|
|
|
آخر تحديث jeudi mars 01, 2007 الساعة 07:12:10 |
|
عندما تضيع الأولويات تحضر الفتن جبران عريجي هل حقاً أن العالم العربي، يمر بأزمة فصام في التوجهات؟ وهل حقاً، أن الخطر «الإسرائيلي» زائل عنه، وأن خطرا إيرانياً يدهمه؟ أسئلة تبسيطية، لكنها تبدو غاية في الأهمية، عندما نكتشف ان العقل السياسي العربي مهجوس بخطر المؤامرة الخارجية.. دون عناء تشخيص الخطر والجهة التي تمثله. الولايات المتحدة الأميركية، نجحت في الاستحواذ على البنى الرسمية العربية، بواسطة استراتيجيا «إدارة الصراع» في المنطقة. وكما هو معلوم، فإن اعتماد مبدأ «إدارة الصراع»، هو بديل عدم القدرة على حسمه أو ايجاد الحلول له. لكن عدم الحسم لا يعني بأي شكل من الأشكال تقليلاً من خطورة السياسات التي تدير هذا الصراع. فالولايات المتحدة، ومن خلال إدارتها للصراع، أمسكت بنواصي العقل الرسمي العربي، ونجحت الى حد كبير بتسطيح مفهوم الصراع العربي ـ «الاسرائيلي»، والترويج لصراع عربي ـ إيراني، يلغي بحدته تدريجياً قضية الصراع العربي ـ الصهيوني. ليس خافياً، بأن تصنيف القوى في المنطقة بين «معتدلين» و«متطرفين»، يرمي الى خلق فجوة كبيرة في الداخل العربي تؤدي الى فتن داخلية ماحقة. وليست مصادفة ان تصبح إيران وفق مفهوم الاعتدال العربي، ذي المصدر الأميركي على عداوة مع العرب.. وأن يصبح العداء العربي لايران يستدعي حلفاً مع «إسرائيل»، وكل ذلك، في ظل غياب واضح لتحديد معنى الاعتدال. لذا، لم يعد حزب الله، وحده من مكونات «الهلال الشيعي» بل ان حركة حماس «السنية» باتت تعتبر حركة شيعية، فقط، لأنها تتبنى خيار المقاومة ضد «إسرائيل». إنها إشكالية كبرى، لا يفهمها الا من يفهم بعمق طبيعة الصراع مع «إسرائيل». لقد وجدت واشنطن ضالتها في تحريك كل الحساسيات الثقافية والسياسية التاريخية للطوائف في العالم العربي لتدمير الهوية القومية. هكذا وبكل بساطة اضحت الطائفية بوصلة عند بعض العرب، يتعرفون بها الى اتجاهات السياسة والثقافة والاقتصاد، ولو أدى بهم ذلك الى أن يضعوا في كفة واحدة، المقاومة للاسرائيلي في الجنوب اللبناني، مع المتواطىء مع الأميركي في بغداد، بحيث غدا الشيعة هيكلا واحداً، ولا أبعاد تميّز فيما بينهم، ولو توزعوا في الأقطار والأمصار، وهكذا تحولت الطوائف الى كتل تاريخية واحدة متماسكة، وهذا يقود الى معادلة الحديث عن (هلال سني) في مواجهة (هلال شيعي) بما يعفي الأنظمة العربية من الكلام عن مصير ومستقبل «نجمة داوود». وما يدل بوضوح على السير في هذا المنحى، هو الاستعانة بتركيا «السنية» لإقامة توازن مع إيران «الشيعية»، دون ان يجيب أحد على سؤال: من أدخل ايران الى خط النزاع في المنطقة غير الفراغ الذي تركته الأنظمة العربية. وكما هو معلوم ان «الطبيعة تكره الفراغ»، وأيضاً السياسة لا تحتمل الفراغ. فكاد علم فلسطين ان لا يجد من يحمله، وهذا ما مهّد الطريق لحضور ايراني ساهم في تعزيز توازنات منحت جرعات قوية لقوى الممانعة التي رأت فيها بعض الأطراف حصارا مذهبياً بدل ان تراه حصاراً إسلامياً للكيان الصهيوني، فاستعاد الخطاب السياسي ـ الديني في المنطقة حادثة الخلافة كأنها هي المشكلة راهناً لا التهويد للإسلام والمسلمين. لا شك أن تفرّد إيران باستراتيجية الدفاع عن مصالح المنطقة خلخل الواقع العربي، لكن تلاقي الاستراتيجيات العربية في استراتيجية واحدة تلحظ الحضور الايراني من ضمن مصالحها الكبرى يوفّر جبهة عربية فاعلة تصحح ميزان القوى حتى عند دعاة التسوية، لانه في ظل الواقع الراهن تحول الصراع العربي - الاسرائيلي الى مجرد مساهمات انشائية من قبل الولايات المتحدة الاميركية حيال طموحات العرب ومشاريعهم التسووية. واللافت ان عدم تمكن السياسة الاميركية الجديدة من توفير حلول للمشكلة، يجعلها تلجأ الى تجزئتها الى مجموعة مشاكل لتنشغل بها الاطراف الاقليمية ويضيع بذلك جوهرها، ومن خلالها المصالح القومية للشعوب، وتضيع الاولويات، ويصبح الحديث مألوفا عن خطر ايراني وخطر تركي وخطر «اسرائيلي» دون التمييز بين طبيعة الظنون والشكوك في مراميها واهدافها، بينما لا يجد هؤلاء حرجا في تبني تركيا للعب ادوار في المنطقة من ضمن الرهان على علاقاتها مع «إسرائيل» في احتواء الازمات وتشكيل سدّ منيع يقف حائلا في وجه التوغل الايراني. لا ننكر اننا نعيش في امة مأزومة، لكن هل بدأنا نعيش أيضا على المستوى الديني إسلاما مأزوما؟.. ومن دلائل هذا التأزيم، دعوة ايران للتخلي عن انتمائها الاسلامي الذي يقربها من العرب، ودفعها باتجاه العودة الى (فرسنتها) حيث (الفرسنة) تخلق فجوة كبرى مع عالمنا العربي، لا بل قل عداء كبيرا، ودعوة تركيا العثمانية لاستعادة مجد مندثر في عالمنا بحجة التوازن مع ايران،.. انها مفارقة كبرى تعفي الولايات المتحدة من اي اخلاقية والتزام ومسؤولية تجاه حلفائها في المنطقة ليتحول الصراع العربي - الصهيوني الى مجرد نزاع محلي بين فلسطينيين و«إسرائيليين» تماما مثل اي نزاع بين عربي وآخر. لقد نجحت «إسرائيل» الدولة الدينية في قلب العالم العربي، في خلق رؤية دينية لهذا العالم. فأي تفسير للتناقضات المذهبية او نشوء لحركات اصولية لا يمكن فهمها خارج هذا الطغيان «الاسرائيلي» الديني. فبدل ان نجعل التحدي «الاسرائيلي» مدخلا لوحدتنا باعتبار ان الصراع القومي صراع ارض وحقوق، يشكل الدين خزانا له. نرى ان الحقوق والارض غابت لمصلحة الفتاوى والمقاربات اللاهوتية، . وهكذا غادرنا حاضرنا ومستقبلنا وعدنا مجددا الى تاريخ نستحضره بكل تناقضاته على قاعدة عدم تجاوزه ولنجعل من حقائقه، حقائق ضاغطة على حقائق الحياة. وبدل ان يستدعي الحضور «الاسرائيلي» ابداعا عندنا في ادارة التنوع، نجحت الولايات المتحدة الاميركية في ادارته وفق مصالحها وعلى حساب دولنا الوطنية المتعثرة، التي يستهدفها الشرق الاوسط الكبير، مانعا خروجها من التعثر، بنية تدمير امكانية نشوء الدولة القومية، فإذا كانت «سايكس - بيكو» هدفت الى تقسيم الامة، فالشرق الاوسط الكبير يهدف الى تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، تمهيدا لتشكيل مشهد عربي متداع لمصلحة الهويات المذهبية التي تمكن «إسرائيل» من تحويل العالم العربي الى مرعى تكون هي فيه الراعي الوحيد. كل ذلك، يتجمع من اجل سؤال كبير، ما هو معنى العروبة، وما هو مصير الهويات القومية في هذا العالم العربي الواسع، ولا نبالغ اذا قلنا إن انهيار فكرة العروبة لا ولن تكون لصالح المسلمين، بل هي مدخل للتناحر الديني على خلاف ما يظنه المراهنون، بأن بديل العروبة هو إسلام متعاظم. فالاحداث الاخيرة تؤكد مقولتنا التاريخية، بأن الدين المسيس لا يوحد الشعوب، بل ان القومية هي التي تحصن الدين من مخاطر التسييس والنزاع والشقاق. لكن هذا لا يعفينا من مراجعات تعيد تظهير العروبة بوصفها كيانا حضاريا جامعا، والقومية باعتبارها اطارا يرعى التنوع ويعتمد الديمقراطية مضمونا سبيلا وحيدا لتثبيت مبدأ المواطنية. عندها نتجاوز الاشكالية التاريخية التي تتمحور حول مبدأ الاستقواء بالدين على الدولة او العكس. الديار (25 02 2007) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||