موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث vendredi octobre 20, 2006 الساعة 11:09:31

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

 

انتصــار تمــوز

ألبير منصور

في ترتيب المؤامرة

كان من المفترض توقع حرب تموز منذ أن تعثر تنفيذ القرار 1559 بأهدافه الحقيقية الرامية الى فصل لبنان عن سوريا، وعزله عن منحى الممانعة والرفض، والسيطرة على الحكم فيه، وإدخاله في حلقة دول الإذعان، وإنهاء المقاومة ونزع سلاحها، وتحويله الى ساحة صراع وإلى منصة انطلاق لتعقب النظام السوري ومتابعة تنفيذ مشروع «الشرق أوسطية» ملاقاة للمشروع الذي بوشر فيه انطلاقا من احتلال العراق وإشعال الحرب الأهلية المذهبية والعرقية والسعي لتحقيق نظام فيدرالية مذهبية وعرقية مغلفة بتقسيم جغرافي مناسب وبنظام انتخابي ملائم تحت ستار كثيف من النفاق الديموقراطي الذي حول الديموقراطية حيث يقال إنها تعتمد الى مجرد آلية سخيفة لإحصاء أبناء الطوائف والمذاهب والأعراق (كما في العراق ولبنان) وإلى آلية لتثبيت أنظمة القمع الملائمة للمصالح الأميركية حيث يقال إنه يسعى الى تطوير الأنظمة باتجاهها (كما في السعودية والأردن ومصر ودول الخليج).

شكل القرار 1559 سابقة فريدة في تاريخ القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، لم يسبق لمجلس الأمن ان بادر الى اصدار قرار هكذا عفوا دون مبرر ودون حصول مشكل او تقديم طلب او شكوى او حدوث ازمة او تهديد ما للاستقرار الدولي. صدر القرار 1559 لرغبة أميركية فرنسية مشتركة نابعة من مصالح الدولتين وما تعدان من مشاريع لتحقيقها في المنطقة العربية ولا علاقة له بأي أمر آخر. وما قيل عن الرغبة بتحرير لبنان من الوصاية السورية، وإن تلاءم مع رغبة الغالبية من اللبنانيين، ليس سوى ذريعة للتدخل العفوي وتحقيق مشاريع تلك الدول. وأما ذريعة التمديد لرئيس الجمهورية فقد سبق وحصل التمديد في لبنان ووفق التدخل السوري عينه ولم يشكل مناسبة لأي قرار او حتى لأي اعتراض او ملاحظة.

القرار 1559 لم يطلبه أحد ولم يكن له من مبرر سوى الرغبة الاميركية الفرنسية بمباشرة مشروع ما في منطقة الشرق الأوسط وانطلاقا من لبنان.

قوام المشروع، وفق ما أمكن لنا استطلاعه، هو التالي:

من الجانب الأميركي: السيطرة على لبنان واتخاذه منصة انطلاق لملاقاة المشروع الذي بوشر فيه انطلاقا من العراق.

ـ وقوامه ايضا من الجانب الاميركي، المتقاطع مع المصلحة الاسرائيلية، تدمير حزب الله ونزع سلاحه وإنهاء وجوده كمقاومة وضم لبنان نهائيا الى دول الإذعان والرضوخ للمشيئة الاميركية وإلى مصاف الدول المتصالحة مع الدولة.

ـ أما من الجانب الفرنسي فقوامه معاقبة النظام السوري ومحاولة تغييره لأسباب تتعلق بتدهور العلاقات بين الرئيسين الفرنسي والسوري وبين البلدين، ولأن النظام السوري باشر، على قاعدة تدهور العلاقات هذا، بإقصاء الفريق المذهبي ذي المرابط السعودية والمتعاون مع الفرنسيين، إقصائه عن الحكم في لبنان وسوريا بعد ان كان قد حكم لبنان تحت الوصاية السورية منذ 1992 وإلى نهاية سنة 2004 وشارك في حكم سوريا منذ سنة 1970 ولغاية سنة ,2000 والذي كان الفرنسيون يرغبون باستمرار حكمه في لبنان وربما تسليمه الحكم في سوريا ايضا. والرغبة الفرنسية هذه ومحاولات تنفيذها قد تكون وراء صراع الاجهزة وما نجم عنه من «اغتيال وانتحار وفرار واختباء وسفر وابتعاد وتحسب» على الساحتين اللبنانية والسورية.

ان صدور القرار 1559 بهذا الشكل وبدون ذرائع تبرر تدخل مجلس الأمن، يشكل بحد ذاته قرينة حاسمة على مخطط أميركي يتقاطع مع المصالح الفرنسية والاسرائيلية، يتم تنفيذه عبر استخدام مجلس الأمن وما يسمى بالشرعية الدولية التي باتت مجرد تعبير عن المشيئة الاميركية ليس إلا.

أخرجت سوريا من لبنان قبل نزع سلاح حزب الله فأضحى من البين ان تنفيذ البند المتعلق بنزع سلاح حزب الله لا سبيل له سوى احد امرين: إما استخدام الحيلة بالاستيعاب وإما استخدام القوة. استخدمت الحيلة بالاستيعاب فأدخل حزب الله في التحالف الاميركي الفرنسي، عبر ما أسمي بالتحالف الرباعي، وتمت السيطرة على السلطة بواسطته ومن ثم سهل إدخاله في الحكومة من خلال صيغة أقلوية لا تقدم ولا تؤخر في مسار السلطة ولا في قرارها وبوشر بعملية نزع سلاحه باستخدام وسيلة الحوار والالتفاف السياسي المواكب بالتهويل الدائم بالفتنة المذهبية.

إن محاذرة الحزب الدؤوبة تجنب الفتنة المذهبية كشفت للأميركيين نقطة الضعف في مساره. وهي الرعب من الفتنة المذهبية، فعملوا عبر أدواتهم على تسعير العصبية المذهبية السنية والتهويل الدائم بالفتنة المذهبية السنية الشيعية مما أدى الى شل حرية حركة الحزب وأربك أداءه السياسي فبدأ خطابه ملسا لا عصب فيه ولا صلابة، الأمر الذي شجع الطبقة السياسية التي تعمل بفيء ووصاية التحالف الاميركي الفرنسي الاسرائيلي برموزها المعروفة وحتى بنكراتها الطارئة، على التمادي والتجرؤ عليه وانتقاده والتجريح بمواقفه ومحاولة إسقاط هالة الوقار الذي اكتسبها من مقاومة الاحتلال ومن النصر والتحرير الذي أعقبه.

ولما وقعت حرب تموز المعدة منذ آذار 2006 عملت الولايات المتحدة الاميركية بواسطة ادواتها العربية واللبنانية على تحميل «حزب الله» مسؤولية الحرب. فحمّل السياسيون اللبنانيون الخاضعون للوصاية الاميركية الفرنسية أسر الجنديين الاسرائيليين في عملية محسوبة كونها مسبوقة وذات طبيعة محض عسكرية، مسؤولية اندلاع الحرب ومسؤولية تدمير لبنان وبنيته الاقتصادية والعمرانية، معفين اسرائيل من الحاجة الى تبرير تدميره ومغطين عدوانها، الى حد استعان المندوب الاسرائيلي في مجلس الأمن بتصريحات ومواقف هؤلاء السياسيين «الأصدقاء» كما أسماهم لتبرير العدوان الاسرائيلي وتبرير تدمير البنية المدنية اللبنانية. وفي عملية متناغمة متكاملة مع اميركيي الداخل اعتبرت الأنظمة العربية، المذعنة للمشيئة الاميركية الاسرائيلية، عمل حزب الله مغامرة يستأهل عليها السحق والتدمير.

ومنذ لحظة العدوان الاولى أنكرت الحكومة اللبنانية المقاومة وكشفت حزب الله امام العدو والعالم متجاوبة مع اميركيي الداخل ومع عرب اميركا.

ومنذ تلك اللحظة انكشف مسار الحكومة السياسي والذي لا يمكن وسمه بغير صفة «التفريط».

مسار الخيانة

بدأ المسار، الذي أظن أنه مسار تفريط، يظهر للعيان لحظة وقفت حكومة مجموعة الأكثرية والتي اضحت تعرف على إثر مأدبة العار في السفارة الاميركية، بمجموعة السيدة رايس، وقفت تتبرأ من خطف العسكريين الاسرائيليين ملقية الملامة على حزب الله المشارك في الحكومة والمأذون له بموجب بيانها الوزاري إدارة المقاومة لاستعادة مزارع شبعا وتحرير الأسرى.

بدأ مسار التفريط يظهر للعلن لحظة بدأ التبرؤ.

ولو أن التبرؤ هذا أتى بفائدة عملية لجهة تحييد المدنيين اللبنانيين والأهداف المدنية والعمرانية اللبنانية لقلنا ان ثمن التفريط قبض إنقاذا ماديا من قبل مجموعة همها الأول والأخير يكمن في المكونات المادية للسلطة وما ينتج عنها من منافع.
أما وأن التبرؤ لم ينتج اي تحييد للبنى المدنية والعمرانية اللبنانية بل بدا وكأنه يبرر تدميرها، واجبنا وحقنا ان نسأل عن الوظيفة السياسية الحقيقية لهذا التبرؤ وعن معناه الحقيقي على ضوء النتائج.

ـ النتيجة الاولى للتبرؤ كانت تحييد السلطة المتمثلة بالحكومة عن الصراع ووقوفها على الحياد حيال عدوان اسرائيل على لبنان تحت ستار أنه عدوان على حزب الله وحده. إرادة التبرؤ كانت ترمي الى القول ان العدوان والصراع هو بين اسرائيل وحزب الله وان لبنان الرسمي ولبنان الشعبي الذي تمثله الأكثرية في الحكومة لا علاقة لهما بهذا الصراع.

المحايدة هذه مكنت العدو والولايات المتحدة الأميركية التي كانت تدير عملياته وترعاه وتمده بالسلاح وترفض وقف اطلاق النار وتوقته وفق غاياتها غير آبهة لمصير لبنان واللبنانيين، ان يعتبر العدوان على لبنان وتدمير بنيته العمرانية صراعا بين دولة معتدى عليها وبين منظمة ارهابية، الامر الذي أدى الى إضعاف موقف لبنان في مجلس الأمن وسخف منطق ممثليه ومنعهم من التجرؤ على صد وتسفيه افتراءات مندوب اسرائيل ومندوب الولايات المتحدة. فأن لا يجرؤ مندوب لبنان على القول ان حزب الله يمثل مقاومة مشروعة شرعية متبناة من قبل الحكومة اللبنانية في بيانها الوزاري وفي تركيبها وان عمله هو عمل مقاوم في مواجهة احتلال وان خرق الخط الازرق هو ممارسة اسرائيلية يومية ولا قيمة له في تقييم عمل حزب الله المقاوم ولا في موقف لبنان الرسمي نظرا لعدم احترامه من قبل اسرائيل، ان عدم التجرؤ هذا يشكل موقفا يستوجب المحاكمة.

ـ النتيجة الثانية لموقف التبرؤ هي تمكين ما يسمى بالمجتمع الدولي، والذي يعني فعليا وعمليا المشيئة الاميركية، بالتدخل في الشأن الداخلي اللبناني تحت ستار تمكين السلطة الشرعية من بسط سلطتها باعتبار ان تنظيما مسلحا يمنع بسط هذه السلطة والسلطة متبرئة منه وتريد ازالته ولكنها غير قادرة بقواها الذاتية.

لذا جاء مشروع القرار الدولي والذي صدر تحت الرقم 1701 يعبر تعبيرا صادقا عن الرغبة الحقيقية والوظيفة السياسية الحقيقية لمقاصد التبرؤ وهي تنفيذ القرار 1559 والقرار 1680 بواسطة اسرائيل، وأما انها فشلت فبواسطة القرار 1701 وطريقة تنفيذه من قبل ما يسمى بالمجتمع الدولي وعلى نحو ما نشهد من محاولة تحقيق انتداب ووصاية اميركية أطلسية على لبنان تحت ستار الأمم المتحدة وما يسمى بالمجتمع الدولي وسائر تسميات النفاق والتستر المعتمدة من قبل أهل التسلط والوصاية الجديدة ومن أدواتهم اللبنانيين.

الوظيفة الحقيقية للعدوان وبالتالي للتبرؤ المبرر له كانت وما تزال إكمال وضع اليد على لبنان وتحويله منصة انطلاق لتحقيق المشاريع الاميركية في المنطقة العربية.

ان السياسة الاميركية، سياسة الشرق الأوسط الجديد، هي التي تريد وتصر على تحويل لبنان الى ساحة صراع وهي من يمنع المباشرة بمشروع استعادة الوطن من ساحة واعادة بناء الدولة على انقاض المزرعة، وهي التي تريد لبنان منصة انطلاق ثانية لمشروعها للتكامل مع المنصة الاولى التي بدأت من العراق.

دمرت الوطن والدولة في العراق وهي تدمر في لبنان كل إمكانية لاستعادة الوطن من ساحة الصراع وكل إمكانية لبناء الدولة على أنقاض المزرعة التي بناها أتباع الوصاية السورية سنة ,1992 والمستمرة معهم نفسهم بعد ان انتقلت بهم انتهازيتهم المعروفة من تبعية الوصاية السورية الى تبعية الوصاية الاميركية الفرنسية الجديدة.

اعتمدت الوصاية الاميركية لتحقيق اغراضها ادواتها السياسية فحيث فشلت اعتمدت القوة الغاشمة، دمرت بها العراق ودولته وجيشه. وفي لبنان اعتمدت ادواتها من السياسيين فلم يفلحوا، فاعتمدت قوة اسرائيل فلم تفلح، وها هي تعاود بأدواتها مناغمة بين ضغطهم وبين التهويل بفداحة الخسائر والدمار والتهويل بمعاودة العدوان الاسرائيلي وبين ضغط ما يسمى بالمجتمع الدولي، لإحكام الانتداب والوصاية الاطلسية على لبنان باسم المجتمع الدولي وإحكام سيطرتها على الحكم فيه بواسطة أدواتها من السياسيين الذين امتهنوا على مدى عقدين ونيف التعامل مع الوصايات والعمل كأدوات بإمرتها.

دمرت اسرائيل لبنان برعاية «الرعاية الدولية» التي أغرقوا لبنان بنعيمها على مدى سنة ونصف سنة.

هل يعني ذلك ان المُتبرئ كان يعلم مسبقا بالعدوان حتى أتى تبرؤه سريعا الى حد انه كاد يصدر تقريبا بالتزامن مع عملية أسر الجنديين الاسرائيليين، كي لا أقول كاد يسبقها؟

هل ان المسارع الى التبرؤ، كان على علم مسبق بمخطط تدمير لبنان فسارع الى التخلي عن شريكه في الحكومة كي يحصر فيه وحده مسؤولية التدمير وتبرئة اسرائيل منها ويحملها الى شريكه في الحكم؟

ان الشكوك تكبر يوما عن يوم بسوء ادارة هذه المجموعة الحاكمة كي لا نقول بسوء نواياها وغاياتها. فهي تصر على تحميل الوطن جميع ما ينسب الى المقاومة من سوء تصرف وترفض ان يستفيد الوطن من ما ثبت ان قامت به المقاومة من حسن أداء وتصرف. فهي تتحمل بإذعان نتائج الحرب من دمار وحصار ورضوخ لمشيئة أرباب القرار 1559 وتمتنع عن الاستفادة من صمود المقاومة وفعالية سلاحها بوجه العدوان. فلو لم تتبرأ الحكومة من سلاح المقاومة لأمكن لها الاستعانة به تهديدا لجهة فرض رفع الحصار. فمقابل الاصرار الاسرائيلي على الحصار كان بإمكان الحكومة استخدام التهديد المشروع بإقفال مرفأ حيفا وإقفاله فعلا في حال الاصرار على إقفال مطار بيروت ومرفئها. أما وقد تنكرت الحكومة للمقاومة وشرعت إدانة سلاحها بات من المتعذر عليها إمكان الافادة من هذا السلاح. وتجاوزا لأمر التهديد باستعمال سلاح المقاومة نرى ان التصرف الحكومي في مواجهة الحصار يثير الريبة ويزيد الشكوك حتى نكاد نظن أنها موافقة عليه مساهمة منها في اغراق صمود المقاومة بمآسي الحصار والدمار خاصة اذا ما واكبنا بين التصرف الحكومي وبين الاعلام الممسوك في تضخيم مآسي الدمار ونتائجه وطمس معالم الصمود ونجاح التصدي في ردع العدوان.

الغاية الحقيقية من الحصار الذي مارسته اسرائيل على مدى الشهر تقريبا هي متابعة الحرب للتحايل ومحاولة انجاز بالسياسة ما لم ينجز بالقتال. ورأيي ان الحصار يتم برضا، ان لم يكن بطلب، غالبية الحكم التي ترمي الى تحقيق انتصارات وهمية تنسبها الى مقامها لتوازن انتصارات المقاومة الحقيقية وتصبح على ما زعم أحدهم حكومة المقاومة السياسية بموازاة حزب الله الذي شكل المقاومة العسكرية. محاولة لسرقة إنجاز المقاومة بعد ان عجزت عن تدميرها ودفنها ومتابعة تعقبها من موقعها للإجهاز عليها.

ان تتابع حكومة اكثرية التبعية والاذعان مهمتها لتحقيق اغراض مرشديها ليس مستغربا، المستغرب هو استمرار المقاومة في مجاراة هذه الاكثرية والمساهمة في تثبيت مكانتها واستمرارها.

المستغرب هو ان يستمر حزب الله بالمشاركة في هذه الحكومة.

ماذا يعني هذا الاستمرار بالمشاركة بين أقلية الرفض وأكثرية الاذعان؟ ماذا يعني هذا الاستمرار في الثنائية المذهبية على صعيد الحكم وهذا التباين الكبير في المواقف والنهج ومحاولات السيطرة على مؤسسات الحكم ومراكز القوى فيه؟ ماذا يعني غض نظر مجموعة الرفض عن ممارسات مجموعة الإذعان في بسط سيطرتها التدريجية على مؤسسات الحكم الأمنية والعسكرية؟

ماذا يعني استمرار حزب الله بالمشاركة في الحكومة بينما جميع القوى السياسية التي تدعم نهج المقاومة هي في صفوف المعارضة وخارج الحكم؟ ماذا يعني استمرار بقاء حزب الله الى جنب تيار المستقبل والحزب الاشتراكي والآخرين في حكومة السنيورة؟

كيف لنا ان نفهم تفاهمه الموثق مع تيار العماد عون، وتفاهمه بالتقارب في المواقف مع اللقاء الوطني، وتفاهمه مع منبر الوحدة الوطنية القوة الثالثة، ومشاركته تيار المستقبل في الحكومة؟

الحقيقة ان الامر لم يعد مفهوما. وقد يكون هذا ما أراد ان يعبر عنه السيد حسن نصر الله في مهرجان النصر اذ قال ان الحزب بصدد اعادة نظر قد تظهر بشائرها مع نهاية هدنة شهر الصوم.

وأما عودة مجموعة الرابع عشر من شباط الى التهويل بالفتنة المذهبية تحت ستار المحكمة الدولية التي يرمي انشاؤها برأيهم الى وضع حد لعمليات القتل والاغتيال في العمل السياسي، فقد أضحى تهويلا مبتذلا.

ان مطلب انشاء المحكمة الدولية قبل صدور نتائج التحقيق الدولي يكشف حقيقية المرمى من ورائها فهي مطلوبة كورقة ابتزاز في يد الولايات المتحدة في وجه كل معارض لسياستها وهي ورقة انتقام شخصي بيد شيراك، وطبعا بيد القيادة الثنائية للاكثرية التي ترغب بإعطائها صبغة المصلحة الوطنية تحت طائلة التهديد بالفتنة المذهبية لمن يرفضها وبخاصة حزب الله المعني الاول من قبل الولايات المتحدة باستخدام المحكمة كورقة ابتزاز حياله وحيال كل من يحميه او يقدم الدعم له.

والواقع ان الانقسام الحاصل على الساحة اللبنانية ليس انقساما مذهبيا الا لاستغلال الفتنة المذهبية او التهديد بها من قبل الولايات المتحدة وأدواتها المحليين لأنه في الواقع انقسام سياسي تاريخي، انه انقسام سياسي تاريخي حاصل منذ الخمسينات ومنذ نشوء دولة اسرائيل. انقسام سياسي تاريخي بين خطين سياسيين متباينين متناقضين خط الاذعان للمشيئة التي انشأت اسرائيل والتي تحميها والخط الرافض الذي اتخذ اشكالا ومظاهر عدة بدءا بالخط الوطني والقومي الذي قاده عبد الناصر مرورا بخط المقاومة الفلسطينية والاحزاب القومية في مرحلة النهوض القومي وصولا الى الخط الذي تقوده اليوم الاحزاب ذات المنطلق الديني كحماس وحزب الله. والخط الذي يقوده حزب الله اليوم في لبنان وذاك الذي تقوده حماس في فلسطين هو مكمل للخط الذي قاده عبد الناصر بل هو الخط عينه، وهو خط يعارضه ويتصدى له حملة الخط الآخر من الدول العربية نفسها التي ناصبت عبد الناصر العداء والتي انضم اليها نظام مصر السادات.

والصراع هذا قائم منذ نشوء دولة اسرائيل والجديد فيه هو ان مسار وخط الاذعان كسب نظام مصر من جهة وخسر نظام ايران من جهة اخرى. فإيران الشاه كانت تناصب عبد الناصر العداء بينما ايران اليوم تدعم حماس وحزب الله. ومصر عبد الناصر بدلها انور السادات فأضحت في خط الاذعان بعد ان قادت ولعشرين سنة خط الرفض والمقاومة. الصراع اذاً هو ومنذ قيام دولة اسرائيل صراع سياسي بين نهجين وخطين:

خط الرفض والمقاومة الذي قاده عبد الناصر ومعه الاحزاب القومية والمقاومة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير، وهو النهج الذي تتولاه وتتابعه اليوم الاحزاب المقاومة ومن ورائها الشعوب العربية ومنها حزب الله والحزب الشيوعي وبعض الاحزاب القومية وبعض الاحزاب الوطنية في لبنان وحركة المقاومة الاسلامية حماس في فلسطين ومعها جبهات الرفض وبعض الاحزاب الوطنية والقومية في العالم العربي وهو الخط الذي اثبتت له المقاومة الوطنية اللبنانية وتاليا المقاومة الاسلامية بنتيجة التحرير الذي تحقق سنة 2000 والذي أثبت له حزب الله اليوم بنتيجة الانتصار في حرب تموز 2006 انه خط ممكن وعقلاني وطريق صحيح لتحقيق الاهداف الوطنية والقومية العربية بعكس ما يصور ويشيع اهل الخط الآخر خط الاذعان والرضوخ للمشيئة الاميركية والاوروبية التابعة لها. ان خط الرضوخ والاذعان للمشيئة الاميركية، هو الذي تصدى لعبد الناصر وتآمر عليه وضرب الوحدة بين مصر وسوريا ولاحق عبد الناصر في اليمن وتعقبه في مصر حتى قضى عليه وعلى نظامه ودعم السادات حتى أفتى بالخيانة وأنجزها فقصم ظهر الخط المقاوم بعزل مصر عن الصراع ومن ثم إلحاقها بخط الاذعان وبالتالي اعترافها بالدولة الصهيونية والصلح معها. يوم كان عبد الناصر يقود خط الرفض هذا كان شاه ايران ومعه ايران. التي كانت شيعية من يومها على ما أظن، في خط المواجهة مع عبد الناصر وكان داعما ومؤيدا بحزم لخط التخاذل العربي ولاسرائيل، لم يقل يومها ان الصراع هو فارسي عربي ولم يقل ان الصراع هو سني شيعي ولم تستحضر المتحجرات الأثرية التاريخية التي مر عليها اكثر من ألف سنة ولم يشعر بوجودها او بأثرها احد، لم تستحضر يومها لاستخدامها كأدوات ايديولوجية في الصراع ومحاولة تشويه الصراع بها كما يفعل اليوم الاميركيون وأدواتهم السياسية اللبنانية والعربية.

ان استحضار المتحجر التاريخي الاثري الذي اسمه الصراع الفارسي العربي او استحضار المتحجر التاريخي الأثري الآخر الذي اسمه الصراع السني الشيعي إنما هو تعمية سياسية وخدمة لاسرائيل وتوجيه الصراع من مواجهتها الى خلق فتنة في صلب اعدائها وخصومها. فكل من يستحضر الصراع الفارسي العربي اليوم فيما ايران تدعم القضية العربية في مواجهة اسرائيل انما هو صهيوني الهوى ويرمي شاء أم أبى الى خدمة اسرائيل في صراعها مع العرب ويقع من الصراع في موقع الخيانة الوطنية. وكل من يستحضر الصراع السياسي التاريخي السني الشيعي اليوم وقد انعدمت جميع مسبباته التاريخية ولم يبق لها اي معنى فعلي، انما يعمل من اجل الفتنة في صفوف اعداء اسرائيل لخدمتها ونصرتها وهو بالتالي صهيوني الهوى والغرض ويقع من الصراع في موقع الخيانة الوطنية.

الصراع في المنطقة العربية صراع سياسي تاريخي وخطا الصراع خطان تاريخيان. المتغير الحاصل الوحيد والذي يجعل الامور ملتبسة هو انتقال بعض القوى في لبنان والمنطقة من موقع الى آخر تبعا لتبدل المصالح والمواقف.

فالسنية السياسية في لبنان والتي كانت تدين بالولاء للخط القومي العربي الناصري، خط الرفض والمقاومة وخط حمل لواء العروبة والدفاع عن القضايا العربية تبدو وكأنها تخلت عن التصدي للمشيئة الاميركية المتقاطعة مع المصالح الاسرائيلية والتي تقيم علاقات مصالح عامة وخاصة اقتصادية ومالية مع الاوروبيين والفرنسيين منهم بصورة خاصة. اما المارونية السياسية التي كانت تستخدم كأداة في مواجهة تيار الرفض القومي العربي فقد أفل نجم سيطرتها في لبنان لصالح السنية السياسية التي حملت هذا الدور مستتبعة قسما أقليا من المارونية السياسية بقيادة احزاب بقايا القوات والكتائب اللبنانية، والقسم الاكثري من الدرزية السياسية بقيادة الحزب التقدمي الاشتراكي الذي انتقل مع وليد جنبلاط من موقع كمال جنبلاط الى نقيضه.

(٭) وزير ونائب سابق

السفير (14 10 2006)

 

هذا المقال

 

العنوان:

 

الكاتب:

 

المصدر:

 

تاريخ النشر:

 

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى