|
|
|
آخر تحديث Saturday August 19, 2006 الساعة 09:39:21 AM |
|
الدولة الفلسطينية بين الرفض والقبول من المنظور الأمني لدولة إسرائيل تقرير خاص: شلومو بروم عرض: د. هدي راغب عوض مقدمة : يعكف الباحث الإسرائيلي شلومو بروم في هذا التقرير علي دراسة تطورات فكر الأمن القومي في إسرائيل بشأن مسألة قيام دولة فلسطينية تقوم جنبا إلي جنب الدولة الإسرائيلية، متطرقا إلي دلالات هذه التطورات بالنسبة للسياسات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ومستقبل عملية السلام. وتعد دراسة بروم الأخيرة في سلسلة الأبحاث التي أصدرها معهد الولايات المتحدة لدراسات السلام، للتركيز علي عملية السلام والعلاقات الإسرائيلية - العربية. جاءت الدراسة الأولي لهذه المجموعة في سبتمبر 2005، لليوسى ألفيرو، تحت عنوان مستقبل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني .. توجهات مهمة ذات تأثير علي إسرائيل. بينما تم نشر البحث الثاني في هذه المجموعة في يناير 2006، تحت عنوان الاستعداد للتسوية .. الرأي العام الإسرائيلي وعملية السلام لكاتبه خليل شيكاكى. وفيما يلي عرض للبحث الثالث من الرفض إلي القبول.. فكر الأمن القومي الإسرائيلي والدولة الفلسطينية لشلومو بروم. من الرفض إلي القبول: بات الفكر القومي الإسرائيلي والدولة الفلسطينية والمجتمع الدولي أكثر تقبلا لحل القضية الفلسطينية على أساس تعايش دولتين علي أرض واحدة, ويعتبر هذا الحل هو الأمثل لحل النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني. وقد خضع هذا التقارب الإسرائيلى نحو القضية الفلسطينية إلي عملية تغيير ثوري علي مدى عقدين من رفض كامل إلي قبول واسع النطاق داخليا وخارجيا، من منظور الأمن القومي الإسرائيلي. فإن الجدل بين الرفض والقبول لحل مسألة النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني قد لعب دورا محوريا في تطوير الفكر الإسرائيلي، لذلك فإن الهدف من هذه الدراسة هو وصف عملية التغير والتطوير لمنظور الأمن القومي الإسرائيلي لقضية إقامة الدولة الفلسطينية إلي جانب تحليل الفكر السائد داخل المجتمع الإسرائيلي بكل التوجهات والتنويعات التي أثرت وتؤثر علي عملية التحول نحو دفع عملية السلام في الشرق الأوسط مع إلقاء الضوء علي التوصيات التي طرحتها السياسة الأمريكية تجاه قضية الدولة الفلسطينية والتعايش السلمي مع الدولة الإسرائيلية. وتختتم الدراسة بأهمية إبراز التغير في منظور الأمن القومي الإسرائيلي الذي أدى إلى قبول إقامة الدولة الفلسطينية، وبالتالي بفتح باب الفرص أمام حل النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني. كما تتناول الدراسة فكرة القرارات الأحادية التي قد تقود إلي إيجاد واقع جديد وهو تعايش دولتين علي أرض واحدة. وفي أحوال كثيرة, نجد أن حل النزاعات بين دولتين يخضع لعملية تبادلية ليس فقط من خلال طرفي النزاع بل أيضا من خلال أطراف خارجية، وينطبق هذا على النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني. لذلك عند تناول قضية النزاع لابد من دراسة كل طرف على حدة لكي نتفهم التشابك الحاصل بين طرفي النزاع ودور الأطراف الخارجية. يجب أولا أن يعرف المجتمع الدولي أن السياسة الإسرائيلية لا تتحدد فقط من خلال الاعتبارات الأمنية، فهناك أبعاد تاريخية ودينية وعاطفية أيضا. وهذه الأبعاد تلعب دورا أساسيا في تشكيل السياسات داخل دولة إسرائيل. لذلك يعتبر 'فكر الأمن القومي الإسرائيلي' منظومة تعتمد بالأساس علي هذه الأبعاد، وليس فقط البعد الأمني العسكري. الحدود الدفاعية والخيار الأردنى : عندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة بعد حرب 1967 برز خياران أساسيان أمام القيادة السياسية والأمنية، الأول: خيار التفاوض على تبادل الأراضي والذي يمكن أن يؤدي إلي حل النزاع العربي - الإسرائيلي، وكسر الحواجز الحدودية المفروضة علي إسرائيل قبل حرب 1967, وهذا يعني ضم كل الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد حرب يونيو 67, وقد جاء قرار الكنيست بتوسيع الحدود الإسرائيلية لتضم الأراضي المحتلة، وعليه لم يكن هناك وجود للكيان الفلسطيني في الفكر القومي لدولة إسرائيل في ذلك الوقت. إذ إن الإشكالية الكبري بالنسبة لإسرائيل هي عدم تقبل العرب للوجود اليهودي ولدولة يهودية وسط المجتمع العربي, وقد اجتمع العرب في ذلك الوقت علي رفض دولة إسرائيل. وعلى الجانب الآخر, اعتبرت إسرائيل أن الجبهة العربية المكونة من الدول العربية, والمجمعة تحت شعار 'القومية العربية' والتي تحولت إلي حركة قومية تحت زعامة جمال عبد الناصر في الخمسينيات, ما هي إلا حركة مصطنعة وليست حقيقية، والغرض منها تدمير دولة إسرائيل, خاصة أن هذه الحركة اعتبرت فلسطين جزءا منها ولابد أن تكون لها دولة وكيان وحدود تميزها. لذلك تحولت القضية من نزاع علي قطعة أرض إلي نزاع بين شعبين يعيشان علي نفس الأرض. وفي عام 1969, أعلنت جولدا مائير رئيسة الوزراء أنه لا يوجد شيء اسمه فلسطين, وأضافت: منذ متى والفلسطينيون يعتبرون شعبا مستقلا ولهم دولة؟ عندما وضع ياجيل آلون Yigel Allon خطته بناء علي الفكر الإسرائيلي لعمل مفاوضات علي الأراضي المحتلة مع الدول العربية المعنية التي كانت تسيطر علي هذه الأراضي قبل حرب 67, كانت تهدف إلي حماية الحدود الإسرائيلية من خلال تقسيم هذه الأراضى بينهم وبين الأردن. ووفقا لهذه الخطة فإن إسرائيل سوف تضم - وتبقى تحت سيطرتها - وادي الأردن والمنحدرات الغربية، بينما تسلم باقى أراضي الضفة الغربية للأردن. وتدل هذه الخطة – المعروفة بخطة الون – على أن الفكر الأمنى الإسرائيلى فى ذلك الوقت كان يعطي أولوية لضم الأراضى – أى الجغرافيا – على فكرة الديموجرافيا، أى ضم أعداد كبيرة من الفلسطينيين للدولة الإسرائيلية. وقد عُبر عن ذلك بمفهوم الحدود الدفاعية. وقد جاء التركيز على فكرة الحدود الدفاعية Defensible Sardes نتيجة لتجربة حرب 1967، حين رأت القيادة الإسرائيلية أن الحرب الاستباقية كانت ضرورية لعدم القدرة على الدفاع عن إسرائيل من داخل حدود ما قبل 1967 . وبالتالى فإن ضم أراض جديدة سوف يحقق الأمان لإسرائيل بغض النظر عن التركيبة الديموجرافية فى هذه الأراضى. وقد حاول ألون أن يوازن بين الجغرافيا والديموجرافيا، بأن يجعل الأجزاء المكتظة بالسكان الفلسطينيين فى الضفة الغربية جزءا من الأردن. ولم يكن ذلك اعترافا إسرائيليا بوجود شعب فلسطينى، بل جزء من فكرة الخيار الأردنى. وقد سقط هذا الخيار فى عام 1988، حين فشلت المباحثات بين الملك حسين ورئيس الوزراء شيمون بيريز، حيث قرر الملك أن ينفض يديه من الضفة الغربية. صعود الليكود وفكرة إسرائيل الكبري: إن وصول عدد من الحكومات الائتلافية بقيادة الليكود أدى إلى تحول جذرى فى الفكر الإسرائيلى، حيث لم تعد العوامل الديموجرافية ذات أى أهمية على الإطلاق. فقد تم دمج فكرة الحدود الدفاعية مع التوجه القائل إن لإسرائيل حقا دينيا وتاريخيا فى كل أراضى فلسطين التاريخية، وبالتالى فإن من واجبها القومى استيطان، وكلما أمكن، ضم هذه الأراضى. وبينما حاولت حكومة ائتلاف حزب العمل توجيه المستوطنين إلى الأماكن قليلة السكان، والتى لها أهمية دفاعية، فقد سعت حكومات الليكود إلى إنشاء المستوطنات فى كل المناطق الممكنة، وتشجيع السكان الفلسطينيين على النزوح منها مما سيحل – من وجهة نظرها – مشكلة التركيبة الديموجرافية. ولم تؤثر عمليات المقاومة الفلسطينية فى ذلك الوقت على الرؤية الأمنية الإسرائيلية. ورغم محاولات قوى فلسطينية متعددة إفشال محاولات إسرائيل للسيطرة على الضفة الغربية وغزة، فقد نجحت إسرائيل فى ذلك. ولكنها فى نفس الوقت، وقعت اتفاقيات كامب ديفيد، حيث اعترفت لأول مرة بحق الشعب الفلسطينى فى شكل ما من أشكال تحقيق المصير. وقد نصت الاتفاقيات على فترة خمس سنوات انتقالية يتمتع بها الفلسطينيون فى الضفة وغزة بالحكم الذاتى، مع اتخاذ كل الإجراءات لتأمين أمن إسرائيل خلال هذه المدة. وفى النهاية، فإن إسرائيل لم تدخل فى محادثات جدية بشأن الوصول إلى تسوية نهائية لأوضاع الفلسطينيين، بينما ركزت اهتمامها على النشاط الاستيطانى فى الضفة الغربية. وقد عكس ذلك عدم جدية إسرائيل فى الالتزام بهذه الاتفاقيات. الانتفاضة الفلسطينية الأولي : وقعت الانتفاضة الفلسطينية الأولي عام 1987, وقد ظلت صامدة إلي أن جاءت حرب الخليج الأولى عام 1990 - والقرار الذى اتخذه ياسر عرفات بالوقوف إلى جانب صدام حسين - مما أبعد اهتمام العرب والعالم عن القضية الفلسطينية. بيد أن الانتفاضة الفلسطينية تركت آثارا عميقة علي الفكر الأمني والسيكولوجية الإسرائيلية. بالنسبة لإسرائيل فإن المشكلة الأساسية للانتفاضة كانت صورتها الشعبية. فبالرغم من وجود جماعات مسلحة, فإن الشعب الفلسطيني الأعزل هو الذي قام بالانتفاضة. لذلك لم يعرف الأمن الإسرائيلي كيفية التعامل معها. وقد وصلت إسرائيل لعدة قناعات نتيجة لتجربة الانتفاضة ومنها: 1- إن الشعب الفلسطيني لن يقبل الاحتلال الإسرائيلي له إلي ما لا نهاية بالرغم من أن جزءا كبيرا منه ولد وعاش فى ظل الاحتلال. 2- لا طائل من الجدل حول وجود شعب فلسطينى، ذلك أن الوجود الفلسطينى يعتمد على إدراك الفلسطينيين لهويتهم، وبالتالى فإن صراعهم الدائم مع إسرائيل لا يؤدى إلا لتقوية هذا الشعور بالهوية الفلسطينية. 3- قمع حق الشعب الفلسطينى فى الحرية غير ممكن بدون انتهاكات لحقوق الإنسان غير مقبولة فى مجتمع ديمقراطى، وبالتالى فإن لهذه العملية آثارا سلبية على المجتمع الإسرائيلى. 4- الحل العسكري لا يجدي مع المشكلة الفلسطينية، ولذلك يجب البحث عن الحل السياسي. 5- الخيار الأردني أصبح غير مقبول من الشعب الفلسطيني، وقد بدا ذلك واضحا فى اعتراف الملك حسين في يوليو عام 1988 بأن منظمة التحرير هى المسئولة تماما عن الضفة الغربية. وبالرغم من أن الرأي العام الإسرائيلي والمجتمع الأمني قد أدركا هذه النتائج، إلا أن القيادة السياسية لم تتقبلها بسهولة. فقد أكد رئيس الوزراء اسحق شامير رفضه أية حلول سياسية. أما بالنسبة للفلسطينيين، فقد أدركوا أهمية الانتفاضة وحاولوا أن يستثمروها. ففي 15 نوفمبر 1988، تم إعلان قيام الدولة الفلسطينية بالجزائر. وقد استندت منظمة التحرير الفلسطينية في إعلانها عن قيام الدولة الفلسطينية علي أساس خطة الفصل بين الفلسطينيين واليهود بحسب قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة 181 بالاعتراف بالدولتين: الفلسطينية والإسرائيلية وحق إسرائيل في الوجود (Two State Solution) . وقد انقضت عدة سنوات قبل أن تؤثر هذه القناعات الجديدة فى السياسة الإسرائيلية. كما كان لحرب الخليج الثانية وهزيمة صدام حسين أثر كبير لأنها أنهت التهديد علي إسرائيل من الجبهة الشرقية. لقد كانت نظرية الأمن الإسرائيلى منذ إنشاء الدولة معنية 'بالتهديد' الذي يمكن أن يشكله تحالف عسكرى لعدة دول عربية, إذا قررت العدوان علي إسرائيل مستغلة الجبهة الشرقية التي تعتبر أضعف الجبهات. لكن انهيار القدرات العسكرية العراقية أنهى ضلعا أساسيا لهذا التهديد, وبالتالي تغير المنظور الإسرائيلي للأمن، وساهم سقوط الاتحاد السوفيتي فى نهاية الثمانينيات فى إضعاف العناصر المعادية لإسرائيل فى الوطن العربى.
هذه التغيرات علي الساحتين الإقليمية
والدولية قلبت الموازين الاستراتيجية في صالح إسرائيل,
وبالتالي تغير الفكر الإسرائيلي بصدد العلاقات مع
الدول العربية. وقد ساهمت حرب الخليج الثانية فى تشكيل البيئة الدولية للتغير فى توجهات إسرائيل تجاه قضية الدولة الفلسطينية. لقد أراد الرئيس بوش (الأب) استغلال نتائج هذه الحرب لإعادة تنشيط عملية السلام العربية – الإسرائيلية، وبالتالى وُلد مؤتمر مدريد. لقد أجبر الرئيس بوش رئيس الوزراء الإسرائيلى شامير على حضور المؤتمر رغم عدم تقبله لفكرة هوية فلسطينية مستقلة. كما رفضت الولايات المتحدة تقديم ضمانات ائتمانية لإسرائيل بسبب تواصل عمليات الاستيطان. ولذلك فقد بدأت الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية تتحول لإدراك النخبة أن مواصلة الاحتلال وإقامة المستعمرات سوف تكون لهما آثارا سلبية على أهم مصالح إسرائيل الأمنية، وهى تحالفها مع الولايات المتحدة. مفاوضات أوسلو: لاشك فى أن مفاوضات أوسلو جاءت تتويجا لمجهودات الانتفاضة الفلسطينية الأولي وتغير منظور التهديد الأمني لإسرائيل. فقد أدرك الرأي العام الإسرائيلي ضرورة التعامل مع الهجمات الإرهابية الفلسطينية، ليس من المنظور الأمني فقط. وقد ساهمت الانتخابات الإسرائيلية عام 1992 وصعود حزب العمال بقيادة اسحق رابين في تفعيل اتفاقيات أوسلو بالاعتراف المتبادل بين فلسطين وإسرائيل، وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. إلا أن إعلان النوايا عام 1993 من جانب إسرائيل لم يقدم حلا لمشكلة إقامة دولة فلسطينية. كما أن حكومة حزب العمال كانت حريصة علي ألا تستخدم لفظ دولة للإشارة إلي فلسطين. وفي نوفمبر 1995, قدم يوسي بيلين الوزير المفوض في حكومة العمال - خطة بيلين - أبو مازن - إلي شيمون بيريز مقترحا اتفاقا مستديما يشمل إقامة دولة فلسطينية. إلا أن بيريز رفض الفكرة معتمدا علي موقفه من عدم الاعتراف بدولة فلسطينية, لكنه اقترح قبول مبدأ الحكم الذاتي للفلسطينيين تحت السيطرة الإسرائيلية. وهذا يعني أنه خلال مفاوضات أوسلو لم يكن هناك اتفاق إسرائيلى حول الاتجاه الذى يجب أن تسير فيه إسرائيل. فكان هناك نوع من الصراع بين الذين يؤمنون بأن إقامة الدولة الفلسطينية فى مصلحة إسرائيل، والذين يرون – مثل بيريز – أن ذلك يشكل تهديدا أمنيا لها. سقوط محادثات أوسلو : عندما انتخب ايهود باراك عام 1999 - بدلا من نيتانياهو الذي أوقف المباحثات الثنائية الإسرائيلية - الفلسطينية في فترة رئاسته للحكومة الإسرائيلية - تصاعد الأمل مرة أخري في إمكانية استعادة المباحثات، خاصة أنه وعد بفتح باب المفاوضات للتوصل إلى تسوية نهائية، وبالتالى الكشف عن نيات عرفات الحقيقية – التى كانت محل شك المجتمع الأمنى فى إسرائيل – وإذا ما كان على استعداد للاعتراف بحق إسرائيل فى الوجود أم لا. لقد كان لانهيار عملية أوسلو، وفشل مباحثات كامب ديفيد، ثم انفجار الانتفاضة الفلسطينية الثانية، أثر عميق على الرؤية الأمنية الإسرائيلية. فبينما أبرزت الانتفاضة الثانية ضرورة إيجاد حل دائم للنزاع الفلسطينى – الإسرائيلى، فإنها من ناحية أخرى، زادت من حدة شعور الرأى العام الإسرائيلى بأن الشعب الفلسطينى لا يؤمن جانبه، وأنه لن يقبل التفاوض فى الإطار الذى تقبله إسرائيل. إن التقبل الواسع لفكرة إقامة دولة فلسطينية فى المجتمع الإسرائيلى اليوم إنما هو نتيجة للعنف الذى تفجر بعد فشل عملية أوسلو. لقد توصل الإسرائيليون إلى أن وجودهم مع الشعب الفلسطينى فى دولة واحدة يشكل خطرا أمنيا على المستوى الاستراتيجى والتكتيكى. فعلى المستوى الاستراتيجى، أصبح الكثيرون فى إسرائيل يشككون فى إمكانية اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية ذات سيادة، وبالتالى فإن من مصلحتهم البقاء داخل إسرائيل وتغيير الوضع من الداخل عن طريق زيادة تعدادهم السكانى. أما على المستوى التكتيكى، فإن عدم الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين يعرضهم لمخاطر العمليات الانتحارية الفلسطينية. ويتبين التغير الكبير فى الفكر الإسرائيلى تجاه إنشاء دولة فلسطينية فى تطور أفكار رئيس الوزراء الإسرائيلى شارون الذى أرسى قواعد السياسة الاستيطانية ليعرقل قيام دولة فلسطينية، ثم توصل فى عام 2001 إلى تقبل الفكرة. ومن الملاحظ أن عدم اقتناع الإسرائيليين بجدوى المفاوضات مع الفلسطينيين قد أدى إلى اتجاه الحكومات الإسرائيلية إلى اتخاذ خطوات أحادية الجانب. كما أن سقوط نظرية السلام أولا مع فشل عملية أوسلو أدى إلى التمسك بفكرة الأمن أولا والتى مؤداها أن الفلسطينيين – بسبب فشلهم فى تحقيق الأمن الإسرائيلى – لم يعودوا شركاء فى العملية التفاوضية، وعلى إسرائيل اتخاذ ما تراه من خطوات لتأمين أمنها والانفصال عن الفلسطينيين. وعندما يتحقق الأمن الإسرائيلى، فمن الممكن للفلسطينيين إقامة دولتهم كما يرغبون. أثر الانسحاب من جنوب لبنان وحرب حزب الله : إن الانسحاب الأحادي من جنوب لبنان في مايو 2000 عكس تقديرا وتفهما أكبر لأهمية الشرعية الدولية والداخلية. وقد انسحبت إسرائيل من الأراضي اللبنانية من أجل إفقاد حزب الله - أمام المجتمع الدولي والداخل اللبنانى – للشرعية اللازمة لاستمراره في محاربة القوات الإسرائيلية. في نفس الوقت كان من الواضح أن الوجود الإسرائيلى في جنوب لبنان فقد شرعيته، وذلك لأن القوات الإسرائيلية المتمركزة في جنوب لبنان لم تعد قادرة علي حماية المدنيين الإسرائيليين من هجوم الصواريخ، وبالتالى فمن الأفضل لإسرائيل أن تنسحب من جنوب لبنان حتي تستطيع مواجهة حزب الله وهجماته العسكرية بشكل أكثر حسما مع كسب التأييد الدولي لها. وعلي مدي عدة أعوام وحتي الحرب الأخيرة مع حزب الله (يوليو 2006) كان الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان يعتبر خطوة إيجابية برغم بعض المشككين في جدوي هذا الانسحاب ونتائجه العكسية فى إعطاء حزب الله مساحة من حرية التحرك لتهديد أمن إسرائيل. لقد أدى اندلاع حرب 2006 إلى فقدان فكرة الخطوات أحادية الجانب لمصداقيتها فى المجتمع الإسرائيلى. ولذلك فقد تراجع رئيس الوزراء أولمرت عن وعوده الانتخابية بالانسحاب من الضفة الغربية وترسيم حدود دائمة لإسرائيل. وبينما لا تلقى هذه الفكرة حاليا رواجا لدى الرأى العام الإسرائيلى، فقد تعود إلى الظهور فى المستقبل القريب، خاصة إذا فشلت محاولات التقارب الإسرائيلى – الفلسطينى. أثر فوز حماس على الفكر الأمنى فى إسرائيل : من الصعب التكهن بالآثار طويلة المدى لفوز حماس فى انتخابات يناير 2006، كما أنه من غير الواضح ما إذا كانت ستنجح فى تثبيت أقدامها فى الحكم أم لا. وبرغم الرؤية الإسرائيلية الأمنية إلى حماس أنها لا تصلح شريكا فى المفاوضات، فهناك إحساس بأنه – عاجلا أم آجلا – ستضطر إسرائيل للتعامل معها. العامل الديموجرافى : منذ إنشاء دولة إسرائيل، كان هناك توجس من الفارق العددى بين اليهود والعرب. ولكن منذ أن احتلت إسرائيل أراضى عربية مكتظة بالسكان فى عام 1967، فقد أصبح الهاجس هو التوازن العددى داخل الدولة الإسرائيلية. ومن المتوقع أن يصبح الفلسطينيون – فى المنطقة الممتدة من البحر المتوسط حتى نهر الأردن – أغلبية فى السنوات القليلة القادمة، وبالتالى فإن استمرار الاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية سوف يهدد هوية إسرائيل كدولة ديمقراطية للشعب اليهودى. ولن تستطيع الدولة الإسرائيلية الحفاظ على هذه الهوية فى ظل الأقلية العددية لليهود، إلا إذا أصبحت دولة فصل عنصرى، وهذا الخيار مرفوض أخلاقيا من الشعب الإسرائيلى، كما أنه مرفوض لأسباب عملية أيضا. فالمجتمع الدولى لن يتقبل قيام مثل هذا النظام العنصرى، وسوف يوالى الضغط على إسرائيل بشكل يهدد أمنها. إذن، يجب على إسرائيل أن تنسحب من المناطق الفلسطينية كى تبقى يهودية وديمقراطية فى أن واحد. ويعتبر هذا التحول من التمسك بأهمية الأرض إلى إبراز أهمية الهوية اليهودية للدولة بمثابة تبنى مفهوم أوسع للأمن القومى الإسرائيلى. فالفكر الأمنى الإسرائيلى حاليا لا يركز فقط على الأخطار المادية، بل يركز أيضا على التغيرات الاجتماعية التى تهدد هوية الدولة فى الصميم. ويعنى ذلك تقبلا أكبر لفكرة فض الاشتباك مع الفلسطينيين، وأن إسرائيل بحاجة لإعطاء الشعب الفلسطينى كيانا سياسيا وجغرافيا مستقلا. ومن مصلحة إسرائيل أن توفر للدولة الفلسطينية مقومات الوجود، وذلك حتى تتمتع الحدود بين الدولتين بالاعتراف الدولى، وكى يكون هناك طرف مسئول على الجانب الآخر من هذه الحدود تستطيع إسرائيل أن تتعامل معه. كما أن ذلك سيقضى نهائيا على فكرة الدولة الإسرائيلية – الفلسطينية الموحدة، والتى تشكل أكبر تهديد لأمن إسرائيل. كيف نصل إلي إقامة دولة فلسطينية؟ : لاشك فى أن فشل محادثات أوسلو جعل الرأي العام الإسرائيلي يعتقد أنه لا يمكن أن تقام دولة فلسطينية من خلال الاتفاقيات أو المفاوضات. هناك جدل كبير حول إمكانية وجود دولة فلسطينية, خاصة بعد وفاة ياسر عرفات وعدم الاستقرار بعد صعود حماس إلى سدة الحكم من خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة. إلا أن هناك إدراكا بأن التوصل إلى حل عن طريق المفاوضات يعتبر بديلا أفضل عن الانسحاب الأحادى الجانب. ففى حالة الخيار الثانى، قد يرفض الفلسطينيون إقامة دولتهم في ظل الوجود الإسرائيلي أو الهيمنة الإسرائيلية. كما أن مسألة الحدود قد تكون قضية معلقة من الناحية الشرعية. ونتيجة لهذه الاحتمالات، فالفريق الإسرائيلي الذي يؤيد وجود دولة فلسطينية قد ينقسم إلي فريقين: متفائل والآخر متشائم. الأول يعتقد أن المفاوضات لابد أن تأخذ مسارها من جديد من خلال خطة خريطة الطريق. وهذا يعني أنه لابد من تركيز المفاوضات علي وضع حلول نهائية لإقامة دولة فلسطينية. أما الفريق الثاني, فهو يتبع سياسة حزب كاديما الذي لا يقتنع بوجود شريك فلسطينى حقيقي يمكن الوثوق به، وعمل مفاوضات معه, لذلك يجب علي إسرائيل أن تخطط وحدها شكل وحدود الدولة الفلسطينية بداية من قطاع غزة والضفة الغربية, وهذه المناطق بالذات يمكن التفاوض عليها مستقبلا كنوع من تبادل المصالح بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث يوجد بالضفة الغربية مناطق تعتبر استراتيجية بالنسبة للأمن الإسرائيلي. دور الشريك الثالث : لقد وصل الفكر الأمني الإسرائيلي إلي طريق مسدود من حيث الجدل الداخلي بين مؤيد ومعارض لخطة الانسحاب الأحادية الجانب وإقامة الدولة الفلسطينية علي أساس مراحل إلزامية لخطة الطريق. لذلك جاءت فكرة إشراك طرف ثالث لفض الاشتباك بين طرفي النزاع -إسرائيل وفلسطين- لكن السؤال هو: إلي أي مدي تكون فاعلية الطرف الثالث المتمثل في القوات الدولية؟ والاجابة علي هذا السؤال غير واضحة علي المدي القريب. ومن ناحية أخري، هناك أسئلة محيرة أيضا لا يمكن حسمها حول طبيعة الدولة الفلسطينية الجديدة, وكيفية رسم حدودها الجغرافية, والعلاقة المستقبلية بين الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية. أما السيناريوهات المستقبلية فإنها لا تعتمد فقط علي الإجابة علي الأسئلة المحيرة، بل أيضا علي إرادة القادة الفلسطينيين في إعطاء فرصة للتقارب الفلسطيني - الإسرائيلي. أول هذه السيناريوهات يتمثل في وجوب حوار وطني فلسطيني - فلسطيني بين قادة حماس وفتح برئاسة أبو مازن, وإذا ما حدث هذا التقارب فقد تسارع إسرائيل في الدفع نحو إقامة الدولة الفلسطينية علي أساس خطة الطريق. السيناريو الثاني: يتعلق بالمباحثات مع الفلسطينيين والتي قد لا يمكن إتمامها بسبب عدم وجود الشريك الموثوق به من الطرف الفلسطيني لعمل المباحثات معه. وقد تلجأ إسرائيل إلي اتخاذ خطوات أحادية الجانب في الانسحاب من الضفة الغربية. إلا أن هذا الخيار ليس محتملا الآن وبعد حرب إسرائيل مع حزب الله واستمرار أعمال العنف في قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي. السيناريو الثالث: هو خليط بين السيناريوهين الأول والثاني ويشتمل علي وجود حوار بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، لكن ليس علي أساس رسمي أو شامل. في هذا الإطار، تكون المباحثات مقصورة علي تنسيق خطوات أحادية، أي ليست مشتركة واتفاقيات جزئية تقود إلي نوع من الاستقرار يدعم استمرارية الحوارات والمحادثات علي أساس بناء الثقة بين الطرفين وتقليص العنف. وقد تأخذ هذه المباحثات شكلا رسميا إذا ما ثبت حسن النيات بين الطرفين لكن دون الالتزام بجدول زمني محدد. لاشك فى أن السيناريو الثالث هو الأقرب إلي التوقعات الواقعية - حتي وإن كان بطيئا - إلا أنه يعطي الفرصة للفكر الأمني الإسرائيلي لأن يتطور بشكل يتفاعل مع الواقع الفلسطيني الجديد دون حدوث توقعات غير واقعية. مجلة السياسة الدولية (آب 2007) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||