تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday August 25, 2006 الساعة 02:41:42 PM

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

 

لبنان اليوم وغداً

المطران جورج خضر

ماذا يعني لك ان تعيش في بلد كثير المعطوبية؟ في المبدأ انت منه وهو اليك. واذا اردنا بأنك منه وهو اليك ان الجماعات امست في هذه المحنة اقرب بعضها الى بعض فحقيقة ذلك نسبية لانها ناتجة من حالات طارئة. هي كذلك بسبب الضدية وما هي كذلك في العمق بسبب من القناعات المؤسسة على شعور وحدة قائمة او وحدة نبنيها. فالجماعات عندنا هي ما يبدو منها فقد قال الخبير الأب لوبره Lebret قديما: "لبنان ليس عالم الكيان، انه عالم الظهور".

وهاجس اللبناني غير الاستثنائي ان يبدو امام الآخر. لذلك يصطنع لنفسه الصورة التي يريد الآخر الذي يهمه ان يراها: مجتمعنا تتشابك فيه الصور، الاقنعة ولا تتلاقى فيه الوجوه اذا اردنا بالوجه صورة النفس.

هل التجمعات اللبنانية تعد نفسها دائما لتخطي ذاتها وتاريخها ومكاسبها وطموحاتها للقاء الجماعات الاخرى التي تقوم بعمليات مماثلة علنا ندرك شيئا من الوحدة بحركة الواحد الى الآخر فنلتقي في وحدة الحركة ان لم نلتق على ارض واحدة.

وهذا يعني ان كل شريحة دينية او سياسية راغبة في اعادة النظر في ما مارسته قبل تفحص ذاتها اليوم لتلقي مما تعتبره تراثها ما يجب استبعاده عن رؤيتها لنفسها. هل ترتضي كل شريحة ان الاخرى تسائلها سرا او جهرا اذ يعرف كل فريق منا على وجه الدقة ما يفكر فيه الآخر ويعرف آلامه ويجب ان يعرف اذاً ان الآخر مجروح وانه هو قد يكون الجارح ولكنا نختبئ وراء المقولة السطحية التي اشيعت منذ القرن التاسع عشر: "الدين لله والوطن للجميع". اعرف ان النية عند كاتبها كانت طاهرة ولكن المقولة تتضمن التباسات كثيرة وقد تعني اللامبالاة بالاديان التي لا يمكن ان ننساها ونعرف انها تترك في النفس صدمات نجهر بها او نسكت عنها ولا نحب ان نذكر ما يصدمنا في الدين الآخر،  ونشرح الصدمات في حلقات خاصة، الامر الذي يستدعي، بالضرورة، الحوار ايضا وايضا والدراسة المعمقة ونزولا الى اعماق المحبة. هذا من اجل الحق الذي يحررنا وان نحيا في سلام في معية صادقة ولا نقع في تلك الدهرية التي تعني اقصاء الايمان عن الفكر والسلوك.

***

ان تجاوز الطائفية الى الوطنية لا يتم على مستوى الدعوات الكلامية التي نقرأها في الادبيات اللبنانية منذ ما قبل الحرب العالمية الاولى ولا نتوجه الى الاسباب السيكولوجية او الايديولوجية التي تجعلنا ورثة العتيق العتيق. ليس صحيحا ان اوروبا حرة من الطائفية الدينية ولو تحررت من ترجمتها السياسية بالعلمانية. ففي الحياة الوجدانية وحتى تاريخ قريب كان ثمة مجتمع كاثوليكي ومجتمع بروتستنتي وقد كان هذا واضحا في المانيا بعد ان وحدها بسمارك واشتد هذا في فرنسا مع حركة شارل موراس الشوفينية ومع كل القوميات الملتصقة بمذهب مسيحي في البلقان. ولعلنا لم نكن على هذه الحدة في العلاقات الاسلامية المسيحية.

غير اننا نحن اللبنانيين نحب الاختباء ونخشى المصارحة في الحياة اليومية، في البيت وفي الاجتماع الوطني وكأن معظم القوم "خشب سندة" اي كأن الحديث لا يصل الناس بعضهم ببعض وكأن الحقيقة في ما لا نصرح ولهذا كثرت عندنا محاكمة النيات. يكون الامر كذلك عندما يكون المقول هو غير المعني بحيث انك تحتاج الى تحليلات مفذلكة لتصل الى الباطن المكتوم الذي يقيم الآخر علاقته بك، كأنك لا ترى سوى الشجرات الامامية (اي الحكي) التي تخفي ادغالا مظلمة.

لذلك كان العيب المنتشر بصورة مريعة التذاكي الذي هو الالتماع بالكلام الذي يصبح، عند ذاك، قناعا.

***

لست اعلم اذا كانت هذه الطبائع التي عليها الكثيرون هي التي تلد اهل السياسة عندنا ام ان ثمة تفاعلا بيننا وبينهم يذهب الى الخطين. لست هنا ارجم أحداً بحجر ولكن لا مفر من السؤال: هل ان الدولة هشة لانها صورة شعبنا ام انها المثال الذي نحتذيه. ما من شك في ان الانسان العادي والخائف بسبب فقره او عدم امانه ينجذب الى القوي ليقلده. وما من شك في ان الناس على دين ملوكهم ويقولون عند تعبهم اذا كان امراء السياسة هم هكذا فكيف نكون افضل منهم ولهم في الدنيا متع ونفوذ والبعض عندهم مال ويعطى النواب تعويضات يرثها اولادهم واراملهم من بعدهم مع ان الكثير منهم يجني اموالا من مكتبه او المصارف.

واذا رأيت العظيم في قومك يهدر ما يهدر حتى استعمل المصطلح الجاري فانت مغرى بالتشبيه بالعظام، والمعتبرين كذلك. فاذا كان الجالسون على الارائك لا يحسابون فتحاول انت ان تستشفعهم لئلا يحاسبك احد. في القانون الكنسي الذي يعود الى القرن الرابع عندنا ما مفاده ان الاكليريكي الذي لا يعرف بمخالفته الاسقف يجب ان يكشف خطيئته للاسقف ويطالب بمحاكمته عنها. بسبب التغاضي الكبير في لبنان عن الارتكابات ينمو عدم التقيد بالقانون او المطالبة بتطبيقه ليأس الناس من المراجع الادارية او القضائية ولايمانهم بان التعامل يكون على قاعدة التفريق بين الست والجارية.

هناك قناعة بان اهل الحكم طبقة مميزة وان الطبقية عندنا ليست بين الفقير والغني ولكنها بين الحاكم والمحكوم.

على رغم كل ذلك نحن شعب مسكين وفينا طيبون كثيرون. انا شاهد على فترات زمنية تعود الى ما قبل الحرب العالمية الثانية حيث كنت تجد الكثير من المستقيمين والطاهرين وحيث كنت تستدين مبالغ طائلة بالليرة العثمانية الذهبية بلا كتابة سند وكنت ترد الدين. انا شاهدت ذلك في الاوساط التي كنت اعيش فيها وكنت ارى الدقة والاستقامة في العمل الصناعي وقلة الرشوة في الدوائر وقناعة الناس بنزاهة القضاء. واتكلم هنا ايضا كشاهد ما يعني ان الشعب اللبناني ليس فاسدا في جوهره وان خطايا دخلت اليه ويمكنه التخلص منها ان ساعده اهل الحكم.

طبعا تتطلب هذه الطهارة اليوم شجاعة كبيرة وتقشفا كثيرا اذا تألفت حلقات من الطاهرين وضغطوا على الوضع السياسي وحضهم على التقوى العميقة المسؤولون الروحيون في كل الاديان.

الحث على نقاوة القلب والعيش امر لا يحتمل ارجاء ان لم نتوقف حصرا على الازمة السياسية الحالة فينا اليوم. فلكل زمان صعوباته وما يبدو مآزقه. لكن الانسان ليس اسير المأزق. ماذا ينفع الانسان لو حللنا كل المشاكل العابرة مهما قست وخسرنا نفسنا. انت تحيا بالله في الضيق والفرج، تحيا مصلوبا او قائما من بين الاموات. ونرجو الرب ونحن في الجراح ان يرفع عنا النير الذي وضع على اعناقنا ليزداد تعلقنا بالكلام الذي نزل على من اصطفاهم ربهم فكان بهم الينا وكنا اليه.

نحن جميعا ومعا خلاص لبنان اذا اردنا ذلك فالله يريد ذلك. متى نتعلم ان الباطل باطل وان الحق حق. مرة قالت لي امرأة عجوز: "ان كان الكذب ينجي فالصدق ينجي اكثر واكثر". هل سمعنا الى هذه الحكيمة المصطفاة!

النهار (25 08 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

مجتمع بلا دماء

العطاء الواحد للوطن

لقـطات ورؤى

المقاومة ولبنان الآتي

 

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى