تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday November 02, 2007 الساعة 08:39:09 PM

مقـالات

الرئيس لا يُصنع في بكركي

أدمون صعب

"لكي تسمو السياسة لا بد من سمو النفس"
ميشال شيحا
(شعار تبناه المرشح الرئاسي روبير غانم)

يُسمّي، أو لا يُسمّي...

تلك هي المشكلة!

لا، ليست المشكلة في التسمية، ولا هي في بكركي. وهذا ليس دفاعاً عن سيدها الذي لا يحتاج الى شهادة من احد، سواء في الوطنية او في الصبر ورجاحة الفكر، او في النظر الى الماضي وتجاربه المحبطة، وكذلك الى المستقبل وآفاقه الغامضة لكثرة ما يحوط لبنان والمنطقة من اخطار تجعل استشراف الغد امراً غاية في الصعوبة.

والبطريرك الماروني الذي يُعاند في موضوع التسمية، لا نظنه عاجزاً عن استنخاب ماروني يكون افضل مسيحي، وذا رؤية الى التعايش من شأنها جعل رئاسة الجمهورية، رغم انتقاص اتفاق الطائف من دورها داخل آلة الحكم، مركز التلاقي ورمزاً للوحدة والحارس الحقيقي للدستور، والقدوة في التجرد والشفافية والانصاف للسياسيين كما لسائر المواطنين.

الا انه اذ يُحاذر الوقوع في شرك التسمية فلأنه مُدرك ان الازمة التي يمر بها لبنان ليست مارونية، ولا هي ازمة رئيس يكثر العاملون على "صنعه" كأنه طبخة تجنّد لها جيش من "الطباخين"، بل هي ازمة معقدة تختلط فيها النزاعات الطائفية والمذهبية، وتصطرع النظريات العقائدية وحتى الالهية، على خلفية مصالح حزبية وفئوية وحتى مناطقية ذات امتدادات اقليمية ودولية تلفها مثل اخطبوط بحيث يصعب احياناً تكوين تصوّر منطقي لطريقة التخلص منه والعودة بلبنان الى الحلبة الصغيرة التي يمكن في اطارها ايجاد الرئيس المناسب.

ان المسألة تتعدى البحث عن اسم، الى ايجاد من يقبل جدياً الاقدام على مغامرة في الظروف الصعبة التي يجتازها لبنان والمنطقة، ويضمن لنفسه البقاء على الحياة لانقاذ البلاد والمحافظة على وحدتها!

من هنا تبدو صعوبة ايجاد مثل هذا الرئيس الذي تُعتبر مواصفاته منه وفيه، رغم كثرة المرشحين الطامحين الى الصعود الى بعبدا وكأنهم لا يدرون ماذا ينتظرهم في الطريق اليها، قبل الوصول والجلوس على الكرسي.

وقد رسم الرئيس الراحل شارل حلو صورة قاتمة لوضع المسيحيين بعد الطائف والخراب الذي اصاب البيت المسيحي جراء الخلافات التي زعزعت اركانه، بالآتي: "بعد الطائف اعتبر المسيحيون انفسهم مظلومين، فحاربوا بعضهم بعضاً، وقتلوا من استطاعوا قتله، وخرّبوا ما استطاعوا تخريبه، وطعنوا بالكنائس التي وصلوا اليها... وعلى هذا الشكل لم يعد لدينا دفاع عن اي شيء منطقي ولا عاطفي ولا دستوري... والذي نطالب به هو ان نكون الى حد ما متفقين مع بعضنا البعض كمسيحيين، ثم كمسيحيين ومسلمين"( ).

ورب سائل: كيف لناس مظلومين، يفهمون الزعامة تقاتلا وتصفيات جسدية، وقد خرّبوا كل شيء تقريباً، واسقطوا كل حصون الدفاع "المنطقي والعاطفي والدستوري"، ان يُطلب منهم ان يكونوا منقذين وعادلين ومنصفين، قبل ان يُرفع الظلم عنهم؟ ولعل الظلم الاكبر الذي يقع عليهم، فوق تهميشهم، ان يُطلب من راعي "شعبهم" ان يختار ناطوراً لمزرعة كل شيء فيها سائب !

ولقد تدحرجت رؤوس مارونية كثيرة منذ بدأ السباق على الرئاسة جراء المواصفات التي تبارى كثيرون في وضعها في "دفتر الشروط الرئاسي"، وكأن الموارنة هم المشكلة، او هم الذين افتعلوا الصراع السني – الشيعي الذي يُعتبر لب الازمة اللبنانية، او هم الذين تواجهوا مع سوريا، او تصادموا مع ايران بسبب "حزب الله" وما يمثل من قوة شيعية داخلياً، واقليمية لا مجال لانكارها في مواجهة اسرائيل وكذلك الولايات المتحدة. او هم الذين شرّعوا الباب الداخلي لتداعيات الصراع الشيعي – السني في العراق، والتوجس السعودي – المصري – الاردني وتوابعها من الزحف الايراني – كي لا نقول الفارسي – على المنطقة.

وقد تكون قمة العجب ان يقبل ماروني عاقل، ومدرك لواقع لبنان والمنطقة ولما ينتظر اي مقيم في بعبدا، الترشح الجدي لرئاسة الجمهورية بحسب المواصفات المطروحة والتي تقرب شخص الرئيس من الرهبان والنسّاك.

وربما كانت اللقاءات الثنائية بين الزعيم السني النائب سعد الحريري والزعيم الشيعي رئيس مجلس النواب نبيه بري، مفوضاً من الزعيم الشيعي الآخر السيد حسن نصرالله، هي السبيل السليم المؤدي الى الموقع الرئاسي، بازالة الاشواك والعقبات من الطريق الى بعبدا، وهي اشواك وعقبات لا علاقة للموارنة ولا لبكركي بها، بل هي ارصدة حسابات سنية شيعية لا بد من تصفيتها، حتى تصبح الطريق الى بعبدا، سالكة وآمنة.

على ان تفضي اللقاءات الثنائية، على ما اشار الى ذلك الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله امس، الى لقاءات ثلاثية تضع الاسس التي ستحكم المرحلة المقبلة التي يُفترض ان يستعد الرئيس الجديد لجبهها.

لذلك فان حشر البطريرك الماروني في موضوع التسمية هو هروب الى الأمام من التفاهم على الامور المختلف عليها أولا بين فريقي السنّة والشيعة. كذلك هو تجاهل لـ"الظلم" الذي حل بالمسيحيين جراء الطائف حين مورس عليهم، وعلى بكركي خصوصا، ضغط من أجل القبول بتجريد الرئيس الماروني من صلاحياته "الملكية" وتحويلها الى مجلس الوزراء الذي يرأسه سني، الامر الذي أظهر بالممارسة، وخصوصا في السنوات الثلاث الاخيرة، ان الجمهورية تستطيع الاستمرار بدون رئيس، وأن في الامكان الاستغناء عن دور الرئيس في هرم السلطة، رغم القول إن الدستور أعطى الرئيس دورا وصلاحيات لكنه لا يمارسها.

لذلك قبل استدراج البطريرك الماروني الى تسمية المرشح الماروني الوفاقي، ينبغي اشراك الشريك الماروني بطريقة ما في البحث الثلاثي عن حلول للمثلث المأزوم الذي تحدث عنه الاستاذ غسان تويني في مقالته الاخيرة، أي وضع مزارع شبعا، العلاقات مع سوريا، وسلاح "حزب الله" بحيث يطرح سؤال واحد على المرشحين الجديين للرئاسة، اذا كان لا بد من امتحان لقدرتهم على النهوض بأعبائها في المرحلة المقبلة: أي حلول لديكم لهذا المثلث؟ بل هل في وسعكم التوجه الى دمشق فور انتخابكم للبحث معها في ملف العلاقات المأزومة، في قضايا الحدود، والاتفاقات السابقة، والتمثيل الديبلوماسي؟ ثم من يستطيع إيجاد حل لموضوع سلاح "حزب الله"، ومن تطمئن المقاومة الى وجوده في بعبدا، مما يسهل لها البحث في الاستراتيجية الدفاعية ووضع السلاح في اطار هذه الاستراتيجية؟ كذلك من يستطيع إقناع المجتمع الدولي بوضع مزارع شبعا في عهدة الأمم المتحدة؟

وأخيرا، من يشكّل وصوله الى بعبدا ضمانا للاستقرار السياسي والامني في البلاد، فيضع حدا لأعمال القتل والاغتيال، ويوحي لسوريا تاليا أن الحكم الجديد غير معادٍ لها، وأنه غير تابع الى أي وصاية خارجية، عربية كانت أم دولية؟

وربما اعتبر اللقاء الثنائي في باريس بين العماد ميشال عون ورئيس "كتلة المستقبل" النائب سعد الحريري بداية البحث عن أجوبة عن هذه الاسئلة، وأن هذا البحث لا بد ان يُستكمل مع الرئيس بري ليصبح ثلاثي الأبعاد.

لكن وضع القطار على سكة سليمة لا يتطلب من بكركي تسمية الرئيس، بل الاعتراف بالعماد عون زعيماً مارونياً شرعياً في البحث الثلاثي عن حل. ذلك ان قواعد اللعبة لدى كل الافرقاء في لبنان تقضي بأن يكون الزعيم الوطني هو الاقوى في طائفته. وهذا هو واقع الحريري وبري ونصرالله وجنبلاط... فهل تفك بكركي عقدة الزعامة المارونية وتساهم في دفع الامور نحو الحل، من طريق وقف حرب الالغاء داخل الطائفة والتحول نحو التكتل حول الزعيم الاقوى سياسياً وشعبياً ووطنياً؟

وبغير ذلك سيبقى التشرذم سيد الموقف، ومعه نزيف الهجرة وتقلّص الدور المسيحي داخل الصيغة.

(•) حوار أجراه معه غسان تويني في "تلفزيون لبنان" بتاريخ 4/6/1993 ونشر في كتاب "شارل حلو حياة في ذكريات" الصادر عن "دار النهار" في 1995.

النهار (02 11 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

هل يُعاقَب الموارنة بحرمانهم الرئاسة ؟

الموارنة ليسوا "البارونات" ولا "أمراء الحرب"!

زيارة حلم أميركية لرفيق الحريري ؟

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007