موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث vendredi juillet 28, 2006 الساعة 10:19:02

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

 

"حكومة حرب" لإنقاذ لبنان

أدمون صعب

"(...) وقياءُ الخُزي على مجدك، لأن ظلم لبنان يغطّيك، واغتصاب البهائم الذي روعها لأجل دماء الناس، وظلم الارض والمدينة وجميع الساكنين فيها".

سفر حبقوق
(العهد القديم، الاصحاح الثاني)

"بحزن عميق أكتب اليك هذه الرسالة وأنا أشاهد على شاشات التلفزيون بلدي يدمّر على أيدي الاسرائيليين الذين لا يقيمون وزنا لأي قانون دولي. ويزيد حزني وأنا أشاهد أعضاء وفد حركة 14 آذار يتناولون الغداء مع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في السفارة الاميركية قبل أيام، ويضحكون كما لو أن البلد الذي يدمّر ليس بلدهم.

ان هذه الحرب اذا لم توحّد اللبنانيين فان لا شيء آخر يمكن أن يوحّدهم. انه الوقت المناسب لأن نُظهر للعالم اننا نحن اللبنانيين، رغم خلافاتنا الكثيرة، قادرون على الوقوف صفا واحدا في زمن الحرب والتكلم بصوت واحد. إنه لمخجل حقا ان نرى فريق 14 آذار يقهقه في السفارة الاميركية في مثل هذه الاوقات الصعبة والحزينة...".

خالد نصر المواطن العادي صاحب هذه الرسالة، يكاد ينطق باسم جميع اللبنانيين، وخصوصا انه لم يصدق ما رآه على التلفزيون. فمن جهة، آلة الحرب الاسرائيلية تدمّر العمران في بلاده، وتقتل المئات من شعبه وتشرد مئات الألوف. ومن جهة أخرى وجوه لقياديين في حركة استقلالية في وطنه يمرحون ويقهقهون حول مائدة غداء في سفارة الدولة التي تشجّع اسرائيل على العدوان بداعي الدفاع عن النفس، وترفض بشدة وقف اطلاق النار الذي تطلبه الحكومة اللبنانية وتصر عليه!

بين قهقهة لا شيء يفسّرها سوى اللامبالاة والانفصال عن المشهد التدميري والدموي في بيروت والجنوب، والحشرجة التي يصعّدها الشهداء في ساحات الشرف، والضحايا البريئة من الاطفال والنساء والشيوخ تحت أنقاض مبان تدكها صواريخ الطائرات الاسرائيلية وقنابلها التي تصب حممها على المنازل والاحياء السكنية بعشرات الاطنان، تنكشف آفاق معركة يخوضها الاسرائيليون بالنيابة عن مهندسي مشروع "الشرق الاوسط الجديد" الذي بشرتنا به وزيرة الخارجية الاميركية.

وزاد كلام وزيرة الخارجية الاميركية وضوحا، ما أعلنه الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، عشية مؤتمر روما، من ان الحزب كان على علم بخطط الحرب التي كانت اسرائيل تعدها لشنها على لبنان من أجل تصفية المقاومة، وأنها كانت ستشن بين ايلول وتشرين الاول، وان الحزب قام بعملية استباقية في 12 تموز كان من شأنها إفقاد الخطة الاسرائيلية عنصر المفاجأة.

كذلك ألقت أضواء على هذه الحرب المعلومات التي نشرت في الصحافة الاميركية وأفادت ان الاميركيين قد اطلعوا قبل سنة على خطة الحرب التي أُطلق عليها اسم "حرب الاسابيع الثلاثة" وأنها تفترض تدمير جزء مهم من البنية التحتية اللبنانية.

إلا أن هذه الحرب في الخطط التي أعدت لها، كما في أدوات التنفيذ، تفترض تمزيق لبنان، وضرب وحدته الكيانية، وتفتيته، وتعطيل صيغة العيش المشترك فيه.
وإنهاء "حزب الله" الذي يحظى بتعاطف "مطلق" من الطائفة الشيعية، على ما أفاد السيد هاني فحص في مقاله الاخير في "النهار" السبت الماضي، يقتضي القضاء على الشيعة، وتمزيق أوصالهم، وربما نفيهم الى سوريا وايران، نظرا الى ان المعركة في أفقها الابعد هي معركة أميركية – اسرائيلية ضد نفوذ سوريا وايران في المنطقة، عبر القضاء على "حزب الله" في لبنان وتقليص الدور الشيعي في الشرق الاوسط الجديد، من أجل اراحة اسرائيل، وطمأنة الانظمة العربية التي يهددها النفوذ الايراني المتوسع في المنطقة.

ان أخطر ما يحصل الآن قد لا يكون التدمير الاسرائيلي، والتشجيع الاميركي عليه في سبيل كسر "حزب الله" وتنفيذ القرار 1559 على حرارة الحديد الحامي وشلالات الدماء، بل هو شعور المقاومة بأنها معزولة، وتقاتل وحيدة، وأنها متروكة حتى تنهزم امام الاسرائيلي فتسلّم سلاحها. وهذا يعني، كما حصل في حرب فلسطين عام 1948، أن الجيوش المنكسرة سترتد على الانظمة المتخاذلة وتنتقم منها بشتى الطرق.

لذلك فان جميع اللبنانيين مدعوون اليوم الى دعم المقاومة في هذه الظروف العصيبة، وتناسي الخلافات، ودفن الاحقاد، وخصوصا ان الاميركيين والاسرائيليين قد تحدثوا صراحة في أن أهداف هذه الحرب تتجاوز لبنان الى تصفية الحركات "الارهابية"، والمقاومة من ضمنها، في الشرق الاوسط الجديد، متجاهلين في الافكار والحلول المطروحة لوقف النار وانهاء القتال، ان للبنان حقوقا على اسرائيل في مزارع شبعا، وأن المقاومة هي نتيجة للاحتلال وليست سببا له. وأن وقف الحرب المدمّرة، وتفويت الفرصة على اسرائيل لتحقيق انتصار على المقاومة، من شأنهما تقوية مشروع الدولة الذي يفترض ان تساهم فيه المقاومة بقوة، بعد استرداد شبعا وانخراط مقاتلي "حزب الله" في الجيش او في تنظيم ينبثق من خطة لتحصين لبنان ضد أي اعتداء اسرائيلي عليه في المستقبل، الى ان تحل أزمة الشرق الاوسط وتعقد اتفاقات سلام مع اسرائيل يكون لبنان آخر الموقعين لها.

ولا بد من تحذير الطابخين للحلول المختلفة، وخصوصا الحل الذي يرمي الى "تحييد" لبنان عن أزمات المنطقة، وجعله في منأى عن النفوذين السوري والايراني، وتجاهل المطامع الاسرائيلية، ووضع قوة فصل دولية في الجنوب بين لبنان واسرائيل، وإحلال قوة مماثلة على الحدود بين لبنان وسوريا على نحو يساوي بين العدو والشقيق. لأن مثل هذا الحل يجعل لبنان يضيّع البوصلةـ، يوجد حالة عداء دائمة بين شقيقين وجارين تقوم بينهما علاقات تاريخية، انسانية واقتصادية واجتماعية. علما أن ثمة عدوا واحدا مشتركا للبنان وسوريا هو اسرائيل. ولا عدو سواها في المنطقة.

ويجب أن يقاوم اللبنانيون كفريق واحد الحرب المفروضة عليهم، وكذلك الحلول التي تُطبخ لهم دون علمهم، باقامة جسور بين حركتي 14 آذار و8 آذار التي تدعم "حزب الله" في مقاومته اسرائيل في الجنوب، ومعها "التيار الوطني الحر" وهما يشكلان مع حلفائهما أكثر من نصف اللبنانيين، مما يجعل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة حكومة أقلية، معرضة في كل لحظة للتشكيك في شرعية النطق والمفاوضة وطرح الحلول باسم اللبنانيين جميعا، تماما كما حصل في مؤتمر روما، وطرح في مجلس الوزراء أمس.

وهذا يستدعي اعادة النظر في التركيبة الحكومية، بحيث تتشكل "حكومة حرب" أو "حكومة طوارئ" قادرة على المفاوضة، ورعاية النازحين والمهجرين، فضلا عن مواجهة آلة الحرب الاسرائيلية المدمرة التي لا تميز بين اللبنانيين، وتضرب بجنون وتتوعد بأكثر.

إن المرحلة تتطلب أقصى درجات الشجاعة، والوطنية المترفعة عن الحزازات والخلافات، من أجل الاتكال على الامم المتحدة بدل وضع كل البيض في السلة الاميركية.

ويجب العمل كذلك مع أصدقاء لبنان في العالم، وانهاض الجامعة العربية لدعم لبنان في المحافل الدولية من أجل اقرار وقف فوري لاطلاق النار والبدء بمفاوضات غير مباشرة، على ما اقترح "حزب الله"، لتبادل الاسرى، وتطبيق اتفاق الطائف والقرار 425 لبسط سيادة الدولة على الاراضي اللبنانية كاملة، وايجاد حل لمزارع شبعا المحتلة، الامر الذي ينهي الصراع مع "حزب الله" حول سلاحه، ويحول دون اسرائيل وتدمير لبنان، وخصوصا ان المقاومة لا يُلغيها سوى تحقيق الاهداف التي قامت من أجلها.

ان اسرائيل لن تنجح في انهاء المقاومة، وإن قتلت جميع الشيعة في لبنان، لان مقاومة اخرى اشد عنفاً وحقداً على الكيان الصهيوني ستقوم، وسابقة "جبهة المقاومة الوطنية" لا تزال ماثلة في الاذهان. لذلك يجب ان يقف جميع اللبنانيين مع المقاومة، من أجل بقاء لبنان واستمراره. وهذا أمر يهم اللبنانيين وحدهم، لأن بلدهم هو الذي يتعرض للتدمير، وشعبهم هو الذي يشرّد، لا الشعب الأميركي ولا سواه.

النهار (28 07 2006)

 

هذا المقال

 

العنوان:

"حكومة حرب" لإنقاذ لبنان

الكاتب:

أدمون صعب

المصدر:

النهار

تاريخ النشر:

(28 07 2006)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | المكتبة | بأقلامهم اليافعة