|
|
|
آخر تحديث vendredi décembre 15, 2006 الساعة 09:28:20 |
|
دليل اللبنانيين الى الفتنة نصري الصايغ مقدمة أولى: يخشى اللبنانيون استعادة الفتنة، او استدراج الحروب الداخلية، فلهم معها تجربة حافلة بالقتل والخوف والمجهول، وقرأوا في كتابها الخطف والتهجير والتعذيب الدموي، ورأوا أن خلاصتها كانت اتفاقاً أبرم في الطائف، أعاد تنظيم الصفوف الطائفية، داخل سلطة هشة، استعداداً لزمن سياسي، كالذي يعيشه اللبنانيون في اللحظة الراهنة. من حقهم أن يخافوا... ومن حقهم أن يستعيدوا فصول الحرب، كأنهم يقولون في ذواتهم: «لن ننسى». مقدمة ثانية: لا ينسى اللبنانيون ما يلي: نص الحروب اللبنانية، بدأ بشعارات رفعها «اليمين المسيحي» آنذاك، المتهم «بالانعزالية»، وشعارات مضادة رفعها «اليسار التقدمي» المتخندق في الحضن الإسلامي العريض. أقفلت الأبواب. عزلت قوى اليمين، واتهمت بالإثم الصهيوني، ووقع الحرم على «اليسار التقدمي»، متهماً بانقلاب سياسي يقوده الشر الأعظم: الاتحاد السوفياتي. بدأت إرهاصات الحرب، بانفجارات متنقلة ومظاهرات وتخريب. اغتيالات تنذر بأن السلاح مستعد للرماية. تحول لبنان الى حقل للمعارك الثابتة والمتنقلة. لا ينسى اللبنانيون ايضاً، أن أقطاب الحروب اللبنانية، قد قتلوا فيها، وأن الشعارات قد دفنت فيها، وأنه لم يبق طرف داخلي لم يستعمل سلاحاً، ضد أعدائه وخصومه ثم حلفائه. كتلة النار لم تترك زعيماً او شعاراً. الذين أنهوا الحرب لم يكونوا البادئين بها. الأحلاف التي انتظمت في البدايات، انتهت الى نقائضها، ولم يبق طرف خارجي محايداً، ولا تعفف طرف داخلي عن طلب المساعدة «من الشيطان»، اذا اقتضى الأمر، وقد اقتضى الأمر مراراً. مقدمة ثالثة: أفضت ديمومة العبث الدموي في لبنان، وانسداد المخارج الداخلية، ومساعي الجامعة العربية، المحتضنة دولياً، الى اتفاق الطائف، حيث كرس «صيغة لا غالب ولا مغلوب»، مرة اخرى، مع تعديل في ميزان التغلب. انتهت الحرب الى ما دون الحدود الدنيا، والى ما دون الميثاق الوطني. (وقد حاول المتحاربون دفنه مراراً في الحرب. اشترك اليمين واليسار في المأتم، ولكنه بُعث حياً يرزق في الطائف، بطريقة مشوهة). اكتفى المسيحيون بنهائية الكيان اللبناني مقابل تنازلين: القبول بعروبة لبنان (وهي عروبة النص، لا عروبة الممارسة)، والقبول بانتقال صلاحيات رئاسة الجمهورية (باستثناء القليل) الى مجلس الوزراء، الممثل الشرعي للمحاصصة الطائفية اللبنانية. اذاً: حرب لخمسة عشر عاماً وحصيلة داخلية هشة، ووصاية سورية، تدخلت بتفاصيل التفاصيل، عبر أدوات سياسية معظمها من أمراء الحرب وأصدقائهم. إذاً: حرب طويلة ولم يربحها أحد. مقاربات النظام بلا نصاب: يتفق الكثير من اللبنانيين على تسمية الطائفية، بعلة النظام. ومن نتائج هذه العلة، أنه عاجز عن إيجاد الحلول للمسائل الخلافية، وأن حلوله للمسائل المتفق عليها، تتم وفق منطق المحاصصة المجحف، الصفة الديموقراطية للنظام اللبناني لا تخدمه كثيراً. الديموقراطية ليست فقط آلية حكم وكيفية انبثاق السلطة، وتداولها، بل هي بنية مؤسسات دستورية فاعلة، قادرة على الحسم في الخيارات والاتجاهات ومتمكنة من إيجاد المخارج والحلول للمشكلات السياسية ومشتقاتها. لبنان نظام بلا نصاب، نصه لا يشبهه. مؤسسات ذات طابع فلولكلوري، تؤمن المخارج، لما يتم الاتفاق عليه، خارج النظام. وهو لذلك، ومنذ نشوئه، وما جرى من تعديلات شكلية عليه، يعيد إنتاج الأزمات ويدفعها الى الكواليس الداخلية، والسفارات الخارجية، ومواقع التأثير الإقليمية، و... الشارع. يعيش لبنان راهناً، في حمى البحث عن حلول، تجنبه التقدم بقدميه المسرعتين الى الهاوية: طاولة الحوار، محاولة فاشلة. طاولة التشاور أشد إخفاقا. المبادرات الخجولة عربياً، مختنقة في المهد. القرارات الدولية، تحول الحسم فيها الى الشارع... أو يكاد. وصل النظام الى حالة العري من الشرعية: رئيس جمهورية ممددة ولايته قسراً، بقرار الوصي، وتنفيذ «أهل البيت اللبناني» فقد شرعيته ودستوريته لدى فريق من اللبنانيين، وعديد من الدول الغربية تواجهه اكثرية في حكومة استقال الوزراء الشيعة منها، فاقدة للأهلية الدستورية والشرعية، بنظر المعارضة ورئاسة الجمهورية ايضاً. نصاب الطائفية المكتمل: من وقائع الحرب اللبنانية المستدامة، عنفاً وسلماً، أن محاولات إيجاد حل للمشكلات اللبنانية قبل العام ,1975 وصلت الى انسداد الأفق. اتفاق القاهرة، لم يحل المشكلة، بل زادها تعقيداً مع المقاومة الفلسطينية. تغلغل الانقسام اللبناني اكثر. صار مطلب المشاركة في الحكم، شعاراً ولازمة لتحرك الشريحة السنية، مؤيدة بقوى اليسار والتقدم. كبرت المأساة. انفجرت الحرب. اوقفوها لأسابيع، فانفجرت الجولة الثانية. ثم حوار وطني في القصر الجمهوري، ثم، حكومة جديدة، ودعوة الى الحياة العادية، ثم... انفجرت الجولات واستمرت الى... محاولة انقلاب عسكري تلفزيوني، وتدخلات من كل حدب، وانتخاب رئيس جمهورية، قبل الأوان... واستمرت الحرب. واستطالت وعظمت وتداخل الإقليمي والدولي مع المحلي، إلى درجة كبيرة. بدأت خلاله القيادات اللبنانية، او من تبقى منها، بالتضاؤل والذبول، حتى باتت تحت إمرة ووصاية أولياء أمورها الإقليميين، عرباً وإسرائيليين ودوليين كذلك. واضح إذاً أن للحرب الداخلية في لبنان، قانونها الخاص: أ ـ نظام سياسي غير قادر على حل الأزمات. وانقسام في السلطة. ب ـ قضايا خلافية، معظمها إقليمي، وعلى تماس بخط الزلزال، لم تجد لها حلاً وطنياً. ج ـ تأجيل الاستحقاقات السياسية، بسبب عجز النظام وأهله عن البت بها في مواعيدها، وتطبيق ما اتفق عليه من تسويات. د ـ انقسام اللبنانيين، طائفياً، حول موضوعات سياسية، لا علاقة للطوائفية، مذهباً وديناً وتركيبة فيها. هـ ـ تبادل الاتهامات والشكوك، والانخراط اكثر في تحالفات إقليمية ودولية متنابذة ومتناقضة. و ـ توفر المنظمات الطائفية «البديلة» لمؤسسات الدولة، وقدرة هذه المنظمات على التسلح والتدريب والتنظيم والتمويل، برعاية إقليمية، وتغاض لأجهزة الدولة (وهي في كل الأحيان تشبه مجتمعها المركب طائفياً)، عن أنشطتها، وأحياناً، تقوم هذه الأجهزة بتوفير الرعاية والحماية، فتصبح طرفاً في الصراع العسكري. ز ـ إفراغ مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب العلمانية من جدوى عملها، وتفرغ هذه المؤسسات للخدمة في المعسكرات الطائفية. وعليه فإن نصاب الطائفية المكتمل في حروب الخمسة عشر عاماً، ونصابها الشديد التبلور والاكتمال في المرحلة الراهنة، يقودنا الى استنتاج، يرتفع فيه منسوب احتمال الذهاب الى الفتنة بسرعة. انسداد الأفق: يحاول البعض ترسيم حدود الخلاف السياسي، خارج النصاب الطائفي، انطلاقاً من كون المسائل الخلافية ذات طبيعة سياسية. هذا الترسيم يخفي صورة القوى المتألبة، حول هذه المسائل الخلافية: قوى أكثريتين، سنية ودرزية مع شريحة أقلوية من المسيحيين، في مواجهة قوى أكثريتين: شيعية ومسيحية. مسائل الخلاف، شديدة الحساسية وخطيرة الغايات، تصل الى حدود إعادة صياغة لبنان، سلطة واتجاهاً. فهل يكون دولة مستقلة عن تأثيرات التدخل الأميركي، وتأثيرات الصداقة مع القوى المناوئة لهذا التدخل، بدءاً من إيران وسوريا وصولاً الى جزء من القوى الفلسطينية؟ وهل يمكن ان يُعزل عن القضايا الإقليمية ام ينخرط في إحدى القوى المتنازعة، في مناطق التوتر والحرب: العراق، سوريا، ايران، وفلسطين؟. مسائل الخلاف ذات طابع مصيري. وهي ليست جديدة في سجل لبنان. حفلت حقباته في القرن الفائت بمحطات دامية، ومحاولات جره الى أحلاف خارجية، باهظة الكلفة: مشروع ايزنهاور، حلف بغداد، تيار الناصرية الوحدوي، التعويض الداخلي بالاستقواء الفلسطيني، الاستعانة بجيش سوريا ثم بـ«تساهال» إسرائيل، ثم بالجميع ضد الجميع... مسائل الخلاف اللبنانية، لا يبدو أنها من طبيعة المحكمة الدولية وأسلوب إقرارها، ولا من تشكيل مشاركة جديدة بالحكومة، بقدر ما هي تعبير عن انجذاب الأطراف الداخلية، الى المحاور الدولية والإقليمية. ثبت بالبرهان الدامي، خلال حقبات الاستعداد للانخراط بهذه الأحلاف، أنه ليس بمقدور اي فريق لبناني، (وهو طائفي حتماً) ان يأخذ البلد الى حلف ما، من دون أن يتمزق النسيج اللبناني. وثبت ايضاً أنه ليس بمقدور أي فريق لبناني، مهما بلغت قوته أن يأخذ لبنان برمته الى اتجاه دون سواه. مرحلة الوصاية السورية، أخذت لبنان بالقوة الى حلف الممانعة القومي. فلما انسحبت جيوشها، بات لبنان على قارعة قوتين تتجاذبانه، واحدة ضد سوريا وإيران ومع أميركا، وأخرى مع سوريا وإيران ضد أميركا. والمحكمة الدولية باتت سلاحاً بيد أميركا لإسقاط النظام السوري انطلاقاً من لبنان. براهين تتفق قوى 14 آذار، مع الولايات المتحدة الأميركية، والمجتمع الدولي، في مقاربة القضايا التالية: أ ـ المحكمة الدولية، تأييداً غير مشروط. ب ـ سلاح المقاومة، السلاح بيد الشرعية وحدها، عبر بسط سيادة الدولة على الأراضي اللبنانية كافة. ج ـ حرب تموز: تحميل مسؤولية الحرب لحزب الله، واعتبار حجم الدمار دليلاً على الهزيمة. د ـ القرار 1559: مع تنفيذ ما تبقى منه بالكامل، انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وإيجاد حل لإخراج سلاح حزب الله من المعادلة الداخلية والإقليمية. تتفاوت اللهجة بين الفرقاء اللبنانيين والقوى الدولية، انما المطلوب واحد. هـ ـ القرار 1701: مع تنفيذه بالكامل، وحتى مع محاولة توسيع مهمات قوات الطوارئ الدولية. و ـ الحكومة: شرعية ودستورية، فيما رئاسة الجمهورية فاقدة للشرعية. ز ـ المشاركة عبر الثلث المعطل: مرفوضة، لأنها تعطل آلية اتخاذ القرارات في المسائل الخلافية أعلاه. ملاحظة: من المفيد المقارنة بين هذه المواقف، مع مواقف اسرائيل المتآخية مع مطالب فريق من اللبنانيين. مواقف قوى المعارضة، المتمثلة بحزب الله والتيار الوطني الحر، مناقضة بالتمام، في كل المسائل الخلافية مع فريق الأكثرية، مما يعني أننا أمام فريقين: الأول يبدأ بلبنان وينتهي بواشنطن، واقعاً ملموساً. والثاني يبدأ بلبنان وينتهي بإيران مروراً بسوريا وسواها من المنظمات الممانعة. باستثناء التيار الوطني الحر، الذي يميز موقفه عن مواقف حلفائه، معتبراً معركته إملاء داخلياً. إن هذه الخلافات فوق طاقة دول عريقة بديموقراطيتها، لإيجاد حلول لها، من دون اللجوء الى الاستفتاء الشعبي، برغم وجود مؤسسات ديموقراطية شديدة الفعالية والإنتاجية. اذاً نحن ذاهبون إلى الفتنة... إلا إذا، حدثت معجزة، في ليلة قدر سياسية، داخلية إقليمية، دولية. نتائج الحلول المؤجلة: الحل من داخل المؤسسات بات مستحيلاً. الحل من ضفاف المؤسسات بات صعباً جداً. الحل العربي مفقود وإن وُلد، فهو موؤود، من قبل الأصدقاء، قبل الخصوم. الحل الدولي، مطعون بصوابيته وسلميته وعدم انحيازه. القراران 1559 و1701 شاهدان. إنهما داخل غرفة العناية الفائقة، بسبب الخوف من تنفيذهما. إذاً ما الحل؟ لعله اللجوء الى الشارع؟ يختلف لبنان، اختلافاً شديداً، عن الدول الديموقراطية، ذات المستوى العادي. مستوى الديموقراطية فيه، متدن جداً جداً. فكيف يكون الشارع، المكتظ طائفياً (ولو كانت شعاراته سياسية وقومية ووطنية ولها أحقية ومصداقية عالية لدى الأفرقاء)، وسيلة ديموقراطية، تؤدي غرض التعبير او التغيير. الشارع، شديد الخطورة، معبد بالحقد الطائفي، ملغّم بالاتهامات الخطيرة. شارع غرائزي، لا يكفي لأي طرف أن يبرئ نفسه من العنف، كي يكون مطمئناً الى جدوى الشارع كوسيلة نضالية. قرار الفتنة، ليس بيد أحد. الحروب الأهلية لا تبدأ بقرار. بل تبدأ بانزلاق القيادات إليها، رغماً عنها. بوسطة عين الرمانة، حملت الجميع الى المقابر. لم تتوقف عجلات الموت فيها ألا بعد 15 عاماً. آلية الفتنة ميسورة الآن، بانتظار اشتعال الفتيل. قد يكون حادث اغتيال، او اعتداء كبير على جمهور، على مصلى، على كنيسة... ويدخل الجميع الى «العراق» اللبناني من بوابة الدم. الشارع في لبنان، برغم التطمينات، ينعطف بسرعة مذهلة إلى الجحيم، إلا إذا حدثت معجزة فوق التصور. ما العمل؟ بيد القيادات اللبنانية الراهنة، إنتاج حل، أو إنتاج فتنة. لا يتساوى القادة في النوايا، بل، يتساوون إذا لم يجدوا معاً حلاً، انطلاقاً مما يلي: إن الحرب، إذا وقعت، أو الفتنة إذا دخلت بدون استئذان، ستقضي على المحكمة الدولية، وتحول سلاح المقاومة المنزه حتى الآن من الإثم الداخلي، والمزين بانتصارات غير مسبوقة، الى سلاح ميليشيا طائفية. كما ستقضي على مشروع دولة السيادة والاستقلال والمحاسبة ومحاربة الفساد. للأسف، لا وجود لشارع ثالث غير طائفي. لدينا أمنيات غير قابلة للتنفيذ. ومع ذلك لا بد من المحاولة: فلنعتبر أن الحفاظ على السلم الأهلي، يحفظ قضايا المتنازعين، وأن الانقضاض عليه، سوف يدمر شعارات الفريقين، ويدمر البلد برمته. سبق أن جربنا وحصدنا الموت والكارثة. إذا استقر الرأي على اعتبار السلم الأهلي خطاً أحمر، فلا بد من صياغة آليات عمل سياسية وابتداع صيغ، تحفظ مطالب كل فريق لقضاياه وشعاراته. إنما لا يجوز الاستمرار في عقد جلسات حكومية، واتخاذ قرارات مصيرية، من دون ان يؤدي ذلك الى التهديد بالشارع وبما لا تحمد عقباه.
لست في صدد اقتراح
حلول. انما، كلبناني، لا أجد أمامي سوى قيادات لبنانية، مكرسة بانتخابات
حرة، (ولو كان القانون سيئاً)، وليس عندنا سواها. عندها... وعندها فقط يذهب لبنان الى حلقة العنف. اما وقد نزلت المعارضة الى الشارع، والسلطة مستمرة في الدفاع عن نفسها، وغير مستعدة للتنازل، فإن لبنان قد دخل «درجة الصفر من الدولة»، وبدأ العد العكسي لمسيرة العنف الغامض. هذا هو دليل اللبنانيين إلى الفتنة والحرب الأهلية. هكذا حصل سابقاً... والراهن يشبهه في وجوه كثيرة، وخلاصنا مؤجل الى ما بعد خراب البلد. السفير (08 12 2006) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||