|
|
|
آخر تحديث Monday November 05, 2007 الساعة 08:30:30 PM |
لبنان، كيف يكون عاصمة الديمقراطية والسلام في الشرق الأوسط غسان تويني نعم، هكذا، وأكثر: المدخل الى السلام هو، وفي البدء، وليس العراق وديمقراطيته المجوقلة، ولا باكستان وديمقراطيتها المعسكرة – التي نخاف ان تصبح خاتمة تطوراتها النموذج الذي يحتذيه الرئيس العماد اميل لحود وهو يغادر عصفوريته الدستورية التي حسنتها الوحيدة انها لن تحوجه الى "تعليق الدستور" المشنوق حتى العفن من فرط ما شدّوا الحبل حول عنقه الطري وفي الهواء الطلق!!! نكاد "نزهق"، والقراء، من الحديث عن الاستحقاق وماذا يحقق أو لا يحقق من فرط ما تكاثر ترداد وصف المواصفات، في الأحاديث والعبارات اياها من المتعلّقين بالاستحقاق كما من المتهافتين على احراقه في النار، أية نار، ملتهبة كانت، يرخص زهق الأرواح عندها أو "ناراً خفيفة" تذيب القيم الانسانية وميثاقية الديمقراطية ومناقبياتها والأخلاق الموضوعة للشوي على اطباقهم! نعود نكتب فقط لنتجاوز الفعل الدستوري في حد ذاته الى الجوهر "الرسولي" الذي كان قد سمّاه البابا يوحنا بولس عندما قال ان لبنان "هو أكثر من بلد، انه رسالة". وجاء وزراء خارجية أوروبا المتوسطية التي تكمّل جغراسية قياداتهم حضارة أرضنا وتراثنا والانسان – جاؤوا يفصحون عن البعد السياسي لهذه "الرسالة" كما لم يفصح قداسة البابا، فقالوا لقادة طاولة الحوار ان جوهر "لبنان الرسالة" هو الديمقراطية التي يجب ان يكون عاصمتها... أي ألا يستوطنه الارهاب، ولا تتخمّر في أرضه الأصوليات أياً تكن، مسيحية كانت أم اسلامية لا تمييز!!! * * * من هذا المنظار، نفهم كيف ان المسيحية الأوروبية ظلت قروناً تتبرأ من الحروب الصليبية "القرون الوسطوية" وما انتهت اليها كلها من هزائم، ومما برّت به من فضائح حافلة كسرقات انطاكية والقسطنطينية، مما لم يقدم على مثله الفتح التركي لبيزنطية. ومن مثل هذا المنطلق نقدّر فظاعة تحوّل لبنان، فيتشبّه الآخرون، الى قلاع ومخيمات طائفية ترفع اسم الله وأديانه الواحدة شعارات وتمضي تدك صروحها بدل ان تتشبه بالصورة الأبلغ والأروع للعبادة المشتركة يوم وقف سماحة الإمام موسى الصدر (أعاده الله الينا وكشف سرّ تغييبه وعزز استلهام المتأخرين لعظمة كلامه وهو يدشن موسم الصيام في كاتدرائية اللاتين في بيروت...). باسم هذا الكلام، لم يخض الإمام حرباً مذهبية على السنّة كانت "تستفعل"، لو قامت، ولاية بن لادن او الظواهري على السنّة مع "فتاوى " أمثالهما، بدل الاستمرار في احياء "سلفية" نهضويي القرن التاسع العشر وسائر المنوّرين، وصولاً الى كبار الفلاسفة الأقدمين، ابن رشد والغزالي والفارابي الآتين من أفغانستان (ما غيرها) وابن خلدون، والشاعر ابن الرومي الذي غدت قصيدته شعاراً عظيماً. * * * وإن ننسَ، لا ننسَ "مولانا الإمام الصالح القطب جلال الدين الرومي" ولا من قبله بأربعة قرون الامام الاوزاعي المدفون في بيروت ليظل ترابه بركة لعاصمة النهضة والتنوير. بوحي من هؤلاء، لا بوحي من سواهم أي من "أئمة" الخيم وقلاع الحرب المشيدة كلها بالمال الحرام، اطلق ميشال شيحا أبو الدستور اللبناني (الدستور الذي يتذرّعون به، زوراً وبهتاناً) اسم "العائلات الروحية" على المتّحدات الاجتماعية – الدينية، وأقام بينها ميثاق الوفاق والتوافق جاعلاً دستور حياتها محبة الآخر والثقة المتبادلة، لا الحقد والغضب والتهويل المقيم بالارهاب العظيم! ذلك هو بلد الديمقراطية الرسالة المباركة من الله، وليس تجمّع المقاتلين يهللون للرعب الذي ينشرون وكأنه بديل مخافة الله وحكمة الكتب المقدّسة. في كتابنا نحن الذي كان يقدّسه كذلك الإمام القطب الملقب بـــ "الشيخ المسكوني" – في كتابنا ان "في البدء كان الكلمة، لأن الكلمة كان الله والكلمة كان من الله"... فهل تخالف؟ لا أخالك تريدنا أن نصلّي ونقول: في البدء كانت الذرّة، يحمل الصاروخ قنبلتها لنشر الايمان بالله! ثم هذه الملاحظة عن الحرب المذهبية وحرب ايران النووية: ان الحرب المذهبية تسيء الى ايران والى تطوير برنامجها النووي (الذي نؤيده جميعنا). ذلك ان الحرب المذهبية في لبنان ستشعل حروباً مماثلة في العالم العربي الاسلامي بكليته، مما يفوّت على ايران المعزولة اذذاك التضامن الذي هي في أمسّ الحاجة اليه، فيما اذا واجهتها اميركا بالحرب التي بها تهوّل. فحذار، ولنترك السعودية تستمر في فتح الآفاق الجديدة في ديبلوماسيتها "المكية"، كمثل مفاوضاتها النووية مع ايران. فرحمة بالعباد، اطلق يا سيد حسن نصرالله سراح اتباعك الذين تأسرهم ببلاغة كلمتك. ولنحمل معاً، كلنا أي العائلات الروحية الثماني عشرة التي لا يضم مثلها وطن سوانا في الدنيا. ولننجح في اقامة وحدة على صورة وحدة الله الواحد الأحد، الأبدي السرمدي، علّنا نجعل هذا الوطن حقاً عاصمة السلام في ديارك وديارنا كلنا، معاً. ولا يغرّنك او يغرّر بسواك من هم على نهجك سراب. لا احد لا هنا، ولا في العالم الخارجي سيسمح بتحويل لبنان، واستطراداً سوريا، الى مجموعة "كردستانات"، شيعي من هنا وماروني من هناك وربما فلسطيني من هنالك الخ... وربما علوي كذلك، لمَ لا؟ لا. لا... لا احد سيسمح، ولا احد يظن ان اسرائيل واحدة لا تكفي العالم شر الهموم "الاقلية". مفهوم؟ * * * وبعد، بعض الملاحظات التي لا بدّ منها في صدد السلام العالمي: 1 – أوروبا تعتبر، بمعظم دولها، أن ميثاق لشبونة الذي حلّ محل الدستور شبه الاتحادي لا يضعف القدرة الموحدة على التحرك الدولي، ولو ذبل شيء من زهو الرومنطيقية. من هنا ان التحرك الأوروبي تظل له فاعليته وأكثر لانه يتم من طريق اللجنة والمسؤول عن السياسة الخارجية في بروكسيل من غير إخضاع نص القرار للتعقيدات الدستورية وما ترتبه من اضاعة وقت وجهد وما يفقده ذلك من استمرارية التقرير وفاعلية المتابعة. 2 – ثمة، في خلفية العلاقة الأوروبية – الأميركية، شبح عودة الحرب الباردة ولو بفتور، تعقّد حساباتها المنافسة المالية نتيجة هبوط سعر الدولار نسبة للأورو، ومؤثراته. ولا أحد في أوروبا يجرؤ بعد حتى على اختبار التوجهات المحورية للقوة الآسيوية، وفي طليعتها الصين وقوتها الصناعية، فضلاً عن ضخامة مخزونها من الدولارات والأسهم الأميركية، اضافة الى الذهب الذي يسابق النفط في ارتفاع الاسعار. والمتوقع ان تدخل الصين صراعات الشرق الاوسط، بعد ان تنجز تعزيز مركز لها في أنحاء أفريقيا، بالكثير من مظاهر البراءة. 3 – ولأن مصير مسيحيّي المشرق، أي المسيحيين الاوائل هو موضع البحث، إنسانياً وسياسياً، فان مصير القدس بالتحديد فضلاً عن موقع الأرض المقدسة يخوّل لبنان، الدولة العربية الوحيدة التي للوجود المسيحي فيها تعبير سياسي قيادي، لعب دور في ترجيح القوى وصوغ الحلول. وهذا بالذات يعود بنا الى انتقال الصراعات الشرق الأوسطية من النزاعات القبلية الطائفية الى تأثير الالتزام الروحي في الحوارات الثقافية والعقائدية. 4 – في مؤتمر السلام المقبل، يمكن، بل يجب أن يتألف محور "سلامي" مقدسي الالهام لا خلفية ارهابية له، ولا غش ولا مواربات تحتيات باطنيات. يضم هذا المحور لبنان وفلسطين "موحدة الكلمة" وسوريا، يحرر شبعا والجولان (محررا هكذا لبنان من الطموح السوري بالرجوع اليه بديلا!) ويمكن، لكي يكون تحرك هذا المحور" عملاني وايجابي ان ينطلق مما يعرف بـ "لا ــ ورقة" موراتينوس المقدمة الى مؤتمر طابا عام 2001، والتي تسجل بدقة وموضوعية ما يتفق عليه الفلسطينيون والاسرائيليون، وما يمكن حملهم على الاتفاق عليه انطلاقا من تعويم فكرة "ثنائية" القدس عاصمة الدولتين، في ضوء قرار مجلس الأمن 242 وقرارات الجمعية العمومية بشأن عودة اللاجئين والتعويضات على مراحل وكل النقاط التي كانت مثارة آنذاك في مشروع الرئيس كلينتون. على أن يظلل التحرك الثلاثي العربي الجديد مشروع الملك عبدالله المعلن من قمة بيروت في ما بعد. * * * ختاما، نعود الى الاستحقاق والمواصفات؟ نعود لنقول بعبارة واحدة أن المطلوب رئيس رؤيوي قيادي قادر على بلورة مثل هذه المبادرة مع رئيس حكومة ووزير خارجية "قدّ الحمل" ودعم برلماني فعال على المستوى الدولي. النهار (05 11 2007) |
|
|||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||
|
منتدى النهضة ® 2007 |
||||||||