موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث jeudi octobre 05, 2006 الساعة 01:54:07

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

 

دماء المقاومة ودم الحريري يكفيان لصناعة وطن؟

نصري الصايغ

«نفيان لا يصنعان أمة»... فهل يكفي دمان لتأسيس وطن؟ هل يتصالح اللبنانيون على دماء الرئيس رفيق الحريري ودماء المقاومة وأهلها؟ هل سنبقى أسرى الثنائية المتقلبة التي حكمت الحياة اللبنانية؟ هل من فرصة أمام اللبنانيين، ان يتوحدوا في قربانة الفداء والشهادة، أم أن اللبنانيين، الأكثر تباعداً عما مضى، مصرّون على عدم الاكتفاء بالدماء، لصياغة وطن مؤسس على فهم معاناته، وتقدير تضحياته، وتثمير خبراته، وتوسيع آفاقه (أبعد من أفق الطوائف المسدود) وإرسائه بأمان نسبي في موقعه الطبيعي، دوراً وفعالية؟

ثمّة من يعترض: هل يتساوى الدمان. أليس دم الرئيس رفيق الحريري مختلفاً عن دماء شهداء المقاومة وشهداء الحرب الاسرائيلية؟ ثمة من ينتقد: المساواة بين الدمين غير جائزة، والمساواة بين الشهادتين غير مقبولة. طرف يعلي من طهارة دماء المقاومين، وطرف يغالي في تقديس وتعظيم دماء الحريري. ثمة من يستهول التشبيه: دماء الحريري سفكت بيد الاخوة الاعداء، والمقاومون سفكوا بيد الاعداء الحقيقيين والناصعين والمزمنين. ثمة من يجزم، لا قرابة سياسياً بين الدين، كلاهما لبناني، ومسفوك في لبنان، الا ان الهوية السياسية مختلفة، ووظيفة الدمين متباينة.

فهذان دمان لا يكفيان لتأسيس وطن. ولكن...

كان من الممكن أن يكون دم الحريري وحده، كافياً لتوحيد اللبنانيين. لم يحصل ذلك. مقدمات التوحيد توفرت. لقد عبر دمه الى اكثرية لبنانية ساحقة. دعت جميعها الى الاقتصاص من المحرّض والمخطط والداعم والمنفذ. الإدانة كانت شاملة. إلا ان الرؤية السياسية لدى فريق الرابع عشر من آذار، تقلّصت الى حدود ثأرية، (كان ممكناً فهم الثأرية في حرارة الحدث وفجائعيته) إلا أن الاستمرار فيه، أدى الى تعميق الشرخ، وتبديد الدم القادر على التوحيد.

معركة بدأت ضد النظام السوري وضد من صُنّفوا في الخط السوري. من دون التمييز، بين مَن هو صناعة سورية (وبين فريق الأكثرية كثيرون من صناعة عنجر) وبين مَن يملك حيثية شعبية وسياسية ومقاومة. تحالفت مع دمشق لأغراض قومية.

الابتزاز، كان متبادلاً. الانقلاب على السلطة وفي السلطة لم يكتمل، ولا كان مرشحاً لبلوغ نصابه. فلبنان، بمجموعاته الطائفية، ونظامه التوافقي، يمنع على أي أكثرية الاستئثار بالسلطة وتوحيدها وتدمير قرارها وتوجهاتها الداخلية والإقليمية والدولية. لما في هذا التوحيد من قسر واستبعاد وإقصاء لطوائف او لطائفة واحدة. فالتوحيد الاكثري من فوق، يؤسس للتفتيت الأقلوي في الأرض.

ضاعت فرصة التوحيد. ولا وطن لا يتفق فيه أطرافه، على سقف وطني واحد. لا وطن بطوابق متعددة. لا وطن بدويلات، وكل دويلة، تبني على دمها، ركام سلطة، وركام دولة.

الأدلة على ما تقدّم، متوفرة ولا تعوز مراقباً:

أدلة التقارب والتفاهم، برغم التشنج والسقوف الصارخة للكلام السياسي الاتهامي والثأري، أن «حزب الله»، بعد إدانته لجريمة الاغتيال، حشد جماهيره ومن يؤيده ويتحالف معه، ليقول لسوريا شكراً، ولم يطالبها بالبقاء. (ومن حق «حزب الله» أن يشكر دمشق، لأنها حمت مهمته القتالية والمقاومة ولم تؤمن له مناصب ذهبت الى شخصيات من كلا الفريقين).

تمّ التركيز على عدم التماثل، بين فريق 14 آذار، وفريق «حزب الله» كان الأول يريد من الثاني أن يجاريه في اندفاعته الدولية، واندفاعته ضد سوريا. ثم التركيز على الفروق القابلة للحوار والنقاش. وأسس على هذه الفروق. فاتهم فريق «حزب الله» بعرقلة التحقيق الدولي، والمحكمة الدولية، تنفيذاً لرغبة دمشق للتهرب من تبعات جريمة، اتهمت بها.

تمّ التركيز على بناء الدولة، (فيما السعي كان للقبض على السلطة فقط) وأن المانع لهذا المشروع، هو سلاح «حزب الله». أُقحم السلاح في المعركة. صار القرار ,1559 دستور الأكثرية.

الانتخابات كانت مناسبة لتكريس توافق هشّ والبناء عليه. جرى الانقضاض على الاتفاق الرباعي. تمّ التركيز على قدسية السلاح فتمّ تهشيمه. ثم التركيز على حصانة المواقع في المقاومة، و... كان دم الحريري ينزف، واستمر نزفه في السياسة. فعوض ان يكون اداة توحيد، صار أسيراً لطرف. والأطراف الاخرى متهمة. على ان دم الحريري لم يذهب هدراً... فإنجازات الشهادة كثيرة:

عجّل استشهاد الحريري الانسحاب السوري الكامل والسريع. أسقط الحكومة «المحسوبة عليه». قال الشارع كلمته الحاسمة واستجاب مجلس النواب. جرت انتخابات في وهج الدماء. حصل فريق 14 آذار على اكثرية (صفة المؤقت لا تفيد في مجرى الحراك السياسي). أُخرج قائد القوات اللبنانية سمير جعجع من السجن. عُجّل بعودة الجنرال ميشال عون. أقصى شخصيات كانت تدار بالإرادة السورية.

وجاءت الحكومة، لتنقل أجواء المعركة غير المحسومة بين الاطراف المتنازعة.

الاكثرية خائفة على ذاتها وعلى ضياع الحقيقة، و«حزب الله» متخوف من الرعاية الأميركية والفرنسية، لمسيرة 14 آذار، ومن ان تصل هذه الرعاية الى درجة الإملاء السياسي، لتنفيذ القرار .1559 كان «حزب الله» حذراً من تحول الاكثرية اداة سياسية ضاربة لانتزاع السلاح من المقاومة.

تعرّفت الاكثرية، كأكثرية مدعومة عربياً ودولياً. في بلد، محكوم فيه على الاكثرية (وهي متشكلة من تحالف وقوى طوائف) بأن تتفق مع الأقلية. لم تتحول اكثرية 14 آذار الى اكثرية وطنية، حاضنة لهمّ الحقيقة، وتطهير السلطة من أجهزة أمنية تخطت حدودها (كما هي العادة دائما في لبنان) وحاضنة لهواجس المقاومة، واللبنانيين الذين لا يرون رؤيتها في ما خص الدور الذي على لبنان ان يحدده لنفسه.

لذلك، ظل دم الحريري، في حساب الاكثرية فقط. ولم يبلغ، لقصور وطني لدى فرقاء 14 آذار، مرتبة الشمول الوطني.

وازداد الشقاق وبلغ الذروة... والمستقبل محفوف ببلد مقيم على رصيفين لا يلتقيان في أي ساحة مشتركة.

واستمرّ التمييز بين الدمين، وعظُم بعد انتهاء العمليات الحربية، في حرب 12 تموز 2006 على لبنان.

لدى البعض: تختلف دماء المقاومين عن دماء الحريري. الأولى، سفكتها اسرائيل، في واحدة من اكثر حروبها اجراماً وتدميراً وقتلاً وخروجاً عن المنطق العسكري وعلى القوانين الناظمة للحروب. واسرائيل، عدو مزمن. (البعض، بسبب ثقافته وبيئته وخلفياته، لا يرى الى اسرائيل عدواً. فقد يصل الى درجة المساواة، بين «عدائية» سوريا وعدوانية اسرائيل) وإسرائيل عدو تاريخي، احتلّ أرضاً لبنانية مراراً. دخل بيروت تحت قصف لا يرحم. استشهدت العاصمة وظلت حية ترزق مقاومة، طردت إسرائيل منها. دخلتها اسرائيل، بدعم اميركي/عربي/بعض لبناني.

إسرائيل احتلت الجنوب لربع قرن. عذبت، شردت، دمرت، أقصت، ارتكبت. ونال الجنوب القسط الأكبر من الجحيم الاسرائيلي.

خاضت اسرائيل حربها ضد المقاومة في لبنان، على طريقتها في تدمير بنيته العمرانية والثأر من المدنيين، بسبب عجزها من استهداف المقاومة مباشرة بنيرانها، لكون المقاومة قوة غير مرئية... خاضت اسرائيل هذه الحرب في ظل انقسام حول سلاح المقاومة.

الرئيس فؤاد السنيورة، كرس ثنائية الرفض والقبول بالمقاومة، في مؤتمر القمة في الخرطوم. عاد النصاب الوزاري، بعد خروج وزراء التكتل الشيعي، عندما نطق السنيورة بجملة، من رؤوس شفتيه، تضمنت كلمة المقاومة بإيجاب ضئيل.

خاضت اسرائيل حربها والنائب وليد جنبلاط يحطّم القداسات، يهشّم بالسلام، وينتقد قائد المقاومة. وليس غريباً، أن يُصار الى تشبيه هذه المعركة الكلامية الشرسة، وغير المسبوقة، والتشهير بأنبل قضية، بما أقدم عليه بعض أعوان دمشق، عندما حمل الامير طلال ارسلان والوزير (!) وئام وهاب على الرئيس الحريري، ضمن اوركسترا القدح والذم.

خاضت اسرائيل حربه، بعدما كرّست 14 آذار، منطق الرفض الكامل لاستمرار السلاح بيد «حزب الله» حاولت عبر طاولة الحوار، استمهلت المجتمع الدولي. لم تستطع انتزاعه. فقامت بتجويفه في الداخل، ورميه بتهمة التوظيف في المحور الإقليمي الايراني ـ السوري. اي خوّنته.

باختصار: كان الحريري يتعرّض، قبل استشهاده، لهجوم سافر من قبل «جماعة سوريا»، (ولم يكن «حزب الله» من ضمن الجوقة، لأن سلوكه ونهجه مستقلان، وأخلاقيته لا تسمح بالحروب الكلامية والتخوينية)، باختصار ايضاً: كان حزب الله، يتعرّض قبل استشهاد مقاتليه ببسالة، لهجوم سافر من قبل جماعة 14 آذار، ضمن اوركسترا، موزعة فيها الأنغام، على مسيحيي «المستقبل»، وعلى «محافظين جدد»، من جذور يسارية رثة ولاهثة ولا حيثية لها، وعلى وليد جنبلاط، الذي تحوّل من معارض لسياسة اميركا في العراق وافغانستان، إلى مساير فمتفهّم فمؤيّد مزاعم سياسة المحور الاميركي في لبنان. والملاحظ، أنه كلما كانت تشدد اميركا الضغط على لبنان، كانت حملة 14 آذار، تزداد تطلّباً. وهكذا تحوّلت الى اداة ضاربة سياسياً، ضد سلاح حزب الله. في كل هذا الانقسام المذهل... حصلت الحرب، وخرج «حزب الله»، ممسكاً بسلاحه، ومتوّجاً على قلوب محبيه وأتباعه والمتشيعين له، في لبنان، وفي العالم العربي. أكفى هذا السلاح، في كثير من هذا المنبسط العربي ـ ثنائية السني والشيعي... والمطلوب أكثر.
إنما اختلف اللبنانيون، حول النتائج:

المقاومة تؤكد: انتصرنا عسكرياً.

الأكثرية تؤكد: انتصرنا دبلوماسياً.

الفارق بين «الانتصارين»، أنهما ليسا من مستوى واحد، ولا يحكم عليهما من وجهة نظر واحدة، ومن منطلق واحد:

الأكثرية تلمّح: المقاومة خسرت سياسياً.

المقاومة تفصح: الأكثرية تنتصر بخسارة دبلوماسية. وقرار مجحف وظالم، وتعتبره دستورها الجديد.

وكما كان الانقسام قبل الحرب، تكرّس بعد الحرب.

دم المقاومة ايضاً، لم يوحّد اللبنانيين.

الأكثرية: المقاومة خسرت ولم تهزم، لأنها قبلت بما كانت ترفضه قبل الحرب. هي الآن تدفع ثمناً باهظاً، كان يمكن ألا يكلف اللبنانيين حياتهم واقتصادهم وجسورهم وبناهم التحتية، وإعادة لبنان عقدين من الزمن الى الوراء، وتكبيد الخزانة اللبنانية ديوناً، فوق ديونها المرهقة. وأكثر من ذلك، تقول الأكثرية: لقد ساعدت المقاومة إسرائيل، عبر منحها منصة لتمارس عدوانية ووحشية معهودتين لدى الإسرائيليين.

دمان يختلفان ولا يتأهلان في عناق على الجلجلة اللبنانية، من أجل قيامة الوطن. دمان طالقان، وكان بالإمكان، عقد حياة بينهما لخلاص البلد.

المقاومة تعتبر الانتصار الدبلوماسي شراً لا بدّ منه، كي لا يتبنى لبنان شراً أعظم. فلمَ التغني بهذا الانتصار الإكراهي من قبل الاكثرية ولمَ اعتبار هذا النصر انتصاراً، وتطالب بتنفيذه بحذافيره، دفعة واحدة، وبلا زيادة، ولا نقصان.

بين المقاومة وتيارها وبين 14 آذار، خلاف في القراءة. فهذا يقرأ بالعربية من اليمين الى اليسار، ويتهم بالفارسية، وذاك يقرأ من اليسار الى اليمين، ويتهم بالاميركية.

اذاً، نحن في صلب مشهد إقليمي ودولي. نحن الممثلون الحقيقيون في لبنان لهذا الصراع. قوة المقاومة، ليست أجيرة عند سوريا وعند ايران، ولكنها قوة تستفيد منها ايران المقاومة، وسوريا الباحثة عن مقاومة ما، عندها او عند غيرها.

قوة 14 آذار، أنها ليست في هذا المحور، بل في المحور الأميركي وتوابعه، مع مشقة اللعب على تناقض موهوم بين واشنطن وتل أبيب.

إذاً، لبنان الذي توزّع نصفين غير متساويين هو الآن عنوان إقليمي ودولي. وهو محطة، وهو المؤلف أيضاً لنصه المختلف.

هل فات الأوان، وكل فريق يحتكر دماء شهدائه؟

الملفات السرية التي يتداول مضمونها المراقبون في الدواوين المغلقة، ومسلسل «الكلام بسرك» وإخبارات الاتهام التي تتداولها اوساط الفريقين تصل الى حدود الاتهام بارتكاب الكبائر.

تلميحات الى دور للضاحية الجنوبية، في تقرير برامرتز.

توقيت 12 تموز جاء تطبيقاً للروزنامة الايرانية السورية.

حجم الخسائر بالمليارات، يتحمل مسؤوليتها من دفع «حزب الله» الى هذا القرار الأرعن (ايران ـ سوريا).

إخبارات المقاومة أكثر خطورة:

تأكيد على تشجيع قام به بعض النافذين من السياسيين اللبنانيين على استمرار العدوان الإسرائيلي.

تأكيد على ضلوع وزراء ونواب حاليين وسابقين في الاغتياب والتواطؤ.
تأكيد على وجود تنظيم سري سياسي يقوده بولتون، وينفذ مقتضياته فيلتمان، وتقوم بالترويج له عصبة من نخب سياسية وإعلامية ذات جذور معادية في الأساس لمجرد وجود حزب الله، ولدوره الذي تبوأه في مقاومة الاحتلال قبل 25 أيار العام .2000

وهكذا، بلغ الطلاق مداه.

الحكاية مفضوحة، ومبرهَن عليها بالجرم المشهود.

ومع ذلك، لعل صحوة تأتي، على يد حكيم لبناني، ولو مؤقتاً.

فلنُعِد الأمور الى نصابها.

من بين جدرانه الموزعة، لتدك دعائم بلد، لم يشكل أبداً دولة ووطناً لأحد.
اذا لم يتفقوا، فليس أمام المنتصرين الا قلب هذه السلطة في الشارع، ويبدو ان فريقاً من هذه الاقلية، مصرّ على ذلك، ومستعجل ايضاً. وقد يُعاد تمثيل سقوط الحكومة، وفق النموذج الذي سقطت خلاله حكومة الرئيس عمر كرامي. وسترفع صور المطلوبين شعبياً، بتهمة الدعوة لاستكمال الحرب، ومنع إعلان وقف إطلاق النار، وسواهم من الشخصيات السياسية، المنضوية تحت لواء الاكثرية.

تظهير الصورة بشكل كامل، بحاجة الى عدد من النواب لتبديل مواقعهم، والانتقال، من معسكر الاكثرية الضعيفة الى معسكر الاقلية القوية. وعندها، ستنشأ ثنائية جديدة: غالب ومغلوب، الى ان يهتدي اللبنانيون الى طريقة، يقبض فيها تيار جديد، ليس على السلطة، بل على الدولة، ليعيد صياغتها، وفق ثقافة جديدة، ونظام لا طائفي، وعقيدة سياسية مستمدة من دوره في محيطه الطبيعي، ومستجيباً لتحديات وجوده الخطر في منطقة من أخطر المناطق على الإطلاق.

الأرض لمن يحرّرها ولمن يعمّرها. وحزب الله يحرّر ويعمّر، ومع ذلك، فكيف سيتصرّف، فوق هذه الأرض اللبنانية الرجراجة؟

الاحتمال الأمثل قبول الغالبين، بدم الحريري وبدم المقاومة، الاتفاق المبرم، على بناء دولة، قوية، قادرة، عادلة، مقاومة. والاتفاق على موقع لبنان في الصراع الاقليمي، إلى جانب قوى الممانعة، وليس إلى جانب الملف الأميركي/ الإسرائيلي/ العربي. والاتفاق على كيفية خدمة هذا الدور على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي.

فلبنان، أفرزت انتخاباته الأخيرة، فوز أربع كتل كبيرة، وملحقات: الكتلة السنية، برئاسة النائب سعد الحريري، وكتلة شعبية برئاسة الثنائي، بري ـ نصر الله، وكتلة مسيحية برئاسة الجنرال عون، وكتلة درزية برئاسة جنبلاط. الباقون ملحقون، إما تيار المستقبل وإما اختاروا رصيف 14 آذار، ليكون مكان إقامتهم المؤقت.

وهؤلاء كلهم لبنانيون أقحاح، وسجل نفوسهم لبناني منذ اكثر من عشر سنوات، هل يستطيع هؤلاء ـ بناء البيت اللبناني، بجدرانه الأربعة؟ هل يتفقون على السقف الذي سيجمعهم في دولة؟ إذا لم «يصبّوا» سقفهم بعقيدة وطنية للبنان، تلغي ثنائية الاتكال الدائم على الخارج، فإن أمطار المناخ الاقليمي المليئة بعواصف مذهلة، ستتساقط على لبنان، وستهبّ عليه الرياح.

الانتصار الكامل غير ممكن، لأنه سيقصي الطائفة برمّتها عن السلطة وأكثرية طائفة في الجانب المسيحي، وقفت الى جانب العماد عون.

كان هناك غالب نسبي، ومغلوب نسبي. تلك مقتضيات التوافق اللبناني، ولا يمكن تسمية هذا اللاتعادل، لا غالب ولا مغلوب، بل ظل التربص قائماً. الاكثرية تتخبّط في انتصار ناقص، والأقلية تتكئ على قوتها الشعبية، وعدم قدرة الأكثرية على تجاوزها، وعلى الحوار الدائم داخل الحكومة، لبلوغ قواسم مشتركة مؤقتة.

الانتصار الذي سجّلته المقاومة، كيف ستتصرّف به؟

الأرض لمن يحرّرها؟ ولم تستقم هذه المعادلة. فالتحرير الذي كان إنجاز فئة لبنانية، لا يُطوّب السلطة لها أبداً. السلطة تقوم على التوافق. اليوم. لمن يُهدى هذا النصر، خصوصاً ان مَن سيُهديه، سيتخلى عن نصيبه منه عبر تخليه عن ذاته وعن سلاحه، علة وجود مقاومته؟ وبانت منظمة التحرير جيش المسلمين، فيما اتجهت الاكثرية المسيحية الى طلب النجدة من الغرب حتى بلغت بها الجرأة، الى استقدام اسرائيل. فتوّجت حضورها بدخول العاصمة بيروت في العام 1982 وارتكاب مذبحة صبرا وشاتيلا.

ثم... كانت الحرب اللبنانية المتناسلة. تناوب اللبنانيون على استدعاء الجميع ضد الجميع. ولما انتهت الحرب أسلسوا قيادتهم الكاملة للوصاية السورية.

اليوم، ولبنان يترنح فعلياً بين محورين: محور اميركي/عربي موالٍ/ اسرائيلي/ بعض لبناني، ومحور إيراني/سوري/بعض لبناني/بعض فلسطيني. وهناك مَن اختار أن يكون في المحور الاميركي مواربة، وهناك مَن هو في المحور الايراني ـ السوري بلا جهر. باستثناء الجنرال عون الذي يؤثر الاستقلال والانتقاء.

فأين هي الدولة؟ أين هو الوطن؟ أين هو النظام! المعروض على لبنان ثنائية القصاص التالي: لا غالب ولا مغلوب. فهل يمكن تنفيذ هذا الشعار اليوم؟

غلب فريق الرابع عشر من آذار واستحوذ على معظم السلطة. ظل انتصاره ناقصاً. ولم يكن ممكناً إنجازه كاملاً. لأن الكمال يقضي في إقصاء الخصوم كلياً عن مواقع السلطة.

الثنائية اللبنانية، لعنة هذا الكيان، اللادولة، اللاوطن، اللانظام. القاعدة اللبنانية ما زالت تكرس هذه الثنائية. ثنائية التناقض التي تحتاج الى تكريس مؤيد للنفيين ليتساكن اللبنانيون معاً.

الزميل طلال الحسيني، يفصل القول عندما يفصل على اللبنانيين استقلالهم، ودولتهم، إذا لم يستقلا عن المحور الاميركي ـ الاسرائيلي، والمحور الايراني ـ السوري.

نظرياً... عال. عملياً. هذه التجربة مكرّرة. اللبنانيون لم يستقلوا عن الخارج ولا مرّة. حياتهم السياسية مبنية بالتمام والكمال، على الاستعانة بالخارج. فلا دولة ولا دويلة، ولا حتى خيمة قبائل.

وحدها، فترة الرئيس فؤاد شهاب، شهدت بذور دولة. ربيع شهاب انتهى بخط يده، عندما رفض التجديد. رأى أن الرياح التي ستهبّ على الدولة، أقوى منه، وأقوى من خليفته شارل حلو.

وهبّت الرياح. استقدم السنة والوطنيون، الفلسطينيين أخيراً.

لم يصبح لبنان لبنانياً بعد.

دماء جميع أبنائه، لا تستثمر في بناء لبنان، الكلام على بناء الدولة، في هذا المضمار، كذبة كبيرة. او كذبة عملاقة بيننا وبين بناء الدولة، دماء كثيرة، وجهود ضوئية، غير متوفر منها الا جهد السلحفاة.

هذا هو لبنان. إقبلوه كما هو، طالما أنكم تصنعونه على صورتكم ومثالكم. ومثالنا: ثنائية النفيين. والنفيان كما قال جورج نقاش، لا يصنعان أمة.

والدمان، لا يصنعان وطناً.

السفير (14 09 2006)

 

هذا المقال

 

العنوان:

دماء المقاومة ودم الحريري يكفيان لصناعة وطن؟

الكاتب:

نصري الصايغ

المصدر:

السفير

تاريخ النشر:

(14 09 2006)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى