|
|
|
آخر تحديث samedi septembre 16, 2006 الساعة 05:42:37 |
|
العطاء الواحد للوطن المطران جورج خضر ودّعنا امس ما يسميه العامة عيد الصليب وفي حقيقته انه عيد المصلوب وفي احتسابي انه عيد المصلوبين جميعا الى اية عقيدة انتموا. انها مشكلة الألم على الوانه وتخطي الألم. فالانسان موجوع وغريق اوجاعه او سالك طريق الرجاء. وليس عندنا من وضع غير هذين الوضعين. انا افهم الا يستعمل كل الناس هذا المصطلح المسيحي لكونه مرتبطا عندنا بسر الخلاص الذي لا يراه الناس كما نراه. وكما يقول رضوان السيد ليس في الاسلام خلاص شامل يؤسس عليه ولكل امرئ خلاصه واتصور انه يعني بهذا السبيل الصبر والتوبة. ومن الواضح ان الخلاص الالهي لموضوع يوزعه المسيح على من يؤمن به. وبهذا المعنى يتشخصن. والقبول الشخصي للخلاص الكامل هو الى الايمان بموت المسيح وقيامته الصبر والتوبة. كذلك هناك خلاص في الفكر البوذي بالتخلص من الرغبات والهدوء الذي يتوخاه البوذي انما هو اياه الذي يتوخاه المسيحي ولكن هذا يطلبه من المخلص وليس فقط من النسك كما يفعل البوذي. مهما يكن من امر فكلنا مصلوب غير ان بعضا يرجو وبعضا لا يرجو. اي ان ثمة قياميين – اذا استسغتم هذا المصطلح – وهناك غير قياميين. لذلك اخطأ صديق كبير لي لما قال لي: المسيحية مأسوية. قلت له ان اليونان القديم مأسوي لانه لم يخرج من وضع ينغلق فيه اما نحن فخارجون ابدا بالقيامة. جان بول سارتر محبوس ايضا انسانه لانه غير مؤمن. وعندما نقول نحن اننا نخرج بالقيامة لا نريد قيامة لاحقة في اليوم الاخير ولكننا نريد خلاصا حاليا لايماننا بكلمة المسيح: "انا القيامة والحياة". تأسيسا على هذا ينال من مات من اجل الايمان حضرة المسيح تواً بلا ارجاء. بعد الشوق الذي تعطيه الشهادة يقيم الشهيد في الحق. يُستشهد (بالياء المضمومة) فيشهد بمجرد قبول الموت على الايمان وفي الحب وكأن الموت قولته الاخيرة. وفي هذا جاء في مطلع رسالة يوحنا الاول الجامعة: "ذاك الذي كان منذ البدء/ ذاك الذي سمعناه/ ذاك الذي رأيناه بعينينا/ ذاك الذي تأملناه/ ولمسته ايدينا من جهة كلمة الحياة/ لان الحياة ظهرت فرأينا ونشهد" (1 : 1-3). وشهادة الدم في المسيحية واجب لان المسيحية تأبى الفارق بين القلب واللسان ولان الموت حبا افصح تعبير عن اقتناعها بالقيامة. والشرط الاساسي لاداء الشهادة ان يرفض من ندعوه شهيدا مقاومة الا مقاومة الروح للظلم الذي يحل به. الشهيد المسيحي مظلوم مطلقا. تبيانا لهذا من الشرع الروماني ان المسيحي كان يُجلب الى محكمة الجزاء في روما القديمة وشرعها قائم منذ الامبراطور اوغسطس على عبادة الامبراطور. وكان القاضي يطرح عليه ان يقول: قيصر هو الرب فيجيب: المسيح هو الرب فيحكم عليه بالاعدام اذ كان يعتقد ان اعدامه استمرار بالحياة. من هنا، ان المسيحية ليس فيها ثقافة الموت ولا ثقافة العذاب ولكن ثقافة الحياة. الذين يعيشون، حقيقة، القيامة لا يعذبون انفسهم جسديا ولا معنويا. ليس في هذا مشاركة في آلام المسيح. لا يضيف احد شيئا الى هذه الآلام. المشاركة تعني ان تميت شهواتك لانك في هذا تصبح انسان الدهر الآتي حيث "لا وجع ولا حزن ولا تنهد". المسيحيون ليسوا جميعا المعذبين في الارض ولكن جماعة الذين يتوقون الى النصر الاخير الذي فيه ينتهي كل ألم. من الموجع طبعا ان يموت الاطفال ظلما لانهم ورد الوجود. واذا قتلهم العدو فهم قيامة الوطن ونحن نتجدد بهم ولا تفنى طفولة العالم واذا نموا فالدهور تحيا بهم. واذا حافظنا عليهم يذهب العالم بهم الى الطراوة ولا يبقى الحزن الذي هو وحده شيخوخة الانسان. الفرح في الارض قيامة دائما للنفس قبل ان تنبعث الانسانية في الملكوت الآتي: وفيه مكث الحياة الحق والاخيرة. • • • يحزنني كثيرا ان شعوبا مسيحية كثيرة لم تفهم هذا ومشت في الدنيا ذابحة شعوبا لتأكل وتشرب وتستغل ناسية وداعة يسوع ولطفه اللامتناهي. جيلا بعد جيل تسلطت واستبدت حتى ذاقت الشعوب المستضعفة الحرية. متى يأتي ذلك اليوم حتى يقوى الضعيف ويفهم القوي ان يعف عن ابادة الضعيف. في روح القهر كانت الحملات التي دُعيت صليبية والصليب ان تموت حبا لا ان تميت سواك. ولقد فهم العرب ان هذه الحملات لا يجوز ان تدعى صليبية وقد دعوها حملات الافرنج اذ لم يكن لها علاقة بالمسيحية الوديعة في جوهرها. ولذلك يؤلمنا نحن المسيحيين ان نُسمّى اليوم صليبيين. وما من شك ان في هذا غباوة.
ونحن نؤمن ان عقلاء المسلمين يأبون هذه التسمية التي يطبقها الارهابيون
علينا. الصليبيون ما كانوا اهل الصليب. انهم كانوا صالبين وقاهرين لقوم
ودعاء. • • • من هنا انه يجب ان نكون حذرين من كل اثارة اجنبية للمسيحيين على المسلمين او المسلمين بعضهم على بعض فهناك دائما إمكان التفاهم بين اهل الديانات اذا عرفوا الا يصغوا الى الاجنبي الذي يرعى مصالحه فقط. أعرف ان العقلاء من المسيحيين قد فهموا ان احدا من الخارج لا يرعاهم ولا يرعى بقاءهم وان القضية هي فقط قضية مال وقضية سلطة. في هذا السياق ينبغي ان نفهم دقة وضعنا في لبنان وان مشاكلنا ينبغي ان تحل في الحسنى خارج كل المحاور وان نقتنع ان كل محور ضلال أإلى الشرق ذهب ام الى الغرب كان ينبغي ان نفهم بطلان لغة الاكثرية ولغة الاقلية لان في ذلك خدمة للغريب الذي يحب فريقا على فريق بل دأبه ان يفرق. ليس من مشكلة تستعصي على الحل ان كنا حقا عارفين ان تراب لبنان هو لجميع الذين يعيشون عليه وان ادركنا ان القليل عديده فيه من الجدارة والابداع ما يجعل التوازن الوطني قائما في ابناء لبنان مجتمعين. ما هي الصيغة لهذا العيش الواحد؟ هذ ما ينبغي ان نفتش عنه بحيث تبقى لكل شريحة كرامتها وتبقى فيها قدرتها على النمو. ويخطئ من ظن انه يستطيع ان يستغني عن اية شريحة او ان يسودها او ان يقتنع ان الله سلطه على الآخرين بسبب من موهبة فيه او من مشيئة الهية. مشيئة الله ان نحيا معا والى الابد على هذه الارض متحدين لا نتذابح ولا تتأجج علاقاتنا ولا يلغي احدنا الآخر معنويا ولا يستغني عن اسهامه. التعدد يمكن ان يوحد والتهميش قتال اليوم او غدا لان احدا لا يرضى ان يموت سياسيا لان هذا رمز لالغاء هويته ومساهمته. ان اكون موجودا هو ان احيا مع الآخر وبالآخر. الفردية المنغلقة موت للجميع. اما اذا كان الآخر "ضروريا حتى التنفس" فأكون انا موجودا. الآخر يوجدني بسبب من المعية ويتكوّن بي كما اتكوّن انا به. واذا كانت المعية هي مطلق الكيان في عمقه فيكون مسعاي ان اوطدها لصالحي ولصالح الآخر. صالح الجميع مجتمعين تلك هي مشيئة الله لاننا بذلك نكون له ونكون بعضنا لبعض آخر. الوطن يتكوّن بالصبر الذي هو ثمرة المحبة ويتكوّن بالاصلاح الداخلي لكل فئة. ولا غنى عن النصيحة اذا كانت اخوية. والنصيحة فيها نقد احيانا. ويُتقبل (بضم الياء) اذا كان اخويا فتصلح كل جماعة نفسها بنقد من داخلها ونقد من خارجها مهما كان النقد شديدا لان المحبة تفترض الشدة احيانا لاننا لسنا جماعات متراكمة ولكنا جماعات متداخلة على اساس الله المغذي الكل والمثبت الكل في عنايته. هذا هو التطهر المتبادل وليس فقط تبادل المنافع في الارض. وهذا يفترض توبة كل واحد منا الى الله. ومن التائبين في كل شريحة تأتي طهارتنا. وهذا يعني في الدولة زوال الفساد وزوال المحاصصة وتعاون الجميع بالفكر والعمل السياسي القائم على الحرية وتداخل الطوائف في التعاون الحق والاخلاص الكامل للوطن اذ ليس من ارضية اخرى ولا من ولاء آخر ولا قيام لدولة الا بحبه. النهار (16 09 2006) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||