موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث jeudi septembre 07, 2006 الساعة 11:26:41

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

 

لبنان كنموذج للفوضى في النظام العالمي

السيد يسين

في خضم سعي المنظرين والفلاسفة لصياغة نظريات جديدة تساعد على وصف النظام العالمي الجديد وتجتهد ايضا للتنبؤ بمستقبله، برزت على وجه الخصوص ثلاث نظريات هي "نهاية التاريخ" التي صاغها المفكر الاميركي الياباني الاصل فرانسيس فوكوياما، ونظرية الفوضى، واخيرا نظرية "نحن والآخرون". وقد عرض الباحث المغربي الدكتور محمد سعدى لهذه النظريات عرضا نقديا متميزا وذلك في اطروحة للدكتوراه نشرها مركز دراسات الوحدة العربية في حزيران 2006، بعنوان "مستقبل العلاقات الدولية من صراع الحضارات الى انسنة الحضارات وثقافة السلام". وليس هناك مجال للحديث التفصيلي عن كل نظرية من هذه النظريات، ولذلك نقنع بالاشارة الى الاطروحة الرئيسية لكل منها.

ولا شك ان اشهر هذه النظريات هي نظرية "نهاية التاريخ" التي صاغها فوكوياما صياغة مبدئية في مقال وجيز فأحدثت صدى عالميا، وسرعان ما حولها الى كتاب ترجم الى عشرات اللغات العالمية، واثارت افكاره جدلا عنيفا في الاوساط الفكرية العالمية.

والاطروحة الرئيسية في الكتاب انه بسقوط الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة تكون الرأسمالية قد هزمت الشيوعية بالضربة القاضية، وهكذا اصبحت الليبيرالية هي النظرية الكبرى التي ستقود العالم، ومن ثم على كافة النظم السياسية ان توفق اوضاعها على اساسالديموقراطية السياسية والليبيرالية الاقتصادية ومعنى ذلك بلغة فوكوياما اننا وصلنا لنهاية التاريخ.

ويعلق الدكتور محمد سعدى على هذه النظرية مقررا "ان خطاب النهاية هو خطاب انتصاري يحمل في ثناياه روحا رسالية متعجرفة. ففوكوياما اغرته بعض الوقائع الدولية وجعلته يعتقد ان "انا التاريخ" ومركزها اوروبا واميركا، قد خففت ذاتها واشباعها، وبالتالي على باقي العوالم ان تلهث وتسرع لتلحق بالتاريخ الكوني، ومن هنا فان الجنوب محكوم عليه بالتبعية الدائمة، وسيبقى فاعلا سلبيا يملأ العالم مجاعات وتهديدات. مما سيقلق راحة وهناء عالم ما بعد التاريخ"!

غير ان النظرية الثانية الملفتة للنظر هي "نظرية الفوضى" وفي نظر بعض الباحثين الذين يتبنون هذه النظرية – ومنهم "روبرت كابلان" صاحب اطروحة "الفوضى المقبلة"، ان العالم على مشارف مرحلة ستشهد انهيارا تاما للسلطة السياسية الناجمة عن تحركات سكانية واسعة، ستؤدي الى مشاكل بيئية وأوبئة بالاضافة الى ان الاسلحة والتكنولوجيات العسكرية سينفلت اسارها وستنتقل من ايدي الدول الى عصابات المافيا وشبكات المخدرات.

وهذه الفكرة قريبة من نظرية انهيار نظرية الامن القومي القديمة والتي كانت تقوم اساسا على حراسة حدود الدولة، وبروز نظرية جديدة للامن القومي تقوم على نوعين من الحروب: الحرب الفضائية (Cyber War) وحروب الشبكات (Net War) التي سيهيمن عليها تجار السلاح والجماعات الارهابية والمافيا.

وطبقاً لنظرية الفوضى فان النظام الدولي يفقد شيئا فشيئا قدرته على حفظ النظام وادارة علاقات القوة وانتاج نموذج معياري له قدرة على فهم الاداء الفعلي للتفاعلات الدولية. والنقاش الذي يدور بين الباحثين هو هل ما نشاهده من فوضى في العلاقات الدولية مرحلة انتقالية ام هي الطابع الذي سيطبع النظام الدولي لعقود قديمة مقبلة؟ والواقع اننا لو حاولنا ان نطبق نظرية الفوضى على عدد من الصراعات والحروب المعاصرة لوجدناها تنطبق تماما.

وهل يمكن – على سبيل المثال – وصف ما يحدث في العراق الا بكونه فوضى عارمة، تختلط فيها الهيمنة الاميركية الحمقاء، بعوامل التفكك في المجتمع العراقي، بعد زوال النظام السياسي الديكتاتوري. وهذه الفوضى التي شجعتها الولايات المتحدة الاميركية في بداية احتلالها العسكري للعراق، هي نفسها التي تشكو منها الآن، بعد ظهور بوادر حرب اهلية عراقية نفت امكانية قيامها، وها هي اخيراً تعترف بأنها على وشك الاندلاع. واذا اندلعت الحرب الاهلية فلا بد عاجلا او آجلا ان تؤدي الى تقسيم العراق، والذي كان في الواقع منذ البداية احد اهداف الغزو العسكري الاميركي له.

ولننظر ماذا يحدث في فلسطين؟ فصيل إسلامي متطرف يقوم بعملية حمقاء تتمثل في خطف جندي اسرائيلي واحد، أدت الى أن تعود اسرائيل مرة اخرى لتغزو قطاع غزة، وتعمل فيه قتلاً وتدميراً بلا أدنى رادع من مجلس الأمن أو من المجتمع الدولي.

في إطار الفوضى العارمة التي تجتاح الضفة الغربية وغزة بعد فوز "حماس" في الانتخابات الديموقراطية وتشكيلها للحكومة، ثبت يقيناً أنها عاجزة عن السيطرة على الاوضاع الفلسطينية، نتيجة تشرذم الفصائل الفلسطينية المسلحة وعدم خضوعها لقيادة واحدة، والتنافس العقيم فيما بينها، ما أدى – نتيجة لعملياتها العسكرية الخائبة والتي تتمثل في إطلاق عدد من الصواريخ عديمة المفعول على المستعمرات الاسرائيلية – الى رد فعل اسرائيلي جامح، تستخدم فيه الدولة الاسرائيلية العنصرية، القوة المفرطة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وتمارس إرهاب الدولة بشكل صريح، والذي يتمثل في اغتيال القيادات الفلسطينية واختطاف وزراء السلطة وأعضاء المجلس التشريعي وعلى رأسهم رئيسه، باعتبار انهم ارهابيون! والمجتمع الدولي يتفرج ساكناً على هذه الفوضى!

ولماذا نذهب بعيداً ولدينا مثال لبنان: ونحن نعرف الوقائع التي بدأت بالعملية العسكرية التي قام بها "حزب الله" وقتل فيها ثمانية جنود وأسر جنديين وذلك لمبادلتهما بالاسرى اللبنانيين، وعقب ذلك شنت اسرائيل حرباً تدميرية شاملة ليس على مواقع "حزب الله" العسكرية، ولكن على كل لبنان شماله وجنوبه وشرقه وغربه. وقام سلاح الجو الاسرائيلي "الصنديد" بغارات كاسحة لهدم الطرق والكباري والجسور والمنازل، في غيبة تامة للجيش اللبناني، وعدم وجود سلاح جوي رادع أو دفاع جوي كان من شأنه أن يردع هذه الطائرات الاسرائيلية التي ظلت طوال شهر كامل تسرح وتمرح في السماء اللبنانية.

ومن علامات الفوضى الفارقة في هذه الحرب المدمرة والعبثية التي راح ضحيتها الآلاف من أبناء الشعب اللبناني، تعمدت الولايات المتحدة الاميركية تعويق كل المحاولات التي بذلها مجلس الأمن لوقف اطلاق النار، حتى تعطي الفرصة كاملة لاسرائيل لتحقيق كامل أهدافها وفي مقدمتها القضاء المبرم على "حزب الله" وإثارة الفتنة بين الطوائف اللبنانية. غير أن بسالة مقاتلي "حزب الله" وهزيمتهم الساحقة للقوات الاسرائيلية الغازية، وتكاتف كافة الطوائف اللبنانية ضد الغزو الاسرائيلي، تكفلت بإفشال الخطة العدوانية الاميركية الاسرائيلية.

وبعد وقف إطلاق النار، اذا بالحكومة الاميركية تقرر – ويا للعجب – مبلغ 250 مليون دولار للإسهام في إعمار لبنان التي خططت هي واسرائيل لتدميره! أليست كل هذه علامات على سيادة الفوضى في النظام الدولي الراهن؟

واذا أضفنا الى ذلك النظرية الثالثة التي تتحدث عن "الغربيين والآخرين" بمعنى سمو اصحاب الثقافة الغربية ونظراتهم الازدرائية للشعوب والثقافات الاخرى، لأدركنا أن النظريات التي سادت بعد نهاية الحرب الباردة تفسر كل منها بطريقتها حالة الهيمنة السائدة.

ويبقى السؤال هل ستبقى الهيمنة الى الأبد أم أن هناك أملاً في صياغة نموذج توفيقي جديد للنظام الدولي يقوم على أساس العدل والحرية؟

كاتب مصري

النهار (07 09 2006)

 

هذا المقال

 

العنوان:

لبنان كنموذج للفوضى في النظام العالمي

الكاتب:

السيد يسين

المصدر:

النهار

تاريخ النشر:

(07 09 2006)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى