موقع يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث mardi février 20, 2007 الساعة 12:04:35

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

 

الحاجة الى هندسة جديدة

باتريك سيل

من المبادئ المعترف بها، في العلاقات الدولية، ان توازن القوى يصون السلام، في حين ان عدم التوازن يتسبب في الحروب، وهذا عائد الى ان الأقوياء يخضعون لاغراء فرض ارادتهم على الضعفاء بالقوة. ويجمع الناس، مثلا، على ان توازن القوى، في ما عدا مناسبة أو مناسبتين، كأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، هو الذي صان السلام بين الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي، طوال سنوات الحرب الباردة، لأنه قائم على «توازن الردع». وهناك مثال آخر يُستشهد به كثيرا هو السلام الذي ساد بين الهند وباكستان، بعد أن حصل البلدان على السلاح النووي، اذ، وعلى الرغم من أن البلدين خاضا ثلاث حروب في 1947، و1965، و1971، فان قدرتهما الهائلة على التدمير قد دفعت بهما الى تفضيل تسوية خلافاتهما حول كشمير سلميا، ولم تعد الحرب خيارا واقعياً. هناك سوابق مشجعة أخرى يمكن الرجوع اليها، والاستشهاد بها.

لكن العالم قد تغير وتحرك، ونشأت تحديات جديدة. لقد تداعى الاتحاد السوفياتي، وبرزت الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة، فانتشرت الحروب، واستشرى العنف، والقتل الجماعي، وبدأ العالم يشكو من حالة شاذة هي أقرب ما تكون الى الفوضى، ولعل مايجري حاليا في الشرق الاوسط هو أحسن شاهد. ويمكن ارجاع جزء كبير من المشكلة الى تصاعد الاستفراد الأميركي في عهد الرئيس بوش، وبروز مايسمى «بالقطبية الأحادية» وهذا معناه بكلمات أبسط، ان الولايات المتحدة، خلال السنوات الست الأخيرة،وكانت قادرة على ان تفعل ماتشاء، دون أي كابح يقلل من غلوائها: كانت قادرة على أن تغزو، وأن تعذب، وأن تقتل، وأن تدمر، متجاهلة القوانين والمواثيق الدولية.

ان غياب أية قوة أخرى تقف في وجه طغيان الولايات المتحدة، قد شجعها على غزو أفغانستان والعراق، وعلى تدمير حياتهما الاجتماعية، وقلب نظامهما، وقتل عدد كبير من سكانهما. وحينما وجدت نفسها مثقلة بالمسؤولية عما اقترفته، اكتشفت انها غير قادرة على اعادة اعمار هذين البلدين المسحوقين المدمرين.

ولم تكتف الولايات المتحدة بهذا كله، اذ بدأت تشن حملة شرسة على ايران، وتحرض حلفاءها على فرض عقوبات دولية ضدها، ساعية الى تعطيل نظامها المصرفي، وحرمانها من التكنولوجيا الحديثة المتقدمة، بل انها تهددها بشن الحرب عليها. والولايات المتحدة تشن حربا لا وادة فيها على «الارهاب»، ولا تتردد في الاعتداء على سيادة الدول الصديقة والعدوة على حد سواء، وتجيز لنفسها أن تعتقل المشتبه بهم بأعداد كبيرة، وأن تنقلهم الى سجون سرية، حيث يعذبون وينكل بهم، كما لا تجد غضاضة في احتجازهم من دون محاكمة لعدة سنوات في مراكز اعتقال بائسة وغير شرعية، مثل غوانتانامو.

وانعدام توازن القوى قد دفع باسرائيل، حليفة الولايات المتحدة، الى انتهاج ذات الأسلوب الأرعن، والاستمرار في احتلالها العسكري للأراضي الفلسطينية، والى ممارسة الاضطهاد والتنكيل والقتل العشوائي بالسكان الفلسطينيين، واغتصاب حقوقهم المشروعة، وتدمير منازلهم، ومصادرة أراضيهم، والى اعتقال ما لا يقل عن 10000 فلسطيني في السجون الاسرائيلية، بينهم نساء وأطفال، في ظروف اعتقال غير انسانية، كما تفعل الولايات المتحدة. ثم ان انعدام توازن القوى، بسبب غياب قوة عربية رادعة، قد منح الدولة العبرية الحق في غزو الدولة المجاورة، لبنان، أكثر من خمس مرات في 1972، و1982، و1993، و1996، و2006، وفي قتل الآلاف من اللبنانيين، والحاق الأضرار المادية التي لا تقدر بثمن بالممتلكات والمرافق العامة اللبنانية.

ان المبدأ الذي تتحصن به الولايات المتحدة واسرائيل معا لتبرير كل هذه الاعتداءات والخروق، والتجاوزات هو «حماية الأمن» والتأكيد على ان هذا الأمن له الأفضلية القصوى، ولا قيمة لأي اعتبار آخر، حتى ولو سببت حماية هذا الأمن الاعتداء على أمن الآخرين جميعا. ذلك ان المبدأ الذي يقول ان الأمن الدولي كل لا يتجزأ هو مبدأ لاقيمة له ولا يمكن الأخذ به بالنسبة لاسرائيل وللولايات المتحدة.

***

ان أهم تطور يبعث على الأمل، على المسرح الدولي المضطرب حاليا، هو ظهور تباشير أولية توحي بأن هذا الوضع الممزق الخطير سوف يزول قريباً.

لم ندهش عندما لمسنا ان روسيا تحاول أن تسترجع نفوذها وهيبتها كما كانت في أيام الاتحاد السوفياتي، الدولة العظمى الفعالة، بحيث تصبح قوة موازية للولايات المتحدة، وقادرة على مجابهتها. لقد بدأ الرئيس بوتين بحملة ديبلوماسية شخصية في الشرق الأوسط، ولم يتردد في أن ينتقد بقسوة الولايات المتحدة، وأن يتهمها بأنها تساهم في نشر عدم الاستقرار والفوضى في العالم. ومبادرات بوتين السياسية، وتهجماته اللفظية الضارية تعتبر تطورا خطيرا جدا، بالنسبة الى الولايات المتحدة، الدولة القوية المتعجرفة التي تعودت على ان تملي ارادتها على العالم. وما أدلى به في مؤتمر الأمن الذي عقد في ميونيخ في بدايات هذا الشهر، يقدم دلالات واضحة على أن هناك استراتيجية روسية جديدة تقوم على تحدي الاستفراد الأميركي. لقد أعلن بوتين في المؤتمر ان «الاستقطاب الأحادي الأميركي غير مقبول، بل انه مستحيل في عالم اليوم»، وأضاف: «لا يمكن أن يكون هناك مركز ثقل واحد، سلطة واحدة، مركز قوة واحد، يتخذ القرارات، وهذا معناه ان هناك حاكما واحدا يتحكم بالعالم»، ومضى قائلاً: «هذا النظام الاستقطابي نظام ضار، لا على الذين يعيشون داخله فحسب، وانما هو ضار على الحاكم نفسه، لأنه يدمره من الداخل ...».

طبعا لا يوجد ما هو أكثر ايلاما من هذه الأقوال، بالنسبة للكبرياء الأميركية. ولم يكتف بوتين بهذا المقدار من التحدي، بل ذهب أبعد، وقال: «اننا نشهد استخداما مفرطا للقوة، ونغرق العالم في هوة من الصراعات الدائمة، هناك استخفاف متزايد بمبادئ القانون الدولي الأساسية»، وأضاف: «هناك دولة واحدة هي الولايات المتحدة، تتجاوز حدودها الدولية في كل الاتجاهات...». وأعلن بوتين أن الهيمنة الأميركية قد شجعت عددا من الدول على الحصول على أسلحة الدمار الشامل – كان على الأرجح يشير الى كوريا الشمالية وايران – مما أدى الى انتشار الارهاب «الذي اتخذ اليوم طابعا شموليا». وكان يعلن، فعلا، ان الولايات المتحدة، بسياستها الخرقاء، قد حرضت على انتشار الارهاب، أكثر من المساعدة على التخلص منه.

وكانت النتيجة التي توصل اليها بوتين هي التالية: «اننا على قناعة تامة بأننا قد وصلنا الى اللحظة الحاسمة التي تدفعنا الى التفكير جديا بهندسة الأمن الشامل من جديد، علينا أن نباشر بالسعي الى ايجاد توازن معتدل بين مصالح كل المشاركين في الحوار الدولي ...». وينبغي أن تتدارس العواصم الغربية أقوال بوتين لأنها ستضرب على وتر حساس في العالم الثالث، بل حتى في الدول الثرية النفطية، والمتحالفة مع الولايات المتحدة التي بدأت تتخوف من الطريقة التي تتحرك فيها حليفتها المتهمة بأنها فقدت عقلها بعد أحداث 11 أيلول، وشنت حملة واسعة ضد أعداء حقيقيين ووهميين معا.

لقد فسر المعلقون الأميركيون خطاب بوتين على انه مؤشر على العودة الى الحرب الباردة، وهذا هو الخطأ! الأرجح، ان يقال بأنه دعوة الى اقامة نظام دولي صحي ومتعدد الأقطاب، يتأسس على توازن في القوى لا على توازن في الردع، حيث يمكن أن تسوى النزاعات لا ان تزداد تعقيدا، وحيث يتم احتواء الأقوياء، والتعايش مع الضعفاء دون خوف. وبعض دول الشرق الأوسط، مثل سورية وايران، سوف تشعر بالاطمئنان بعد الاطلاع على موقف بوتين، ولن يكون موقف المملكة العربية السعودية ودول الخليج مختلفا، لأنها تسعى الى تنويع علاقاتها الدولية كيما تقلل من اعتمادها على مواقف الولايات المتحدة المتقلبة بخطورة.

ان ديبلوماسية المملكة العربية السعودية النشيطة – في فلسطين ولبنان، والعالم العربي – تشير الى ان هناك رغبة عند حكام الدول العربية أن تتحمل أقدارها ومسؤولياتها بيديها، وأن تؤمن حماية مصالحها الحيوية بالاعتماد على قواها لا على القوى الخارجية. والزيارة التي قام بها الى الرياض السنة الماضية الرئيس الصيني هو جينتاو هي تطور هام على مسرح الشرق الأوسط، وكذلك الاتفاق الاقتصادي الذي تم التوقيع عليه بين الصين والسعودية، وليست الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي الى المملكة العربية السعودية هذا الأسبوع بأقل أهمية.

ثم ان ايران – واصدقاءها المحليين، سورية، وحزب الله، وحتى حماس – القلقة على أمنها، تحاول أن تتحدى وتحتوي القوة الأميركية والاسرائيلية. انها تقول: «اذا اعتديتم علينا فاننا سنرد عليكم»، وهذا حق مشروع، وقد حققت هذه الدول بعض النجاح في تحركها، ولكن لايجوز أن تبالغ هذه الدول في تحدياتها، ولا أن تذهب بعيدا فيه. اذ عليها أن تعترف بأن للعالم الغربي مصالح حيوية، مثل التدفق الحر للنفط، مثلا، أو بقاء النظام التعددي في لبنان. ان توازن القوى يعني احترام مصالح كل طرف، لا الاقتصار على احترام مصالح طرف واحد فحسب.

الحياة (16 02 2007)

 

هذا المقال

 

العنوان:

 

الكاتب:

 

المصدر:

 

تاريخ النشر:

 

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى