موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث lundi août 28, 2006 الساعة 09:13:39

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

 

الانتصار على التقوقع والانعزال

أدمون صعب

نصرك الحقيقي في أن تهدم باستمرار أقواس نصرك.
أدونيس
(في "فهرس لأعمال الريح")

ثمة مشهدان لا يغيبان عن البال: طوابير طويلة من اللبنانيين، والشباب خصوصا، امام السفارات للحصول على تأشيرات لمغادرة البلاد على عجل بأي وسيلة كانت، تقابلها طوابير أطول من اللبنانيين العائدين الى القرى والبلدات المدمَّرة في الجنوب، يعبرون فوق الجسور المقطعة، ويمشون في الوديان حفاة في كثير من الاحيان، متسلقين التلال الوعرة للوصول الى مساقط رؤوسهم وملاعب صباهم. وإذ يصلون، فإن أول ما يفعلون هو تقبيل التراب الذي أنبتهم وجُبل به دم الشهداء، ضارعين الى الله ان يحفظ هذه الارض التي اشتراها لهم ابطال المقاومة واوصوهم بألا يبرحوها، وان يسقوها بدماء من يجيء بعدهم، لانها ارض مقدسة.

وهل هي مصادفة ام قدر يعيد الى لبنان اسطورة ادونيس التموزية التي تختزن كل معاني البعث من خلال الحصاد، وبيادر الابطال الذين كتبوا بالدم نهائية الوطن، "لبنان اولا" ووضعوا فوق رأسه اكليلا من شقائق النعمان.

طوابير تغادر كأنها في فندق، وموجات التخويف تهب على المغادرين نافثة في الجو، كفحيح الافاعي، الترنيمة المشؤومة: "هذا البلد لم يعد لكم. افترسه العدو، ودمرته "المغامرات غير المحسوبة التي لا تخدم المصالح والقضايا العربية". فاسرعوا وخلّصوا بريشكم، الى اي بلد يمنحكم جنسيته وإن عملتم فيه زبالين".

والنافخون بالمزامير العتيقة سبق لهم ان هزجوا في الاعراس – المآتم التي قادت فريقا من اللبنانيين، والشباب منهم خصوصا، الى الانتحار في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، فانتهت طوابير طويلة منهم لاجئة الى دير القمر في حراسة الحراب الاسرائيلية بعد كسر ظهر الجبل المتعايش اثر اجتياح 1982 الاسرائيلي وتقهقر رجال الميليشيات تاركين اهل الجبل الفقراء دون حماية، فسقط منهم من سقط، وتهجّر من تهجّر برقم لا يقل عن نصف مليون، اي نصف الذين نزحوا من الجنوب بعد 12 تموز ثم عادوا اليه مظفّرين، رافعين الرأس بالشهداء الابطال الذين حطموا الحراب الاسرائيلية وكسروا عنجهية اعتى جيش في المنطقة.

وفي حين ان مهجري 1983 لا يزالون في الشتات، سواء في الوطن خارج منازلهم ام في المغتربات البعيدة، في اوستراليا والامازون ومجاهل القارات الاربع، لانهم غادروا ارضهم مهزومين في واحدة من اكبر النكبات الانسانية، عاد نازحو تموز الى ديارهم، لا الى دمشق ولا الى طهران، يبثّون في لبنان الجديد المعمّد بالدم "روح التضامن الوطني والانساني" التي تجلت بين اللبنانيين، وفي كل المناطق، على ما جاء أول من أمس في بيان كتلة نواب "حزب الله" الذي دعا الى "تعميق هذه الروح وتعزيزها عبر التفاهم السياسي والكف عن التشكيك والتصنيف والتحريض والمراهنات الخاطئة".

وليقول اكثر: ان الذين خاضوا حرباً شرسة ضد العدو، وسالت دماء ابطالهم شلالات فوق ارض وطنهم، لا يجوز تخويف اهلهم منهم، تماماً كما يفعل العدو بتخويف شعبه والعالم من سلاح المقاومين وصفوف المنتظرين منهم لنيل شرف الشهادة.

... ويسألون بعد: لمن ستهدي المقاومة الانتصار على العدو؟ في حين تسأل اسرائيل: لمن "ستهدي" المقاومة سلاحها؟

في مواجهة هذا المشهد، يظهر المسيحيون قلقاً متزايداً وارباكاً لم يعهدوه في تاريخهم، وخصوصاً بعدما اضاعوا بوصلة القيادة وارتضوا التقوقع والانعزال مجدداً مفسحين المجال للرئيس اميل لحود لان ينحدر بموقع الرئاسة الى ادنى دركات التبعية، الامر الذي جعل البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير يقول ان الرئاسة شاغرة وان الناس سيتعودون مع الوقت غياب أهم الرئاسات الثلاث!

وبدل ان يفيدوا من الاندماج الشعبي الذي تحقق اثر النزوح من الجنوب والضاحية الجنوبية في بيروت في اتجاه الجبل والشمال، وخصوصاً الى المناطق المسيحية فيهما، وأظهر فيه المسيحيون احتضاناً للنازحين الشيعة على اساس انهم "اهلنا"، العبارة التي سمعناها للمرة الاولى تعبر بالمواطنية فوق الطوائف والمذاهب، محققة واحدة من اهم "ايجابيات" الحرب، اذا كانت لها من ايجابيات – بدل من ان يفيدوا من هذا الاندماج راح قادة بينهم ينشرون الخوف في صفوفهم، تارة بوجود مشروع لدى "حزب الله" لاقامة دولة اسلامية يتحوّل فيها المسيحيون اهل ذمة، وطوراً ان السلاح في يد "حزب الله" سيجعل منه دولة ضمن دولة. بل دولة ايرانية على حدود اسرائيل.

وقد لا يكون الحق في ذلك على شيعة "حزب الله" ولا على بعض الافرقاء المسيحيين، بقدر ما هو على النظام السياسي الذي بدأ مع البروتوكول التنظيمي للبنان عام 1861 برعاية المجتمع الدولي اياه الذي يرعى لبنان حالياً، والذي قضى بعزل اللبنانيين عن بعضهم البعض، موجداً بذلك مجموعة "غيتويات" او منابذ تجسّدت بالدويلات او المربعات الامنية المقفلة التي اقامها "حزب الله" حماية لمناطقه من الاختراق الاستخباراتي الاسرائيلي.

واننا لنجد في حرب الايام الـ33 فرصة ذهبية للخروج من المنابذ المتعددة والاندماج في مجمع لبناني موحد وضعت اسسه في الطائف الذي حال نظام الوصاية، ويا للأسف، دون تطبيقه، او هو طبق انتقائياً، بحيث جرى تقاسم السلطة من اطراف تابعين للحكم السوري، كما جرى تسييب السلطة والمال العام لأصحاب النفوذ مما ابقى اللبنانيين متباعدين والنسيج الوطني ممزقاً.

وخلافاً لتصوّر الكثيرين من المسيحيين وهواجسهم، فان المشروع الشيعي في لبنان كان، منذ انطلاق حركة الامام موسى الصدر في السبعينات وجرى تأكيده في وثيقة صدرت عن المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى واعلنها الامام الصدر، يقول "بان لبنان لن يكون مسيحياً ذا وجه اسلامي او عربي، ولن يكون اسلامياً ذا وجه مسيحي او اوروبي. فلبنان لبنن. وهويته تتكون من تنوعه".

ويضيف العلامة الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين في هذا الصدد: "انا لا اعبر عن قلق، وانما عن تساؤل. اذا كان الخطاب السياسي الاسلامي يعاني خللاً ما، فعلى القيمين على هذا الخطاب في الحكم وفي المجتمع أن يعيدوا النظر فيه لكي نخرج نهائيا من عقلية الفتنة وندخل بصورة نهائية في آفاق الوحدة والتعاون لتثبيت صيغة العيش المشترك التي ينفرد بها لبنان في العالم".

وقال في احتفال اقيم في قرية بنهران في الكورة الاحد 22 ايلول 1981: "في الاختيارات الكبرى في شأن الدولة والمجتمع يجب ان تسود روح الحوار والانتاج والاخلاص لهذا البلد ولشعبه، وان تكون هذه الروح هي الحاكمة (...) ولا اريد خطاباً سياسياً او تعبوياً يجعل المسيحيين يندمون على خيارهم".

واضاف: "لبنان كما فشل في ان يكون مسيحياً له وجه عربي او اسلامي، فسيفشل في ان يكون مسلماً له وجه مسيحيي او اوروبي. لبنان بلد. وطن نهائي لبنيه. وهذه مقولة اجترحها المجلس الاسلامي الشيعي منذ وثيقة عام 1979".

ولإزالة بعض ما علق في الأذهان من ان حرب "حزب الله" كانت "حرب الامة الاسلامية" لا حرب لبنان، ننقل عن الشيخ شمس الدين هذه العبارات التي تشرح دور الامة في هذا الشأن وهي تعني الشعب اكثر مما تعني طائفة ما: "ان ضرورات الانظمة لا تلغي اختيارات الامة التي يمكن- بل يجب ان تكون - مصدر القوة للانظمة. كما لا يجوز لاختيارات الامة ان تزج بها في عملية انتحار ذاتي يدفع الامور نحو مواجهات بين الامة والانظمة، او بين الامة نفسها او في ما بين الانظمة نفسها، فان ذلك يخدم الكيان الصهيوني" (نشرة الغدير، خريف 1991).

لذلك ننصح لاصحاب الرؤوس الحامية بان يبردوها، ويفكروا في توسيع مؤتمر الحوار ليضم الشخصيات التي ابعدتها الانتخابات عن مجلس النواب، الى الطاولة بحيث يتحول المؤتمر وطنياً يطرح فيه اتفاق الطائف ويعالج الاسباب التي حالت دون اعادة بناء دولة القانون والمؤسسات، ويخوض في الاسباب التي جعلت "دولة الشيعة"، وليس "حزب الله" فحسب، دولة خارج الدولة، وخصوصا بعد تهميش هذه الطائفة في السابق وحرمانها خيرات الدولة فتحول اهلها في البقاع الى الحشيشة وبقية الممنوعات واختصرت زعاماتها بالرئيس صبري حمادة، في حين ذاق اهلها في الجنوب المرّ جراء استئثار اصحاب النفوذ بأذونات زراعة التبغ وتحكّم الريجي بالمزارعين واختصار زعاماتها بالرئيس احمد الأسعد. على ان ينتهي الامر بضم "دولة الشيعة" الى "دولة لبنان"، ومتابعة مسيرة التحرير تحقيقاً لانتصارات اضافية، بالسياسة والديبلوماسية هذه المرة بعدما دمّرت الحرب الاسرائيلية على لبنان الكثير من البنى التحتية والمرافق، الى المساكن والمؤسسات، كما ارهقت الاقتصاد، ودفعت كثيرين الى الهجرة.

فهلاّ استيقظنا وأخذنا بوصية الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمه الله، بجعل روح الحوار هي الحاكمة؟

النهار (25 08 2006)

 

هذا المقال

 

العنوان:

الانتصار على التقوقع والانعزال

الكاتب:

أدمون صعب

المصدر:

النهار

تاريخ النشر:

(25 08 2006)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى