|
|
|
آخر تحديث samedi octobre 21, 2006 الساعة 12:42:21 |
|
صخب الزّمن الآسيوي ... و"الثواب للعقل" غسان تويني فرنسا – من غسان تويني تتنزه على شاطئ المحيط الاطلسي، فتزدحم في ذهنك الافكار تجاور آخر ما قرأت وسمعت، كما ذكريات الايام الصاخبة تقارن الهدوء الذي استقرت عليه بالهيجان الذي يهزّ لبنان وعوالمه من كل صوب... هو المحيط، "غير شي" عن بحرنا المتوسطي الذي لن تغير زرقته الصافية حتى البوارج التي ليس لدولها حتى ولا مرفأ على شواطئنا. ومع ذلك اتت ولم تنتظر ان تتحرر وتنظف السنتها من رواسب ماضيها المتضاربة: الحنين الى ازمان الاستقواء، وعُقَد الذنب من الاسراف فيه!!! هي طبائع المحيط، تصرخ بها الامواج على الصخور، على وقع مدّ وجزر دائمين، لا ينتظران توقيت القمر الذي يجلي الامواج عن الرمال ليعود يقذف بها، على وتيرة غضب لا تصدق معها ان ثمة ما يمكن ان يجعلها تهدأ على قدميك بعد حين. • • • لا أعرف لماذا عادت بي الذاكرة فجأة الى صديق عتيق كنا نحب معاً مرجعاً كبيرا ابتكر هو له وصفاً ولا اندر ولا أبلغ: "يا عمّي، أوقيانوس كمال بيك، أوقيانوس!". ويمضي يشرح ان لا حدود لمعارفه "يللي بحجم" المحيط، ولا شاطئ واحد يكتفي بالاستقرار عنده، حجم رؤاه والمطامح والتحسّبات. صحيح. لعله الزمن الآسيوي "العائد الينا بصخب" اين منه صخب الجحافل التيمورلنكية... القنبلة الكورية؟ لا، ليست وحدها ولو كانت لها رمزية كان يمكن ان يهواها كمال جنبلاط: قنبلة الفقير والدولة "المعتّرة" تربك الاثرياء وترهب الجبابرة... فيمضون يحوكون لاحتوائها قرارات المقصود منها الامر وعكسه: "بسيطة، ما بتحرز"... كأن ثمة ما يمكن ان يكون بسيطا في منطق الدمار الشامل – ويمكنك، إن "احطت" به (اشتقاقاً من المحيط) ستضع له حدودا يحتملها، فلا يذهب في غضبه من غطرسة القوة الى الحد الذي يذهب اليه، ويهددك بتجاوزه صاحب القنبلة الاخرى، يراوح بين "الاحجام الدولية": بلدي صغير، اقليمي وسط، لا بل كبير وانتظر سترى! • • • وتتساءل ماذا كان سيقول أهل "العالم الثالث" وزعماء "العالم النامي" (اي السابح بين التخلف والانماء المتكامل) زعماء "عدم الانحياز" شو ان لاي، ونهرو، وتيتو، وسوكارنو وعبد الناصر، للامام الخامنئي لو وقف يلقي عليهم "خطبة الجمعة" الحائرة بين ثروة النفط سلاحا، والكلاشنيكوف في جامع الجامعة، و"اوراق مفاوضة" ليس بينها خطة خروج من الفقر والتفاوت الاجتماعي الى توزيع الثروة على كل الطبقات وتوظيفها في نهضة شاملة (مبنية على الديمقراطية والتكنولوجيا، كما في الهند مثلا، حيث القنبلة الذرية اكتسبت، كما "القنبلة الاسلامية" في باكستان، اوراق اعتمادها الدولية واعطت دولها حجمها الطبيعي المحترم في "لعبة الامم")... وكم كانت مصادفة بليغة ان يكون "العالم الاول" في ذلك اليوم بالذات، قد اختار لجائزة نوبل للسلام، مشروعا انمائيا متواضعا في اصغر وأتعس دولة اسلامية، بنغلادش... واتخذ هذا القرار وكأنه كان بمثابة الرد ان "العالم" ليس مشغولا عن تخلفنا بالمؤامرات الدولية التي لا احد ينكر وجودها، لكنها ليست كل ما في هذا العالم الذي يقاس تقدمه ليس بالتفوق النووي وحده، ولا طبعا بالمؤامرات، ولا حتى باستكشاف الفضاء عبر رحلات يتشارك في صنعها وتوسل مكتشفاتها الاميركيون والروس، ونكتفي نحن، من العالم الثالث، بان يستأجر واحدنا مقعدا فيها بعشرات الملايين (كتلك الاميركية الايرانية الاصل) بدل ان نوظف هذه الملايين وباقي قدراتنا على التوظيف في علوم البحث الانساني كالفضائي والذري. • • • [حاشية: لا بد لنا هنا من التذكر والتذكير بانه بينما كان محمد يونس يعدّ لتأسيس "بنك الفقراء" في بنغلادش، كان الامير طلال بن عبد العزيز يعقد مؤتمراً صحافياً في بيروت ثم في القاهرة ليعلن عن عزمه على اطلاق وتمويل مشروع مماثل على مستوى عربي. لكن "البيروقراطيات" العربية حالت دون ذلك وظلّت تقيم الحواجز و"العثرات" حتى يئس الامير وانصرف الى مشاريع أخرى ينظمها ويموّلها]. • • • ... ترى، هل كان المرشد الاكبر... يرد على الخطبة التي ربما زل خلالها لسان البابا الالماني، فخاطب الاسلام مستشهدا بامبراطور شرقي ليس هو الاعظم معرفة بالدين ولا هو كان الاكثر حكمة سياسية، بدل ان يرفع في الجامعة التي كان فيها استاذ فلسفة كتب الغزالي وابن رشد وسائر فلاسفة التوفيق بين العقل والايمان، كما كتاب القديس توما الاكويني معاصر هؤلاء وندّهم واكثر، وصولا الى الفيلسوف الالماني العقلاني الاعظم، ايمانويل كانط، المؤسس لعصر "الانوار" وما اطلقه ذلك العصر في حقول العلم، وصولا الى تفكيك الذرة واخطارها في تجاوز السيطرة على العالم الطبيعي الى تهديد السلام العالمي... • • • ثم، ثم... هل يمكن ان تكون مجالس الفاتيكان وندواته تفتقر الى عالم في الاسلاميات يلفت انتباه قداسته الى الكثير الكثير الذي ورد عن العقل في الاسلام، من القرآن الكريم الى الاحاديث النبوية الشريفة، ولعل من ابلغها، على بساطته هذا الحديث الذي يكثر روايته هذه الايام، وبحق، النقيب (العالم الشيخ الازهري سابقا) الاستاذ محمد البعلبكي، ونستشهد متوجهين لا الى "الحبر الاعظم"، فحسب، بل الى سائر الاحبار والاسياد الذين تصدّوا للرد عليه ومناظرته بغير عقل. ويطيب لنا ان نستشهد بهذا الكلام بالذات في هذه الايام الرمضانية الكريمة: " لا يقبلُ اللهُ صلاةَ عبدٍ ولا صومه ولا حجه ولا عمرته ولا صدَقته ولا جهاده ولا شيئا مما يقول من انواع البرّ اذا لم يكن يَعْقِل. فالله عزّ وجلّ لما خلقَ العقلَ قال له: أقعُد فقَعَد، ثم قال له ادبر فأدبر، ثم قال له أقبِل فأقبَل، ثم قال له أُنظر فنظر، ثم قال له تكلّم فتكلّم، ثم قال له أنصِت فأنصت، ثم قال له اسمع فسمع، ثم قال له إفهم ففهم، ثم قال له: وعزّتي وجلالي وعظمتي وسلطاني وقدرتي على خلقي ما خلقتُ خلقا هو أكرمُ عليّ، ولا أحبّ الي منك، ولا افضل عندي منك منزلة، لأني بك أُعرف، وبك أُعبد، وبك أُحمد، وبك أُعطي، وبك أعاقب. ولك الثواب". • • • أما بعد، فانطلاقا من العقل وقواعده العلمية التي لا يمكن ان يختلف في تفسيرها اثنان، لا نرى مناصا من التوجه الى من توجه اليهم سماحة المرشد الاكبر بكلام توحيدي، لا تهويل فيه ولا تخوين ولا حتى اي تخوّف من خطر احد على احد... والموقف هذا لا ابداع لاحد منا في تكوينه، انه كما كتب المطران جورج خضر في مقاله الاخير ("النهار" 14 تشرين الاول الجاري) "من نفح الله النافح فينا". فاذا كانت لنا "مصلحة في العيش الكريم، فذلك يعني اننا حركيا مرشحون لنكون شعبا واحدا قائما على ثوابت واحدة او متقاربة، وناظرين الى مستقبلٍ لنا واحد نبنيه معا حتى لا يُقصى احد ولا يستعلي احدنا على الآخر، فلا ننظر الى الآخرين من ذكريات موروثة كثيرها غير نافع (...) وهذا من شأنه ان يدعم الثقة بيننا ونتعاون(...) ولا بد ان نختلف على اساس وطني، فلا شك ولا تخوين ولا ظن سوء، فيما نقيم بلدا واحدا قائما على الحق ونقاوة الدولة وبنيانها الحداثي". • • • الا يصلح كلام المطران جورج خضر نداء نوجهه الواحد الى الآخر وبعضنا الى البعض، وهل آنذاك من يخالف؟ اولا نخرج هكذا الى طريق العقل ونتحرر من دوامة ديمقراطية التشاؤم فالتشاتم فالتخوين والتهويل؟ واحد على الاقل شاءت الظروف وفي توقيت لم يكن منتظرا، ولا نظنه كان مقصودا، هو الجنرال عون في خطبته التي جاءت وكأنها بيان حكم جامع يتوق الى الاجماع. والمطلوب من التيار العوني الآن لا اثباتا لصدقيته بل لقدرته على استقطاب حلفائه او من تصرّف معهم بمثل هذا الانفتاح، فيتجاوبون بصراحة ونقاوة ومن دون التحفظات المعهودة. وبعد ذلك نرى! النهار (16 10 2006) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||