وكذلك السلاح الفلسطيني والصواريخ الجوالة في الجنوب ومسؤولية الحزب في هذا الشأن نظرا الى تولّيه الامن العسكري على الحدود مع اسرائيل، اضافة الى الاستراتيجية الدفاعية في هذه المنطقة، انتهاء بتداعيات الشغب الذي اندلع في شوارع بيروت وعدد من مناطق الجنوب والبقاع احتجاجا على برنامج هزلي تناول الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله.

وكان من الطبيعي ان يكون "حزب الله" الهدف المثالي في حقل الرماية السياسي انطلاقا من أعمال الشغب التي رافقت الاحتجاج على البرنامج.
وخلافا لما خيّل الى كثيرين أن البرنامج يتعاطى مع "بسمات وطن" فيضحك ويقهقه بفرح وانشراح على السياسيين وصولا الى رجل الدين الذي أثار الضجة والشغب، فان البرنامج هو في الحقيقة نعي للوطن، وإظهار للحال التي تصيب الأوطان عندما تموت.

و"بس مات وطن" مشهد هزلي في وطن ميت، تسرح فيه أحزاب وعصابات وميليشيات، ومعها طوائف ومذاهب يستغلها تجار ومنافقون ومتكاذبون. ويرقص هؤلاء الدبكة فوق ضريح الوطن الذي تحول مجموعة شوارع تغصّ بناس غادروا منازلهم على دفعات منذ 14 شباط 2005، ولم يعودوا اليها. وقد شوهدوا بكثافة في 15 شباط، و8 آذار، و14 آذار، ثم في تواريخ متقاربة في السنة التالية، دون أن يجدوا من يلغي الشوارع ويعيدها وطنا، تمهيداً للرجوع اليه.

وهكذا استمر الوطن مجموعة شوارع، يتماهى معها الناس. فاذا هناك الشارع المسيحي الماروني، والشارع الكاثوليكي، والشارع الارثوذكسي، الى جانب الشارع السني، والشارع الشيعي، والشارع الدرزي، والشارع العلوي الخ...
وقد فشل الحوار، ويا للأسف، في إلغاء الشوارع، واعادة اللبنانيين الى منازلهم، بدليل ما حصل ليل الخميس – الجمعة الماضي من ردود فعل في الشارع، سرعان ما تحولت شغباً كاد أن يهدد الوحدة الوطنية، ويوقظ وحش فتنة طائفية كان نائما.

وهذه الشوارع ليست بنت ساعتها، بل هي من صنع نظام الوصاية وقد اتكأ عليها في حكمه لبنان لأكثر من ربع قرن. وبقيت على حالها بعد مغادرته لها في 26 نيسان 2005. لذلك لم تكن مفاجئة لأحد التحركات الشيعية الغاضبة على برنامج "بس مات وطن". كذلك لم تكن مفاجئة ردود الفعل على بعض خطوط التماس وخصوصا في الشياح – عين الرمانة، والكولا – الطريق الجديدة... وصولا الى كنيسة مار مخايل في الشياح حاضنة التوافق بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" والتي لم يكن مضموناً أن وثيقة التفاهم بين الفريقين ستحميها من نار العابثين والمخربين الذين يحفل بهم كل شارع وينتظرون الفلتان لترجمة ثقافة التكفير والكره والإنكار لكل ما ليس هو من عقيدة "الثائرين" على "بس مات وطن" وعقيدته.

ورُبّ قائل ان الفترة القصيرة نسبيا التي تفصل بين توقيع ورقة التفاهم بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" في 6 شباط لم تكن كافية ليتكيّف شارع الحزب مع شارع التيار، والشارع المسيحي عموما، بدليل الخطر الذي استشعره الحزب على الكنيسة، والهلع الذي أصاب الشارع المسيحي في الشياح وعين الرمانة، وهو هلع من النوع الذي يعيد الى الاذهان المتاريس والقنص والقتل على الهوية.

ولم "يقصّر" بعض قادة المسيحيين في الإثارة واظهار الغيرة عليهم بغية تحقيق مكاسب سياسية، فانطلقوا في زعيق ميليشياوي ذكّرنا بأيام الحرب السوداء يوم كان الهمّ الاساسي ان يتماهى المسيحيون المسالمون والعزل مع المحاربين، بحيث تكون المعادلة هكذا: أنت مسيحي او أنت ماروني، إذن أنت ميليشياوي من "الصخرة" أو "النمور" أو "التنظيم" لا فرق، حتى وإن كنت من أنصار الكتلة الوطنية، أو عضواً في أخوية الحبل بلا دنس !

في حين كان مفروضاً في هؤلاء الزعماء توفير الاطمئنان الى الشارع المسيحي بأن الساعة لن تعود الى الوراء، وأن الظروف التي أدت الى تقاتل اللبنانيين لم تعد موجودة، وأن الوجود الفلسطيني المسلح يجب ألا يستدرج أحدا الى صدام، وأن التشنج السياسي هو الذي أدى الى بلوغ جمهور "حزب الله" شوارع التماس في المناطق المسيحية، وان لكل داء دواء.

وكان واضحاً أن الرماية على المقاومة و"حزب الله" بكل أنواع الاسلحة السياسية، هي التي أخرجت الناس من منازلهم، وكانوا مسترخين على وشك التوجه الى أسرّتهم. ولو لم يكن في "بس مات وطن" ما يمس الاحاسيس والعواطف لما اهتاج جمهور "حزب الله" وراح يضرب في الليل، ليل الوطن، ودون وعي أحيانا.

وفي الاوطان – الشوارع تضيع القيم، ويسود التكاذب والرياء.

فثمة كثيرون، وكثيرون جداً، لم يصدّقوا أن المقاومة التي كانت بالأمس مقدّسة، تقدم الشهيد تلو الآخر على مذبح الوطن، يروون ترابه بدمائهم الزكية، بقيادة سيد الشهداء الذي لم يبخل بابنه على الوطن - لم يصدّقوا أن هذه المقاومة التي دحرت العدو تتعرض للتنكر مع قائدها فتصبح هي ميليشيا "غادرة" خارجة عن القانون مطلوب اصطيادها، وقائدها عميل فارسي!

من هنا يمكن أن يُفهم كيف ان كلام شربل خليل في "بس مات وطن" قد أيقظ وحش الفتنة الذي كان نائما.

والناس التي مات وطنها وتفصل بينها شوارع، لا تعرف التسامح لان الذي علّمها أن في وطنها جماعات متصهينة لم يلقّنها نقيض ذلك بعد انتهاء "حروب الآخرين" وانكشاف المؤامرة على وحدة اللبنانيين واستقلالهم وسيادتهم من أقرب القريبين اليهم.

إن وطن شربل خليل "بس مات" هام أهله في الشوارع دون أمل، لذلك مطلوب من الزعماء الذين يلتقون دورياً حول طاولة الحوار، إحياء هذا الوطن لإعادة أهله اليه واخراجهم من الشوارع، على أمل ان تكون وثيقة الشرف التي أجمعوا عليها أمس الطريق الى هذا الاحياء وخصوصا ما ورد فيها:"التزام الجميع قواعد الاحترام المتبادل في التخاطب السياسي والاعلامي وبالتقاليد الديموقراطية العريقة التي طبعت حياتنا السياسية والتي تحفظ حق الاختلاف في الرأي والمواقف وحرية الاعتقاد بعيدا عن التجريح والمس بالكرامات الشخصية او الحرية الفكرية. والسعي الجدي من أطراف الحوار لدى مؤيديهم والوسائل الاعلامية التابعة لهم، من أجل احترام مضمون هذا الميثاق، والحد من الاحتقان السياسي والطائفي الذي بات ينذر بمخاطر كبيرة لا يجوز السماح بحصولها او التمادي بها.
وحصر ممارسة حق التعبير او المطالب في أطر الديموقراطية، ان كان من خلال المؤسسات الدستورية ووفق القوانين المرعية لمنع التجاوزات والحؤول دون حصول أي شغب محتمل".

وليكن الله في عوننا جميعا.

النهار (09 06 2006)

 

هذا المقال

 

العنوان:

لبنان شوارع لا وطن!

الكاتب:

أدمون صعب

المصدر:

النهار

تاريخ النشر:

(09 06 2006)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | المكتبة | بأقلامهم اليافعة