|
|
|
آخر تحديث jeudi décembre 14, 2006 الساعة 12:51:48 |
|
تقرير "بيكر- هاملتون"... صفعة لـ"المحافظين الجدد" باتريك سيل أعلن كل من جيمس بيكر و"لي هاملتون"، رئيسا المجموعة الثنائية الحزبية لدراسة العراق، الحرب على "المحافظين الجدد" في واشنطن، الموالين لإسرائيل. ذلك أن تقريرهما الذي تكون من 160 صفحة، والذي تم نشره في السادس من ديسمبر الجاري، يعد إدانة مدمرة لتك السياسة التي بلورها "المحافظون الجدد"، واضطلع بتطبيقها الرئيس بوش. يذكر أن هذه السياسة قد أفضت إلى نتائج كارثية في العراق، إضافة إلى تشويهها لسمعة الولايات المتحدة الأميركية في العالمين العربي الإسلامي. أما خطوط هذه الحرب، فقد ارتسمت الآن بين مؤسسة السياسات الخارجية الأميركية العتيقة التقليدية، وأولئك الأيديولوجيين الذين ساقوا بوش سوقاً لتبني مواقفهم وأفكارهم، منذ وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة الأميركية. ولا يزال الوقت مبكراً للتكهن بمن الذي ستكون له الغلبة والنصر في هذه الحرب، وما إذا كان بوش سيوافق على إحداث تغيير جوهري على السياسات المطبقة حالياً. أما إسرائيل، فقد أعلنت من ناحيتها سلفاً رفضها للنتائج النهائية التي خلص إليها التقرير، بينما تواصلت تعبئة حملة قوية ضده من قبل أصدقائها في واشنطن، سواء في الكونجرس أم داخل الإدارة نفسها، أم عبر وسائل الصحافة والإعلام، أم مختلف مؤسسات البحث العلمي اليمينية المؤيدة لإسرائيل في شتى المدن الأميركية. ويعد الرئيس بوش، الحليف الرئيسي لـ"المحافظين الجدد"، ليس بسبب مشاطرته لهم كل ما تنضح به أفكارهم "اليمينية المحافظة"، وإنما بسبب جمود شخصيته في الأساس. فهو ماضٍ في عناده إلى حد لا يمكن تصوره، وفي تمنعه عن الاعتراف بأن سياسته الشرق أوسطية، إنما بنيت على الخطأ وأضغاث الأحلام والمعلومات الاستخباراتية المخادعة. وفوق ذلك، فإن بوش ليس بالشخصية النظرية المجردة، غير أنه ليس ذاك القائد البراجماتي العملي في المقابل. فهو أكثر ميلاً للتفكير بأسلوب "القوالب الجاهزة" من شاكلة "المسيرة الزاحفة نحو الحرية" و"محور الشر" و"الحرب الدولية على الإرهاب"، وهي جميعها تجريدات نظرية بحتة، لا تربطها بالواقع العملي أدنى صلة. ومع ذلك فقد وفرت هذه التبسيطات النظرية الخطيرة للواقع، المظلة الفكرية والسياسية التي دفع من تحتها "المحافظون الجدد" باتجاه خدمة أجندتهم. على أن تقرير "بيكر- هاملتون" يقف في تباين حاد وجد كبير مع السياسات التي دفع بها "المحافظون الجدد"، وتولى تطبيقها عنهم الرئيس بوش. وإليكم بعض الأمثلة على هذا التباين. ففي سياق تقديمه لتقريره، قال جيمس بيكر: "يعد هذا التقرير استراتيجية شاملة، وضعت خصيصاً لحل المعضلة التي نواجهها الآن في العراق. غير أنها استراتيجية صممت كذلك للتصدي لمعضلات أخرى نواجهها في المنطقة، ولاستعادة سمعة الولايات المتحدة ومصداقيتها في ذلك الجزء من العالم". والذي يقرأ من جملة بيكر هذه، أن قضايا المنطقة الشرق أوسطية وأزماتها، متداخلة ومتشابكة مع بعضها بعضاً، بمعنى أن حرب العراق، تتداخل وتتشابك مع المواجهة الجارية مع إيران بشأن برامجها النووية، وكذلك مع الصدامات التي يشهدها لبنان بين مؤيدي ومعارضي القوات السورية، وفوق ذلك فهي تتداخل وتتشابك أشد ما يكون التشابك، مع النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني الذي لم تتم تسويته بعد. والقصد أن جملة هذه القضايا، باتت بحاجة إلى "استراتيجية شاملة" للتعامل معها جميعاً. ومما جاء في أقوال "بيكر"، أن على البيت الأبيض ألا يتعامل مع هذه الاستراتيجية، كما لو كانت سلطة فواكه، لينتقي منها ما يريد، ويرمي ما يبقى منها في سلة المهملات. ففي إصراره على منهج شامل لحل جميع تلك الأزمات، جاءت لغة التقرير صريحة وقاطعة كما يلي: إنه يطالب بتجديد أميركا ومواصلة التزامها بتحقيق سلام إسرائيلي- فلسطيني شامل في جميع الجبهات، بما في ذلك قيام دولة فلسطينية مستقلة، وإعادة مرتفعات الجولان المحتلة إلى سوريا. ومما أكده التقرير صراحة، "إنه لن يكون في وسع الولايات المتحدة الأميركية، تحقيق أهدافها الشرق أوسطية، دون تصديها المباشر للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني". وفي هذا استطرد التقرير إلى القول: "فالولايات المتحدة الأميركية لن تسدي لحليفتها إسرائيل صنيعاً ولا معروفاً، بتجنبها للتصدي المباشر للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. ولجملة من الأسباب، فإن المطلوب منا أن نفعل ذلك بمنتهى الشجاعة". وما أبغض مثل هذا المدخل بالنسبة لإسرائيل وأصدقائها. ولذا فليس من عجب أن سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت إلى رفضه سلفاً، زاعماً أنه لا علاقة البتة بين النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، والحرب على العراق. ومبلغ خوف "أولمرت" بالطبع، أنه سيتعين على بلاده تقديم تنازلات عن الأرض، فيما إذا عقدت واشنطن العزم على استقطاب الدعم العربي لتحقيق الاستقرار المنشود في العراق. يذكر أن "بيكر" كان قد تمكن من دعوة كافة أطراف النزاع إلى مؤتمر سلام عقد في العاصمة الأسبانية مدريد، يوم أن كان وزيراً للخارجية الأميركية في مطالع عقد التسعينيات. وفي المؤتمر نفسه، حث "بيكر" الإسرائيليين على ضرورة التخلي عن حلم "دولة إسرائيل الكبرى" غير الواقعي. وقد تم رفض التماسه ذاك بالأمس، مثلما رفض الالتماس الذي قدمه اليوم في تقريره الأخير. فموقف إسرائيل، وكذلك موقف حلفائها وأصدقائها "المحافظين الجدد" في واشنطن، هو أنه لا سبيل للعودة مطلقاً إلى حدود عام 1967، ولا سبيل للتفاوض مع سوريا، ما لم تتعهد بقطع جميع صلاتها مع "حزب الله" وحركة "حماس" وكافة من ينعتونهم بـ"الجماعات الإرهابية". وليس ذلك فحسب، بل إن هناك عدة جوانب أخرى يتعارض فيها تقرير "بيكر" المذكور مع رؤى "المحافظين الجدد". فعلى سبيل المثال، يدعو التقرير إلى ضرورة بدء واشنطن حواراً مشتركاً مع كل من سوريا وإيران، على أن يتم ذلك دون أية شروط مسبقة، بهدف ضمهما إلى "المجموعة الدولية المساندة للعراق". ومن ناحيتهم يود "المحافظون الجدد" لو تخوض واشنطن حرباً ضد إيران، بدلاً من الدخول معها في حوار مشترك. أما بالنسبة لسوريا، فيرغب "المحافظون الجدد" في أن تحدث واشنطن "تغييراً للنظام السوري" بدلاً من مكافأة دمشق برد مرتفعات الجولان إليها. وبينما دعا تقرير "بيكر" إلى سحب كافة القوات الأميركية المقاتلة من العراق، في وقت مبكر من عام 2008 -عدا الملحقة منها بالقوات العراقية، والمختصة بأغراض التدريب والحماية- يلاحظ تمسك "المحافظين الجدد" بفكرة زيادة وتعزيز القوات العسكرية الموجودة حالياً هناك. هذا ويتوقع أن يدلي الرئيس بوش بخطاب قبل نهاية العام الحالي، ربما يحدد فيه ما يقبله من توصيات "لجنة بيكر" هذه. ولما كان يتوقع له كذلك أن يأخذ بتوصيات تقريرين آخرين صادرين من وزارتي الدفاع والخارجية الأميركية، فإن الخطر كل الخطر، أن ينتقي ويصنع من التقارير الثلاثة طبق سلطة، غير مستساغ ولا يسمن ولا يغني من جوع! المركز الدولي لدراسات أميركا والغرب (12 12 2006) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||