موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Friday August 17, 2007 الساعة 02:51:12 PM

الصفحة الرئيسية | لماذا منتدى النهضة؟ | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة

 

لماذا لا تكون الدولة المدنية هدية "السيد" للبنان" ؟

عصام نعمان

أهدى السيد حسن نصرالله اللبنانيين انتصار المقاومة على اسرائيل عقب توقف حربها العدوانية في 14 آب العام  الماضي. ماذا تراه يهدي اللبنانيين في ذكرى 14 آب هذا العام؟

يحيط سيد المقاومة، بلا ريب، بأبعاد الأزمة المزمنة التي تعصف بلبنان، كما يدرك خطورة الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية التي يواجهها عشية استحقاق جلل هو انتخاب رئيس جديد للجمهورية. ترى، هل لدى "حزب الله"، بما هو أحد أبرز قوى المعارضة من خارج الطبقة السياسية القابضة، مبادرة نوعية من شانها تحجيم الصراعات الداخلية وتعزيز الوحدة الوطنية وتعطيل التدخلات الخارجية لتمكين اللبنانيين من اجتراح "تسوية تاريخية" تكون من صنع أنفسهم؟

يؤمن السيد، وغيره كثيرون، بأن أزمة لبنان مردها، في الدرجة الاولى، الى غياب الدولة. لا دولة عندنا، بل مجرد نظام هو عبارة عن آلية لتقاسم السلطة والمصالح والمغانم بين أركان طبقة سياسية قابضة قوامها متزعمون في  طوائف، ورجال أعمال وبيوت أموال، ومتنفذون في أجهزة أمن واستخبارات. هذه الطبقة القابضة العابرة للطوائف والجماعات هي، في الواقع وعلى مر العهود، أشبه ما تكون بميدالية ذات وجهين متكاملين: موالاة للنظام الطوائفي المركانتيلي متجسدة بفريق حاكم، ومعارضة ظرفية للفريق الحاكم انما مخلصة للنظام القائم في اطار توافق مضطرب للتناوب على السلطة. مع هذه الثنائية السياسية وبفعلها تماهى النظام بالكيان وتكاملا حتى كادا يصبحان صيرورة واحدة.

في ظل هذه الطبقة السياسية القابضة تعذر تحقيق حاجتين استراتيجيتين: الاصلاح ومواجهة الخطر الاسرائيلي. فالاصلاح ومكافحة الفساد متعذران في غياب معارضة حقيقية للطبقة القابضة وللنظام الفاسد. ومواجهة الخطر الاسرائيلي مستحيلة بسبب عدم اقرار الطبقة القابضة بوجوده اصلا. ذلك ان وعي الخطر يستتبع اتخاذ تدابير اصلاحية سياسية واقتصادية نوعية لمواجهته. لكن اتخاذ مثل هذه التدابير يؤدي الى ارتخاء قبضة الطبقة السياسية ولجم عملية انتهاب خيرات البلاد. ذلك كله يؤذي مصالح الطبقة القابضة، فكان ان تفادت الاقرار بوجود خطر اسرائيلي لتتفادى الاصلاح والاستعداد للمواجهة بما هما عمليتان تتمان، بالضرورة، على حساب مصالحها الواسعة.

لو كان ثمة دولة بمفهومها الصحيح المتعارف عليه لتمّ بناء جيش قادر على مواجهة الخطر الاسرائيلي. غياب الدولة استتبع غياب الجيش القادر، وهذا بدوره استتبع قيام مقاومة شعبية لسد نقص فاجر. غير ان انتصار المقاومة عام 2000، وما يمكن ان يؤدي اليه الانتصار من تعديل لمصلحتها في موازين القوى الداخلية، أخافا الطبقة القابضة وشدا من عزيمة جناحها الاكثر تطرفا للجم المقاومة وتفكيكها. في هذا السياق، وازاء عجز الطبقة القابضة عن تنفيذ قرار مجلس الامن 1559، شنت اسرائيل، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، حربا فاشلة على المقاومة ولبنان صيف العام الماضي.

قبل حرب تموز وبعدها، طالب الفريق الحاكم "حزب الله" بدمج المقاومة بالجيش اللبناني او بوضعها تحت إمرته لئلا تصبح دولة ضمن دولة. رفض "حزب الله" هذا الطلب لسببين: عدم وجود دولة بمفهومها الصحيح وبالتالي عدم قدرة الجيش، بوضعه الحالي، على استيعاب عملية الدمج، وفي مطلق الاحوال عدم وجود استراتيجيا وطنية للدفاع متوافق عليها كي يصار الى مواجهة اسرائيل في اطارها.

الخوف من تعاظم قدرات المقاومة ودورها، والعجز عن قيام توافق في شأن دمجها في الجيش او اخضاعها لإمرته، زادا مخاوف متزعمي الطوائف، وألهبا مشاعر أنصارهم، كما أتاحا للقوى الخارجية عموما فرصا متزايدة للتدخل في الشؤون اللبنانية بما يخدم مصالحها الاقليمية. كل ذلك زاد أزمة لبنان المزمنة تعقيدا وجعل امكانية التوافق على شخصية مناسبة لرئاسة الجمهورية أمرا بالغ الصعوبة.

مع انسداد أفق التوافق، جرت انتخابات نيابية فرعية في دائرة بيروت الثانية ودائرة المتن الشمالي. كان من الممكن، في سياق المساعي الناشطة للتوصل الى توافق منشود، تفادي المعركة الانتخابية الحامية. لكن فشل المساعي التوفيقية فجّر صراعات حادة وبالتالي عصبيات طائفية ومذهبية مضاعفة، ما أدى الى ازدياد الازمة المزمنة تعقيدا وأفق التوافق انسدادا.

حتى لو قيض لمساعي التوافق ان تتجدد فان مسارها العام سيتخذ، غالبا، منحى الاتفاق على معادلة جديدة لتقاسم السلطة والمصالح والنفوذ بين أركان الطبقة القابضة، وأركان المعارضة الفضفاضة. غني عن البيان ان أي تسوية في ظل موازين القوى السائدة واعلان ادارة بوش لبنان جزءا من متطلبات حماية الامن القومي الاميركي، ستكون تسوية ظرفية قصيرة الامد مبنية على قاعدة "المزيد من الشيء نفسه"، أي المزيد من التصارع وتقاسم السلطة والمصالح والنفوذ داخل النظام الطوائفي المركانتيلي الفاسد.

ان قطاعات واسعة من اللبنانيين، موالين ومعارضين، داخل الطوائف وخارجها، تبدو اليوم متضررة من الوضع الراهن كما من أي تسوية ظرفية سطحية بين الاطراف المتصارعين على السلطة والمصالح والنفوذ. ولعل اكثر المتضررين معاناة بين قوى المعارضة هما "حزب الله" والتيار الوطني الحر، بالاضافة الى القوى الوطنية الحية من ديموقراطيين وقوميين ويساريين. هؤلاء جميعاً لهم مصلحة في التغيير والاصلاح، وبالتالي هم مطالبون اكثر من غيرهم باستنباط مناهج جديدة وابتداع وسائل فاعلة من اجل ترميم الوحدة الوطنية وتعديل موازين القوى الداخلية السائدة على نحو يؤدي الى التوافق على "تسوية تاريخية" للأزمة اللبنانية المزمنة. فمن دون تسوية تاريخية ستزداد الازمة المزمنة تفاقما، بل ستتطور، بالضرورة، الى حال فوضى شاملة وربما الى حرب اهلية تقوض النظام والكيان معا.

اجل، يجب الانطلاق من حقيقة عارية هي ان النظام القائم والطبقة السياسية القابضة يشكلان خطرا على الكيان، وان السبيل الوحيد لتفادي الانهيار والاضمحلال هو في التوافق على تسوية تاريخية يتأتى عنها تجديد القوى السياسية لتمكين قوى شابة ونهضوية من اعادة تأسيس لبنان دولة ووطناً.

في هذا الاطار، لا يستطيع العماد ميشال عون (والتيار الوطني الحر) ان يعطي، في الوقت الحاضر، أكثر مما اعطى. لقد عاقبه الفريق المتشدد في الطبقة القابضة لمجرد انه انفتح بصدق على قوى وطنية في طوائف غير مسيحية ووقّع مع احداها ورقة تفاهم مشتركة تتضمن مبادئ واهدافا ومناهج تتعارض بل تتناقض مع ثوابت الطبقة القابضة ومناهج عملها. من هنا فان الجهة المرشحة في المعارضة لتقديم مساهمة نوعية بغية حماية التوجه الوطني الديموقراطي لدى التيار الوطني الحرّ وغيره من القوى الوطنية الحية، ومن اجل المساعدة على تعديل موازين القوى الداخلية في اتجاه اجتراح التسوية التاريخية المنشودة، هي "حزب الله" وقائده السيد حسن نصرالله تحديداً.

ما تنتظره القوى الوطنية النهضوية من "حزب الله" هو ان يغتنم قائده ذكرى 14 آب ليعلن، بقوة وتصميم، تبني الحزب والمقاومة مطلب الدولة المدنية الديموقراطية. لقد حرص السيد في مناسبتين سابقتين للاحتفال بالانتصار في حرب تموز على التأكيد ان "حزب اللد" ضد أسلمة البلاد، وانه لا يرفع شعار الدولة الاسلامية ولا يجيزها في لبنان، وانه ضد المثالثة ومع المناصفة التي نصّ عليها اتفاق الطائف، وان غاية طموحه السياسي اقامة شراكة وطنية مع غيره في حكم ديموقراطي صحيح للبلاد.

لعل من المفيد التذكير بأنه سبق للشيخ محمد مهدي شمس  الدين، رحمه الله، والعلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، أمد الله بعمره، ان أفتيا، كل من زاويته، بمشروعية الدولة المدنية في لبنان ولزومها، كون مجتمعه الاهلي ينطوي على تعددية دينية وثقافية. ولا نحسب ان "حزب الله"، بما نعرف عن فكره وممارسته وطموحاته النهضوية، يعارض هذا التوجه بل لعله الاجدر من غيره والاقدر على حمل لواء الدولة المدنية الديموقراطية.

لا يردّ علينا بأن مفهوم "ولاية الفقيه" الذي يتبناه "حزب الله" يتعارض مع مطلب الدولة المدنية، ذلك ان بامكان الحزب ان يثابر على اعتماد هذا المفهوم في مجتمعه الاهلي ووسطه الديني وحتى في مسالك صناعة القرار في صفوفه. لكن يبقى في مقدوره، كما في مصلحته، الا يدعو الى اعتماده او ممارسته في الدولة المدنية المرتجاة، بما هي نتاج سياسي واجتماعي لمجتمع لبناني تعددي واطار حقوقي لجماعات وفئات وقطاعات متعددة الانتماءات والثقافات والتطلعات.

بتبني الدولة المدنية الديموقراطية والدعوة الى اعتمادها يتعمق الولاء الوطني وتتعزز رابطة المواطنة وتتوسع قاعدة القوى الوطنية النهضوية ويصبح في امكانها الانتظام في جبهة عريضة بصيغة مؤتمر وطني دائم للعمل السياسي الديموقراطي. بذلك يصبح المؤتمر الوطني المنشود تنظيما سياسيا عابرا للطوائف ومؤسسا لقاعدة وطنية ومواطنية واسعة، ولاؤها للدولة بما هي تعبير عن المصلحة العامة، ودستورها ميثاق العيش المشترك، وبرنامجها اتفاق الطائف بما هو منطلق لتجاوز الطائفية تدريجاً وعلى مراحل، وقاعدة لمأسسة الديموقراطية وتعزيزها وذلك بانتخاب مجلسين، واحد للنواب على اساس وطني لاطائفي، وآخر للشيوخ على أساس طائفي وباعتماد قانون ديموقراطي للانتخاب على اساس التمثيل النسبي، وقانون متوازن للامركزية الادارية، وسلطة قضائية مستقلة يديرها مجلس اعلى منتخب من القضاة انفسهم.

ايها السيد، لتكن هديتك الى اللبنانيين في عيد النصر دولة مدنية ننتصر بها وفيها على انحطاطنا وتخلفنا وعصبياتنا الفئوية القاضمة لوحدتنا وهويتنا وانسانيتنا وروح العصر الذي ما زلنا نعيش في حضيضه وعلى اطرافه.

النهار (12 08 2007)

 

هذا المقال

 

العنوان:

 

الكاتب:

 

المصدر:

 

تاريخ النشر:

 

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | لماذا منتدى النهضة؟ | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة

قضايا الساعة | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى