|
|
|
آخر تحديث jeudi octobre 26, 2006 الساعة 11:56:05 |
|
أبعد من العمالة والتخوين أدمون صعب "لا نريد ان نصدق ان سوريا تخشى النظام الديموقراطي في لبنان، كما يحلو لبعضهم ان يدعي. فهي حرة في نظامها ولبنان حر في اختيار نظامه، وهذا لا يفسد للود قضية". من النداء الخامس لمجلس المطارنة الموارنة (2004/9/1) حبذا لو يعود الجميع الى الاساس الذي قام عليه لبنان، ويرجعون الى تراث الآباء المؤسسين يستلهمونه لايجاد حلول لمشكلاتهم، ويعودون خصوصا الى ما اودعه هؤلاء البطريرك الماروني الياس الحويك لتقديمه باسم جميع اللبنانيين مسيحيين ومسلمين ودروزا الى مؤتمر السلام الذي عقد في 25 تشرين الاول عام 1919 في باريس العاصمة الحاضنة للبنان منذ اواسط القرن التاسع عشر والضامنة استقلاله مع المجتمع الدولي الذي كان محدودا آنذاك ويضم في الدرجة الاولى بريطانيا العظمى وبروسيا وروسيا. وفرنسا لا تزال على العهد ومؤتمر باريس – 3 يؤمل ان يشكل الرافعة الكبرى لانتشال لبنان من القاع الذي رمته فيه الحرب الاسرائيلية التي استمرت 33 يوما، ولم توفر فيه لا حجرا ولا بشرا. واذ طالب البطريرك الدول المنتصرة في الحرب العالمية الاولى على الامبراطورية العثمانية "بالاعتراف باستقلال لبنان الذي اعلنته حكومته والشعب اللبناني في 20 ايار 1919"، دعا المؤتمر الى "احياء لبنان ضمن حدوده الطبيعية، باعادة الاراضي التي سلختها عنه تركيا". وكما لو ان التاريخ في لبنان يعيد نفسه كل قرن، او اقل، فان البطريرك دعا ايضا الى ما يشبه المحكمة ذات الطابع الدولي بقوله: "... واقرار عقوبات على المحرضين على الفظائع وجرائم القتل التي ارتكبتها في حق لبنان السلطات التركية – الالمانية المشتركة، وتأمين التعويضات الضرورية الآيلة الى تعمير لبنان واعادة اسكان اهله الذين جرى تشريدهم بفضل التجويع المنهجي المنظم من جانب العدو". وقد عوّل البطريرك على فرنسا "لتبذل قصارى جهدها من أجل تأمين اللُحمة للوحدة الوطنية بين الجماعات المختلفة التي يتألف منها لبنان". الا انه عندما اعلن لبنان الكبير في السنة التالية بلسان فرنسي هو الجنرال غورو، لم يتجاوب معه الجميع نظرا الى ان فريقا من اللبنانيين كان مؤمنا بان لبنان وسوريا كيان واحد وشعب واحد، وان لبنان جزء من الامة العربية، لذلك لا مكان لدى هذا الفريق للبنان مستقل عن سوريا. ولا يزال قسم من هذا الفريق، ويا للأسف، على موقفه من العلاقة بين لبنان وسوريا، لاعتبارات ايديولوجية في الدرجة الأولى، وان يكن اصبح اقل راديكالية في التعامل مع نهائية الكيان اللبناني، وخصوصاً بعد تضمين ذلك صراحة في وثيقة الوفاق الوطني التي انبثقت عن مؤتمر الطائف. ولقد كان التحدي امام اللبنانيين على الدوام ان يُظهروا للعالم، العربي والخارجي، قدرتهم على التعبير الاستقلالي والسيادي الحر دون التسبب في عداء للتوأم السابق سوريا، او التصرف بتبعية للمجتمع الدولي الذي حضن الوطن الصغير وحماه فترة طويلة من الاستبداد التركي. ويكاد المشهد الحالي يشبه مشهد العام 1919 يوم طالب البطريرك الحويك مؤتمر باريس بمعاقبة تركيا والمانيا على الفظائع التي ارتكبتاها في حق اللبنانيين وكذلك تجويع هؤلاء واضطهادهم والفتك بهم مما افقد لبنان ثلث ابنائه تقريباً. ولم يتردد البطريرك الحويك في مطالبة المؤتمر بالاقتصاص من الحكمين العثماني والالماني. لذلك يجب الا يستغرب احد الصراعات الداخلية اللبنانية والتدخلات الخارجية فيها، وخصوصاً، بعد زلزال 14 شباط 2005 المدمّر والذي دفع السوريون ثمنه باخراجهم من لبنان بضغط من قرار دولي يشبه قرار مؤتمر باريس بالاعتراف بالاستقلال والسيادة، وإن في ظل الانتداب الذي كُلف تأهيل لبنان للاستقلال، ثم حرب 12 تموز الاسرائيلية على لبنان، بتغطية من المجتمع الدولي، التي انتجت مفاعيل سياسية مشابهة لمفاعيل زلزال شباط وما اعقبه من جرائم دفعت سوريا جزءاً من ثمنها انتظاراً لانتهاء التحقيق الدولي في هذه الجرائم، ثم احالة المتهمين فيها امام محكمة ذات طابع دولي تمثل المجتمع الدولي عينه الذي حمى لبنان الصغير ثم الكبير وحضنهما على أمل تقديم لبنان الديموقراطي نموذجا لبقية دول المنطقة. علماً ان حرب الأيام الـ33 قد أنتجت مفاعيل تدميرية أشد وطأة من ذلك الزلزال، وتجاوزت ضحاياه الالف. ان الصراع الدائر حاليا حول حكومة الاتحاد الوطني يمثّل أبرز مفاعيل حرب تموز، وأيها سيجد تعبيره السياسي ميدانيا، المفاعيل الاسرائيلية التدميرية وما أعقبها من حضور دولي عسكري وسياسي في لبنان، أم المفاعيل اللبنانية المتمثلة بانتصار المقاومة على العدو الاسرائيلي بفضل بطولات الشهداء وتضامن الشعب اللبناني معها واحتضان فئات واسعة منه أكثر من مليون نازح ومشرد من الجنوب وبيروت والبقاع، وسط دعم سياسي وعسكري ومادي من ايران وسوريا وعدد كبير من الدول الاسلامية. وفي اعتقادنا ان دينامية الحرب ومجرياتها، والهجمات الجوية والبرية التي شنتها اسرائيل على لبنان، لا على الجنوب و"حزب الله" فحسب، وما تسببت به من دمار وخراب، وأوقعته من ضحايا وجرحى، وتصدي المقاومين لها والحاقهم الهزيمة بها - هذه الدينامية كان مقدّرا لها، في ضوء تجارب الحروب بانتصاراتها وانكساراتها، ان تؤدي الى تداعيات كثيرة أبرزها اثنان، واحد عنفي انقلابي، والآخر سياسي، سلمي، ديموقراطي. الاول: ان يتوجه المقاومون المنتصرون، مع أسلحتهم وآلياتهم، يرافقهم النازحون المليون الى العاصمة ويضعوا أيديهم على الحكم، وخصوصا أنهم كثيرا ما وجّهوا أصابع الاتهام وحتى "التخوين" الى جماعات داخله بالتواطؤ مع العدو وحتى الاتصال به بطريقة غير مباشرة وتشجيعه على عدم التوقف على القصف الجوي ورفض وقف اطلاق النار حتى استسلام "حزب الله" وتسليمه السلاح. الثاني: تغيير الحكومة واقامة توازن سياسي جديد داخل الحكم من شأنه ترجمة الانتصار الذي حققته المقاومة، وإن يكن هناك من شكك في هذا الانتصار متهما "حزب الله" بدفع لبنان واللبنانيين الى "مهلكة" كبيرة. فضلا عن حماية المقاومة من أي ارتداد عليها، او استعمال القوة الدولية لنزع سلاحها بالقوة تنفيذاً للقرار 1559 الذي التزمه لبنان ويعتبر "حزب الله" ميليشيا يجب حلها ومصادرة سلاحها. وهذا المفعول الثاني للحرب الذي اختاره "حزب الله" وحلفاؤه والذين تضامنوا معه هو المطروح الآن. ولا يبدو ان ثمة "مهرباً" من هذا المفعول للحرب والذي يعتبره "حزب الله" وحلفاؤه الاقل كلفة. لذلك يجب ان يكون طرح الحكومة الجديدة موضوع حوار واسع يفضي الى توافق وطني، كما عام 1919، يشمل الاقتصاص من المجرمين الذين اغتالوا الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وصولاً الى جبران تويني، واحالتهم امام محكمة دولية، وكذلك تحقيق توافق على تطبيق الطائف واقامة دولة القانون ووضع استراتيجية دفاعية تستوعب المقاومة وسلاحها باعتبارهما مساندين للجيش في الدفاع عن الوطن بدل التهويل بهما والتخويف، خصوصاً للمسيحيين، والتهديد بتفكيك "حزب الله" وتجريده من السلاح بما يخدم اغراض اسرائيل. وثمة امر آخر يجب التوافق عليه هو ابعاد لبنان عن الاحلاف والمحاور، والاعتراف صراحة بإيران كقوة مهمة في المنطقة والسعي الى كسب دعمها للبنان بدل استعدائها، وكذلك الامر بالنسبة الى سوريا، على ان يبقى مؤتمر باريس – 3 خارج الصراعات رافعة حقيقية للبنان من وسط الدمار الذي ألحقته به آلة الحرب الاسرائيلية. وهذه امور تحتاج الى هدوء وتعقّل وروية، والى حرية كذلك. فهل "العيدية" التي وعدنا بها الرئيس نبيه بري مقبلة من هذا الاتجاه؟ النهار (23 10 2006) |
|
||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||
|
|
|||||||||||