موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث lundi août 28, 2006 الساعة 11:13:44

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

 

متى نخرج من ديبلوماسية المسايرة؟

كلوفيس مقصود

حريّ بنا ان نخرج تعاملنا مع التحدي الاسرائيلي من دائرة الاستسلام للواقعية السائدة مهما تكن ضروراتها واضرارها، وان نتجاوز المعالجات الآنية دون اهمالها ونصمّم على الامساك بمفاصل مسيرة التاريخ واستشراف منطقها ومستقبل الاجيال اللبنانية والعربية. نشير الى حاجتنا لتجاوز الواقعية السائدة لكون اسرائيل تتصور ان بقاءها مرتبط باستمرار قدرتها على تفكيك الامة وبعثرة طاقاتها وتفتيت وحدة الاوطان المكونة لها.

ألم يحن الوقت ليعي العرب ان شراسة العدوان الاسرائيلي على لبنان في 33 يوماً هي عيّنة مما تنويه وتخطط له لاقطار عربية اخرى، إما مباشرة وإما من خلال دفع لسياسات واملاءات تؤدي الى نتائج مماثلة وان لم تكن متطابقة لما تقوم به في فلسطين وما حاولت القيام به في لبنان؟

نشير الى هذا التساؤل في ضوء التقارير المتتالية لمؤسسات حقوق الانسان والمنظمات غير الحكومية وفي طليعتها اللجنة الدولية للصليب الاحمر ومنظمة العفو الدولية، والتي

اجمعت معظمها، ان لم يكن كلها، على ان اسرائيل ارتكبت جرائم ضد الانسانية وخرقت كل القوانين، خصوصا تلك التي تنطوي عليها اتفاقات جنيف. كما ان تفاقم الازمة الانسانية من جراء انتهاك القوانين والاتفاقات في شكل متواصل ومن جراء الهدم المتعمد للجسور وللبنى التحتية والمباني السكنية وما آلت اليه من دمار وتهجير جماعي وضحايا من المدنيين، اضافة الى خروق الهدنة الحالية واستمرار حصارها، كل هذا دفع المجتمعات المدنية العالمية الى اتهام واضح وغير ملتبس عبر القول ان اسرائيل قامت بجرائم حرب في لبنان وفلسطين. وليس هنا مجال تعداد مفصّل لهذه الخروق والجرائم التي قامت بها اسرائيل، فيكفي ما قالته المفوّضة العليا لحقوق الانسان لويز اربور "ان قتل المدنيين اللبنانيين يمكن اعتباره جرائم حرب"، كما ان مساعد الامين العام للامم المتحدة جان انغلاند تحدث عن "حي بعد حي بعد حي من المباني دمرت (...)" وان هذا يشكل "خرقا للقانون الانساني الدولي". اما تقرير منظمة العفو الدولية فيجب درسه، ومن ثم اخراج مضامينه الى مبادرة لبنانية وعربية لملاحقة اسرائيل في محكمة الجرائم الدولية، كإقامة الدعاوى التي باشرتها لجنة مكافحة التمييز ضد العرب الاميركيين في ديترويت لمصلحة مواطنين عرب اميركيين متضررين من عدوان اسرائيل.

نشير الى هذه الحقائق التي توثّقت في شكل قاطع كي نسترجع قدرتنا على اختراق الواقعية السائدة التي قد تتحول وقيعة، بمعنى ان تصبح مصيدة تحول دون قدرتنا على استثمار صمود المقاومة والاحتضان الشعبي لها في سبيل ما هو اكثر نجاعة في خدمة المناعة الوطنية وتمكين الامة العربية من استرجاع مناعتها القومية حتى لا يبقى لبنان وفلسطين يتحملان مسؤوليات جبه المشروع الصهيوني.

بمعنى آخر، علينا قبل ان يستحوذ الملل واليأس على شعوبنا واجيالنا الطالعة، ان نرفع حيوية شعوبنا واستعدادها للصمود واستيعابها لثقافة المقاومة نحو صيرورة لطالما غيّبها النظام العربي القائم. والواقع ان المفاهيم المزورة للواقعية، تعيد استحضار مرجعية موثوق بها تنظم طاقات الامة باعتبارها في حالة مواجهة مع كيان عنصري مشابه، والى حد كبير متطابق مع نظام التمييز العنصري الذي كان قائما في جنوب افريقيا.

ولقد مهّد نشر قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان وارسال الجيش اللبناني والحرص على الوحدة الوطنية، الى استقرار يمكّننا من اعادة البناء وتجاوز الكثير من اجترار النقد المتربص، والبدء بالنقد الملتزم، وبالتالي رفع مستوى الاداء السياسي والتنموي مما يجعل لبنان من خلال تجربته الصعبة نموذجا لما يمكن ان يُخرج الوطن العربي الكبير من صغائر ارتهاناته للغير الى تجديد ثقته بنفسه، مما يخرجه من هامشيته الحالية الى حيّز الفعل قومياً وعالمياً.

ان ما قامت به اسرائيل في لبنان وما تقوم به في فلسطين ايقظ الضمير العالمي، الى درجة أنه تجرأ على النطق بما حرم قوله نتيجة الارهاب الفكري والسياسي الذي مارسته اسرائيل على الغرب خصوصا والعالم عموماً، فكان كل انتقاد لاسرائيل وممارستها يرد عليه بانه "معاداة للسامية" او "مؤازرة للارهاب" او "تعريض اسرائيل لخطر قد يصل الى "ابادتها". ولقد رأينا اسرائيل تتصرف بحرية مطلقة غير عابئة بالقرارات والقوانين الدولية، ومانحة نفسها حصانة تحول دون المساءلة والمعاقبة، فتكون بالتالي مستثناة من اي امتثال لما تمليه الشرعية الدولية. الا ان هذا الاستثناء لم يعد وارداً مطلقاً بفعل ما افرزته المقاومة اللبنانية – بشقيها العملاني والاحتقان الشعبي لها – من توعية للضمير العالمي من جهة، وما اظهرته من شروخ في الكيان الصهيوني من جهة اخرى. كما ان تسرع البعض في المصالحة مع اسرائيل وانبهارهم بسطوتها اعتبرته ضمانا لاستمرار تفرّدها بالحكم ومكافأة لها من القطب الاوحد – او هكذا تتصور هي - اي الولايات المتحدة.

حتى الولايات المتحدة بدأت تدرك ان اسرائيل تتمادى في الاستخفاف بالرأي العام الدولي وتعتبر نفسها فوق القانون، آخذة في خرق القوانين الاميركية والاتفاقات المعقودة. وكما اوردت "النيويورك تايمس" يوم الجمعة الماضي ان وزارة الخارجية بدأت بالتحقيق في عدم قانونية استعمال اسرائيل للقنابل الانشطارية ضد السكان المدنيين في لبنان، الا ان هذه المبادرة الخجولة قد لا تستكمل اذا اصطدمت بمواقف المحافظين الجدد واعضاء مكتب نائب الرئيس ديك تشيني والكونغرس عشية الانتخابات في اوائل تشرين الثاني المقبل. كما ان خرق اسرائيل للقانون الاميركي في هذا الشأن يحتم مباشرة التحقيق، الا انه ليس هناك اي ضمان لبلوغه النتائج المنطقية، اذا لم ترافق حملات المنظمات الدولية حملة ديبلوماسية واعلامية عربية جادة وحاسمة، وبالتالي اتخاذ اجراءات عملية في حال توقف التحقيق لاعتبارات سياسية انتخابية وعناد كبار المسؤولين في الادارة الاميركية. وهذا ينطوي على ان تكون الحملة العربية جدية لا ان تجيزها الادارة الاميركية على اساس "ان ما يقوله العرب في العلن يناقض ما يقولونه بشكل خاص وسري".

وسط هذا المشهد، كسرت المقاومة اللبنانية حالة الانبهار بالسطوة الاسرائيلية في المنطقة ودفعت الولايات المتحدة نحو اخراج سياستها من الانحياز المطلق والتبني الشامل لعدوان اسرائيل، وقد اختبرنا تجلّيات هذا الانحياز في امعان الادارة الاميركية في التسويف والمراوغة وتأجيل وقف النار لتمكين اسرائيل من تحسين وضعها الاستراتيجي – الى توجه نحو الاخذ في الاعتبار مصالح لبنان والعرب.

* * *

إن ما تتمناه الدول العربية، كما قال الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى، هو الا تكون دعوة مجلس الامن الى البحث في ازمة الصراع العربي – الاسرائيلي اجتراراً. وما عودتنا اياه اجتماعات مجلس الامن، هو ان اي اجماع على ما يجب ان يكون عليه القرار المنبثق عنه سوف يصطدم اما باستعمال الولايات المتحدة حق النقص وإما بتمييع لبنوده الاجرائية لضمان توافق هش او امتناع عن قرار لا يتضمن ادانة، ناهيك بعقوبات في حال عدم امتثال اسرائيل له.

من هذا المنظور، علينا ان نباشر التخطيط على اساس ان اسرائيل هي موطن التمييز العنصري في واقع الامة، وان يكون خطابنا متطابقاً مع جدية التزامنا وان نبدأ باعتياد الانعتاق من ديبلوماسية المسايرة الى ديبلوماسية المواجهة المسؤولة قوميا والمنضبطة بما يمليه الوجدان الانساني، كما عبرت عنه يقظة ضمير المجتمعات الاهلية الانسانية، ومنظمات العفو الدولية التي حسمت ان اسرائيل ترتكب جرائم حرب، وعلى العرب – مرة اخرى اذا كانوا جادين – ان يأخذوا على محمل الجد ما تحمله ممارسات اسرائيل في لبنان وفلسطين من اخطار حقيقية عليهم جميعا.

حان الوقت لنكون جميعا اكثر استيعابا لما يعنيه التمييز العنصري الاسرائيلي لنا ولدائرة الوجدان عند يهود العالم وداخل اسرائيل نفسها.

النهار (27 08 2006)

 

هذا المقال

 

العنوان:

متى نخرج من ديبلوماسية المسايرة؟

الكاتب:

كلوفيس مقصود

المصدر:

النهار

تاريخ النشر:

(27 08 2006)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى