|
|
|
آخر تحديث vendredi décembre 15, 2006 الساعة 08:05:52 |
|
حارَبوا "النهار" فانتصر لبنان أدمون صعب "ان تخطئ فهذا انساني. اما ان تصر على الخطأ فهذا شيطاني". (مثل فرنسي شائع) انتظر اللبنانيون القاضي البلجيكي سيرج برامرتس المحقق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وصولا الى قتلة سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل جونيور – انتظروه ان يقول لهم في التقرير الذي سلمه الى الامانة العامة للامم المتحدة قبل ايام مَن قتل كل هؤلاء، ومن اصدر اوامر القتل ووفر "اللوازم" الضرورية لتنفيذ هذه الاوامر. لكنه لم يفعل. والبعض يقول ان برامرتس لن يورد اي اسم خارج المحكمة ذات الطابع الدولي التي سيمثل امامها المتهمون والمتورطون في اغتيال الرئيس رفيق الحريري واعمال القتل التي اعقبت ذلك وتدور حولها في لبنان معركة قاسية ومصيرية بالنسبة اليه والى نظامه الديموقراطي. الا ان برامرتس فعل امرا آخر، ربما اكثر اهمية مما كان منتظرا منه، اي اظهر الرابط بين اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفيقينا سمير قصير وجبران تويني، ومحاولة اغتيال رفيقنا العزيز الآخر مروان حماده، بين هؤلاء و"النهار". وليس بمستغرب ان يجد المحقق الدولي مثل هذه الحلقة التي تضم الاربعة المذكورين، نظراً الى ان "النهار" كانت رأس الحربة في مواجهة نظام الوصاية، وجبهت الديكتاتورية باقلام كتّابها وبالرصيد الذي تملكه في الرأي العام، بفضل صدقيتها ونزاهتها والتزامها رسولية اوصلت اثنين من قيادييها السياسيين الى قمة التضحية باستشهادهم بادوات سلطة الوصاية السورية وادواتها اللبنانية. وليس في التاريخ سابقة لمقاومة صحيفة شبيهة بـ"النهار"، "ضباطا" و"عسكريين" واحدا من اعتى الانظمة واشدها ارهابا ودموية، واستمرارها واقفة على رجليها، صامدة في وجه الطغاة، تصدر بانتظام وتزداد قوة يوما بعد يوم، بفضل التفاف قرائها المواطنين حولها وتشكيلهم حصانة لها ودرعا، رغم تساقط الشهيد تلو الآخر، منها ومن القادة الآخرين. وهي لم تضعف باستشهاد الرئيس الحريري وسمير قصير بل ازدادت صلابة ووعيا لخطورة المرحلة، انها تدفع ثمن قيادتها اللبنانيين في مواجهة النظام الذي وضع يده على لبنان وسلبه حريته واستقلاله وسيادته، وداس بنعاله اتفاق الطائف وحقوق الناس، ووضع دمى على رؤوس المؤسسات، واعاد قولبة الاجهزة الامنية والعسكرية بحيث تكون تابعة وتخدم اهدافه في الدرجة الاولى، واقام له طبقة من العملاء والمتعاملين والتابعين. وجاء استشهاد جبران تويني انتقاما لانتصارها في المعركة ضد "الاحتلال" الذي اكتمل جلاؤه عن لبنان في 26 نيسان 2005 تتويجا لنضال اللبنانيين الاحرار وصحافتهم الحرة عبر صدور القرار الدولي 1559. ويفهم الامر اكثر باحتفال "الانتصار" الذي اقيم لجبران تويني في ذكرى استشهاده، والمؤتمر الكبير الذي واكبه العالم، عبر الاتحاد العالمي للصحف الذي كان جبران تويني احد المحاربين الكبار في صفوفه من اجل حرية التعبير وحقوق الانسان - في سوريا كما في الصين. وقد وُضع احتفال "الانتصار" تحت شعار "الصحافة في حصار" الذي جاء تكريسا للحرية في مواجهة الاضطهاد والقمع. ولقد كان الاحتفال استحضارا لجبران اكثر منه استذكارا لغيابه. ذلك بان المعركة التي خيضت من اجل استرجاع السيادة والاستقلال والقرار الحر كانت تواجه بارسال الاحرار الى الموت، فيجولون في آفاقه ثم يعودون، اما احياء مثل مروان حماده والياس المر ومي شدياق وقد تجوهروا بمسحة من قدسية الذين يعودون من رحلة غالبا ما تكون تذاكرها للذهاب فقط، فاذا بدمائهم وارواحهم تحولها للذهاب والاياب. او مثل جبران تويني الذي فتح استشهاده والوحشية التي تمت بها، جادة بين الارض والسماء لا حدود لها ولا تذاكر، مفتوحة للاحرار الابطال الذين ينتظرهم الكثير من اجل حماية الاستقلال المسترجع بالدماء وتثبيته. وكان الرئيس الشهيد رفيق الحريري واحدا من الذين كانوا يقدرون الاخطار التي كان بعض الاعلام اللبناني يتنكبها، وخصوصا الدور المقاوم والعنيد الذي كانت تقوم به "النهار" بقيادة غسان تويني، ثم جبران تويني، وسمير قصير وآخرين. وكانت تنتابه الهواجس مما تعبّر عنه "النهار" وتدافع، وليس فوق رأسها اي مظلة محلية او عربية او دولية. وذات يوم من عام 2003، مع اقتراب نهاية ولاية الرئيس اميل لحود، نَشرتُ كتابا افتراضيا من النائب اميل اميل لحود الى والده رئيس الجمهورية، يعرض له فيه خيبات اللبنانيين منه ومن حكمه، معددا الاضرار التي لحقت بالبلاد جراء وجوده دمية سورية في قمة هرم السلطة، وكيف انه حكم البلاد بواسطة الاجهزة، فدمر الاقتصاد، وافسد الادارة، وابعد رئيس الحكومة عن مركز القرار، مستعيضا عنه بحكومة ظل تضمه ونائب رئيس مجلس الوزراء والمدير العام للامن العام، محذرا اياه من لعنة التاريخ عليه وعلى العائلة. وحضه اخيرا على محاولة تعويض الاداء المدمّر للسلطة بمبادرات تجعل اللبنانيين يذكرونه بالخير، فضلا عن تشجيعه انتخاب رئيس جديد يمنح المواطنين املا في المستقبل الخ... وقد تلقيت في اليوم التالي شكرا من النائب الشاب اميل لحود على ما كتبت مع رجاء ان اوضح في المكان الذي نشر فيه المقال انه من نسج الخيال وان اميل الابن لم يرسل الى والده اميل الرئيس اي كتاب، وقد تجاوبت معه مقدرا فطنته، ونشرت له ذلك ايضا في المكان الذي طلب. ولقد كان اتصال اميل اميل لحود بنا الامر المتوقع، بل المنتظر، الا ان ما كان غير منتظر فهو اتصال الرئيس رفيق الحريري بي شخصيا. وقد كان ذلك مفاجأة كبرى، خفف من وقعها تقديري للهواجس التي كانت تنتاب الرئيس الحريري في تلك المرحلة، والحرب دائرة بينه وبين النظام الامني السوري – اللبناني عبر طربوشه الرئيس اميل لحود. ويزيد منسوب الهواجس اصرار النظام السوري على ان بعض ما ينشر في "النهار" ضد هذا النظام لا بد ان تكون للحريري علاقة به، نظرا الى انه كان من المساهمين الكبار في شركة "النهار"، وان لم تكن للشركة اي سلطة على "النهار" كجريدة يملكها قراؤها والرأي العام ويقرر سياستها مجلس تحريرها دون سواه. وقد بادرني الرئيس الحريري – وهذا سر اكشفه للمرة الاولى، ولم تكن العلاقة في ما بيننا تتعدى تبادل التحيات لايماني بان حصانة الصحافي تكون في محافظته على استقلاله وحريته ونزاهته، وكرامته، بابتعاده عن الحكام ودوائرهم وخزائنهم كذلك – بالقول: "شو عامل اليوم يا استاذ ادمون؟". وقد ادركت للحال هاجس الرئيس الحريري بان يُسمِع جهاز التنصت المخابراتي السوري – اللبناني ان لا علاقة له بما ينشر في "النهار" ضد سوريا وكذلك ضد الرئيس اميل لحود، فاجبته بحدة: "فما دخلك انتَ في ما كتبت واكتب. فانا صحافي حر ومستقل، وانت رئيس حكومة. وليس من عادتنا في "النهار" ولا من عادتي انا ان استأذن احدا في ما اكتب، ولا حتى استوحي افكارا، فخيّط بغير هذه المسلة". فرد علي كمن اعطي ما طلب، "لكنك اوردت امورا خطرة جدا، الا تخشى تداعياتها عليك وعلى "النهار"؟ (وهذه برسم الذين كانوا، وبعضهم لا يزال، يصفنا باننا "شلل") فأجبته: اظنك تحاول ممازحتي يا دولة الرئيس. فما فعلته هو اني تلقيت نسخة من رسالة بعث بها اميل لحود الابن الى والده الرئيس، وقد رجاني النائب الشاب ان انشرها في "النهار". واني انصح لك، اذا كان الامر راق لك، ان تتصل باحد نجليك بهاء او سعد وتطلب منه ان يبعث اليك برسالة في شأن الاوضاع، وتقول له ان يوجه الي نسخة منها لنشرها في "النهار". وهكذا تتعادل والرئيس اميل لحود. فضحك الرئيس الحريري ضحكة كبيرة ترددت اصداء نبراتها في اذني، وقد اطمأن الى تبرئتي له ازاء جلاديه في دمشق وبيروت الذين كانوا يعدون العدة للقضاء عليه في 14 شباط 2005 حرقا في قلب الوطن الذي نذر له حياته. ان ما لم يدركه نظام الوصاية السوري هو انه كان يرسل الاحرار الى الموت فيعودون، بطريقة وباخرى. وقد تأكد ذلك عبر الشهداء الاحياء مروان حماده والياس المر ومي شدياق الذين التقوا على الشاشة الصغيرة ليلة ذكرى "انتصار" جبران تويني على الموت، وكأننا في مشهد لا يصدّق: أرسلهم القتلة الى الجحيم، فعادوا منه بما يشبه الاعجوبة الالهية. ... وسيستمر الذهاب والاياب حتى ينتصر لبنان ويستقر، وسنظل ننتظر جبران وسمير، مثلما كان الاقدمون في الاسطورة التموزية في بلادنا ينتظرون ادونيس في مواسم الحصاد. النهار (15 12 2006) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||