|
|
|
آخر تحديث jeudi mars 01, 2007 الساعة 07:03:13 |
|
المقـاومـة الفلسطينيـة (1948 ـ 2006) (1) بيان نويهض الحوت فلسطين، أرض النبوءات والأديان السماوية، هي الأرض التي تميزت على مدى العصور بمكانة خاصة دينيا وجغرافيا واستراتيجيا، هي موضع اهتمام الدول الكبرى ماضيا وحاضرا ومستقبلا، هي كما عرّفها الميثاق القومي لمنظمة التحرير الفلسطينية في مادته الأولى: «فلسطين وطن عربي تجمعه روابط القومية العربية بسائر الأقطار العربية التي تؤلف معها الوطن العربي الكبير»، غير ان فلسطين في واقع الأمر ليست مجرد جزء، بل القلب، من الوطن العربي والاسلامي، وليس في هذه الكلمات مغالاة. هكذا كانت في أيام ابن الخطاب، وصلاح الدين، وحتى أيامنا هذه التي لا تشهد على اعتقال الآلاف في سجون العدو، فحسب، بل على اعتقال الشعب بأسره. نبدأ موضوعنا بتعريف المقاومة الفلسطينية، وزمانها، وهويتها. هي المقاومة الشاملة، أي المقاومة الشعبية، والمسلحة، والفكرية، والاعلامية، والمدنية، وغيرها، وهي قد تجتمع في أكثر من ميدان في زمن واحد، وقد تقتصر على وجه واحد في زمن محدد، غير انها في مجموعها توجه المؤشر نحو صعود المقاومة أو انكفائها. ونحن في هذه الورقة، وان كانت المقاومة بمختلف أشكالها هي البوصلة التي نهتدي بها، لكننا سوف نركز ـ بشكل خاص ـ على تطور المقاومة المسلحة. ابتدأ الشعب الفلسطيني بمقاومة المشروع الصهيوني منذ قرن من الزمان، غير أن الفترة الزمنية التي نتوقف عندها في هذه الورقة تعود الى سنة النكبة، مع أنه يصعب تحديد البداية بدقة، فهل نبدأ مع مقاومة مشاريع التوطين في المخيمات منذ مطلع عهد الشتات؟ هل نبدأ مع نضال الأسرة لتأمين قوت يومها وسقف زينكو لخيمتها؟ هل نبدأ مع تسابق التنظيمات على احتكار «أبوة» العمليات الفدائية؟ نحن انطلاقا من التزامنا بالتركيز على تطور المقاومة المسلحة، سوف نبدأ مع تصاعد العمليات الفدائية، أي في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين. أما الهوية التي تحتاج الى تعريف فهي حتماً ليست «الهوية الفلسطينية»، بل «هوية المقاومة من أجل فلسطين»، فهذه المقاومة لم تكن دائماً فلسطينية، بالمعنى الحرفي للكلمة، فهي قد تكون عربية في يوم ما، وإسلامية في يوم آخر، وقد تشمل أجانب من اليابان حتى أوروبا الغربية، كما تشهد السجون الاسرائيلية، ولا تقتصر المقاومة على الفلسطينيين وحدهم، فقد مرت اسرائيل بأقسى أيامها في مواجهتها مع «حزب الله» في لبنان، وهي اليوم تحسب الحساب كله لأهمية القدرات الايرانية النووية، ولا يعني هذا ان «حزب الله» اللبناني تحول الى تنظيم فلسطيني، ولا ان طهران أصبحت القاهرة أو دمشق، فالكل مسؤول ومطالب، لكنه يعني ان المقاومة الفلسطينية في زمن «حزب الله»، زمن «الوعد الصادق»، شيء مختلف ومتطور عنها قبل ذلك، كما يعني بوضوح مستمد من التاريخ ومن عصرنا، ان حصر المقاومة بالهوية الفلسطينية وحدها فيه إنكار للتاريخ والواقع، وتنكر للمستقبل. ونرجو أن نوضح ـ بداية ـ أن ليس في النية التوقف لتحية جميع التنظيمات والجبهات والاحزاب، سواء بتعدادها، أو بالاشادة بنضالها، ذلك ان الهدف أساسا ليس التوصل الى من يستحق من بينها «كأس المقاومة الذهبي»، بل محاولة التوصل الى خلاصة تجربة المقاومة، أما الإشارة الى تنظيم ما أو جبهة ما أو حزب ما، فهي ضرورة حين تتعلق الاشارة بأهمية التطور. أما الإشكالية الرئيسية التي تعرضنا لها بالنسبة الى المصادر والمراجع، فلا تنبع من قلتها ولا كثرتها، بل من كون القسم الأكبر منها يتناول المقاومة الفلسطينية من منطلقات التنظيمات والجبهات والأحزاب، لا من منطلق المقاومة الواحدة، ناهيك عن منطلقي «الداخل والخارج»، وكأن هناك شعبين فلسطينيين لا واحدا، وهذا ان لم نصبح غدا ثلاثة شعوب، باعتبار ان فلسطين فلسطينان محتلتان، لا واحدة، فالأولى هي التي ما زالت محتلة اسرائيليا، والثانية التي لم تعد محتلة اسرائيليا (رسميا) غير أنها محتلة (واقعيا)! فهل تؤدي هذه الأوضاع الشاذة الى ان نصبح حقا شعوبا فلسطينية؟ أما المراحل الزمنية التي نتوقف عندها فهي ست: المرحلة الاولى (1948 ـ 1964)، المرحلة الثانية (1964 ـ 1970)، المرحلة الثالثة (1970 ـ 1982)، المرحلة الرابعة (1982 ـ 1987)، المرحلة الخامسة (1987 ـ 1993)، المرحلة السادسة (1993 ـ 2006). المرحلة الأولى (1948 ـ 1964) هي المرحلة الممتدة زمنيا ما بين نكبة 15/5/1948 وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في 28/5/,1964 وهي التي توصف بـ«مرحلة التيه والضياع»، والتي شهدت في نهايتها مخاض المقاومة، غير أنها في منتصف الخمسينيات شهدت عمليات فدائية جريئة من قطاع غزة نحو الداخل، وكانت مصر تدعم هذه العمليات، كما كانت سوريا تدعم عمليات مماثلة الى حد بعيد على الحدود السورية ـ الفلسطينية المحتلة. وشهدت هذه المرحلة إقبال الشباب الفلسطيني على الانتماء الى الأحزاب السياسية العربية المتعددة، وكل منهم يعتقد بأن الطريق الحزبي الذي اختاره هو الطريق الى فلسطين، وكان للثورات العربية التي قامت في عقد الخمسينيات الأثر البالغ في ارتفاع الآمال بتحرير فلسطين، وغني عن القول ان أولى هذه الثورات قامت في مصر، وليس من شك في ان ثورة الجزائر ألهبت خيال الفلسطيني بحتمية قيام ثورة فلسطينية على غرارها... وأما مع قيام دولة الوحدة العربية بين مصر وسوريا سنة ,1958 فقد بات الحلم أقرب الى التحقيق، فدولة الوحدة، أو «الكماشة» لا بد لها أن تقضي على اسرائيل. غير ان دولة الوحدة سرعان ما انهارت بعد ثلاث سنوات، وسرعان ما تكرست كلمة «الانفصال» في الاعلام العربي، وسرعان ما تبارت الاحزاب القومية العربية في تبرير عجزها عن حماية الوحدة، لكنها تذكرت فلسطين، فأفرزت كوادر من أعضائها الفلسطينيين للتفرغ من أجل «التحرير»، كحزب البعث العربي الاشتراكي الذي أنشأ «شعبة فلسطين»، وحركة القوميين العرب التي قامت بخطوة مماثلة. وكأن التاريخ بات يُكتب معكوساً، فالشعار القومي الذي تكرس أيام الوحدة وهو ان «الوحدة هي الطريق الى فلسطين»، كانت الاحزاب القومية في عهد الانفصال هي التي كرسته معكوساً، فأصبح الشعار «فلسطين هي الطريق الى الوحدة». لكن أهم ما نتج عن هذا التحول تدريب مجموعات من العناصر البعثية أو القومية أو غيرها على حمل السلاح، وقد ساهم هؤلاء لاحقا في العمل الفدائي. مع انحسار المد القومي شهدت هذه المرحلة الحدث الأبرز على الصعيد النضالي، ألا وهو قيام الفلسطينيين أينما كانوا، في الضفة الغربية، وفي قطاع غزة، وفي مخيماتهم، وفي منافيهم «العربية» المتعددة، بإنشاء الجبهات والتنظيمات السرية، وقد تزامن نمو هذه التنظيمات مع التحركات السياسية التي قام بها أحمد الشقيري بتكليف من جامعة الدول العربية لإنشاء كيان فلسطيني، فشكلت سنوات النصف الاول من عقد الستينيات مرحلة تمهيدية كان أبرز أهدافها خلق الكيان الثوري، وإعادة الاعتبار للشخصية الفلسطينية. صحيح ان الكفاح المسلح بكل معنى الكلمة لم يكن الهدف الأول يومذاك، وكان هدفا مؤجلا بالنسبة الى البعض، وصحيح ان كثيرا من التنظيمات كان ينمو نمو الفطر بلا سابق تخطيط، وصحيح ان بعضها انتهى مع ولادته، لكنه صحيح ايضا ان من هذه التنظيمات من صمد وكبر، وشهدت له الأيام. انتهت هذه المرحلة التمهيدية بإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية كيانا قانونيا عربيا رسميا بات هو العنوان للشعب الفلسطيني، وانتهت بإنشاء جيش التحرير الفلسطيني بألويته الثلاثة، لواء حطين في سوريا، ولواء عين جالوت في قطاع غزة، ولواء القادسية في العراق. وعلى الرغم من أن أي جيش فلسطيني لا يمكنه قطعا إعلان حرب على اسرائيل من أرض عربية ليست أرضه، غير ان وجوده أضحى البوصلة المؤشرة نحو طريق التحرير، وكان الفرح الفلسطيني طاغيا بإنشائه، وبالمقابل، كان الخوف منه كبيرا من قبل عدة دول عربية، فالحكومة اللبنانية أخذت تفرض على كل لاجئ فلسطيني يغادر أراضيها للانضمام الى جيش التحرير ان يوقع على تعهد بأنه لن يعود ـ مطلقا ـ الى لبنان، وذات صباح باكر، ارتفعت أهازيج الأمهات والأخوات أمام مكتب منظمة التحرير في بيروت في وداع الفوج الأول، كان الشباب متلهفين لركوب الحافلة التي سوف تقلهم الى العراق، وكانت الأمهات يزغردن وكأن أبناءهن ذاهبون الى معركة التحرير، لا الى معسكر بعيد لمجرد التدريب!! المرحلة الثانية (1964 ـ 1971) يبتدئ بعض المؤرخين هذه المرحلة الفدائية، المليئة بالكثير من الرومانسية والقليل من النتائج، بالعملية الاولى لـ«فتح»، فجر اليوم الاول من سنة ,1965 وليس من شك في أهمية تلك العملية الكبيرة بمقاييس الأمس، والبسيطة بمقاييس اليوم، فهي التي أعلنت وشرعت العمل الفدائي دربا للتحرير. لكن من سخرية الأيام ان يكون الرئيس أحمد الشقيري الذي له فضل كبير بالتمهيد للعمل الفدائي، سواء بإنشاء «جيش التحرير»، أو بإنشاء «قوات التحرير الشعبية»، هو المتهم بالبيرقراطية وبالبعد عن الثورية، بينما حركة «فتح» يومذاك، صاحبة العملية الأولى المتسرعة ـ بشهادة أهلها ـ هي التي كانت منقسمة على نفسها وهي التي كانت تطرح السؤال: هل حان الوقت للعمل الفدائي؟ أم لا؟ وكذلك كانت حركة القوميين العرب تطرح السؤال نفسه، وكان عدد من الجبهات الفلسطينية في الستينيات ومنها جبهة التحرير الفلسطينية التي اشتهرت باسم نشرتها «طريق العودة» كذلك، غير أن القوميين والناصريين كانت تحركهم هواجس مختلفة عن هواجس الفتحاويين، أهمها الخوف من توريط الرئيس عبد الناصر بقتال سابق لأوانه مع اسرائيل، فكان المطلوب من العمل الفدائي في سنواته الأولى «شيئا ما هو فوق الصفر ويحول دون التوريط». انتهى عهد الخوف من التوريط بما هو أسوأ منه بكثير، انتهى مع حرب حزيران ,1967 واحتلال فلسطين كاملة، وهزيمة ثلاث دول عربية. وحدثت نقطة التحول الكبرى في مسيرة العمل الفدائي أو الكفاح المسلح، حين رفضت التنظيمات الفلسطينية من دون استثناء القرار رقم 242، فكسبت مداً جماهيرياً عربياً هائلاً، وتزايد عدد المتطوعين في المنظمات الفدائية، وبخاصة "فتح". وكان معظمها موجوداً في الأغوار ومعسكر خو التابع لـ"قوات التحرير الشعبية". جرت في هذه المرحلة محاولات التوحيد بين القوى الفدائية، لكن النجاح كان محدوداً جدا، وتفوقت هذه المرحلة بكثرة البلاغات والبيانات من التنظيمات والفصائل المتعددة، فكان التسابق بين البلاغات الثورية سمة المرحلة، وكثيرا ما كانت العملية الواحدة يتبناها أكثر من فصيل. وتكاثرت التنظيمات، وكان من أبرزها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، وكلتاهما من كوادر حركة القوميين العرب، وبالاضافة الى «فتح» التنظيم الأكبر عدداً، كان هناك مكان للتنظيمات الصغيرة عدداً، وللمثال كانت منظمة «أبطال العودة»، و«منظمة فلسطين العربية»، كما قام بعض الدول العربية بإنشاء منظمات فدائية تابعة لها كالعراق وسوريا، وتميزت مصر بأنها لم تنشئ أي تنظيم خاص بها، مكتفية مكتفية بالتدريب والدعم. كانت القاعدة الاولى للعمل الفدائي «اضرب واهرب»، ثم أخذت تتطور في أعقاب معركة الكرامة التي مدت المقاومة بدفع معنوي كبير، وهي المعركة التي جرت بين القوات الفلسطينية والجيش الاسرائيلي. وقد شارك في المعركة ببسالة عناصر من الجيش الاردني، وتمكن المقاتلون الفلسطينيون والاردنيون معا في 21 آذار/ مارس ,1968 من صد موشيه دايان وجيشه، وكان من أهم نتائج المعركة ان الانسان العربي، لا الفلسطيني وحده، استرد كرامته وكبرياءه، فتصاعد وصول المتطوعين الى الأغوار زرافات ووحدانا. على صعيد العمل السياسي والقيادة الفلسطينية كان لا بد من تغييرات جوهرية تتناسب مع التغيرات الميدانية، فقد مهدت معركة الكرامة للتنظيمات المسلحة المتعددة كي تتوصل الى اعتماد قاعدة التمثيل النسبي في ما بينها في المجلس الوطني، وهكذا انتقلت المنظمة الى عهد التنظيمات المسلحة، أما الرئاسة فكان لا بد لها أن تكون لـ«فتح» التنظيم الأكبر، فانتقلت من أحمد الشقيري الى يحيى حمودة - في مرحلة انتقالية قصيرة - ومن بعده استقرت عند ياسر عرفات. العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية مرت، بدورها، بتحولات جذرية في نهاية هذه المرحلة، كان أبرزها توقيع اتفاقية القاهرة سنة 1969، بين الحكومة اللبنانية ومنظمة التحرير، وهي الاتفاقية التي تنظم العلاقات بين الفريقين وخاصة بين الفدائيين الفلسطينيين والجيش اللبناني، على قاعدة الاحترام الكلي للسيادة اللبنانية، واحترام حق الفلسطيني بالتدرب وحقه بالاستعداد لتحرير وطنه، وكانت هذه أول مرة يتم فيها التعامل ندياً بين الفريقين، غير أن السرية التي أحاطت بالاتفاقية من دون أي مبرر، كانت التجاوز الأول الذي لحقته تجاوزات متعددة مع الزمن، من قبل الفئات المعنية، على اختلافها.... ولم تكن التجاوزات في الأردن لتقل سوءاً، فشكلت ذريعة كافية أدت الى اندلاع الأحداث الدامية بين الجيش الأردني وفصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة. السفير (23 02 2007) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||