|
|
|
آخر تحديث Saturday September 02, 2006 الساعة 09:25:30 AM |
|
أزمة رئاسة أم أزمة مارونية؟ أدمون صعب "يجب ألا ندع أنفسنا تتعقّد بالصعاب العابرة. فنحن وجيراننا مدعوون الى الاضطلاع بدور أكثر جدية في العالم". ميشال شيحا (23 تموز 1949) كمن "يمزمز" كأسا من الشراب، يتصرف المرشحون الموارنة للرئاسة الاولى، موحين أن الرئاسة برنامج، وأن في وسع الرئيس الماروني تنفيذ أي برنامج يطرحه على الرأي العام، كما يحصل في الدول التي ينتخب الشعب فيها رؤساءه بالاقتراع المباشر. في حين ان البرنامج المطلوب للرئيس في نظام كالنظام اللبناني الرئيس فيه أقرب الى رئيس دائرة بروتوكول منه الى حاكم، هو برنامج حكم يشارك في وضعه ثلاثة شركاء بالتكافل والتضامن في ما بينهم: زعيم ماروني وزعيم شيعي وزعيم سني. ويتفق هؤلاء على برنامج الحكم على أساس ان كل واحد منهم يؤهّل نفسه لتولي المنصب المعد لطائفته في هرم السلطة. وقد أثبتت التجربة، وخصوصا مع الرئيس اميل لحود، ان خطاب القسم - البرنامج كان موضوع انشاء تُلي في "مهرجان إلقاء" في مجلس النواب، ولم يكن الرئيس مقتنعا به ليس لأنه من نظم سواه وتلحينه، بل لإدراكه ان رئيس الجمهورية في نظام الطائف لم يعد رئيسا، ولا حاكما، ولا شريكا في حكم، وان نقل السلطة من رئاسة الجمهورية المارونية الى مجلس الوزراء مجتمعا كان خدعة كبرى، لأنه كرس حكم المنتصرين في الحرب على المنهزمين والمنصاعين للابتزاز السوري: تقبلون أيها الموارنة بالتنازل عن صلاحيات رئيس الجمهورية وامتيازاته او تستمر آلة القتل والتدمير؟ وإذ لم يكن لدى البطريركية المارونية سوى خيار واحد هو وقف القتل والتدمير، فقد قبلت بصيغة الطائف على أساس معادلة: الاصلاحات السياسية في مقابل استعادة السيادة ممثلة بالانسحاب السوري. وجرى تكريس الخدعة للموارنة من خلال أمرين أساسيين. الاول فرض الاصلاحات دون الانسحاب السوري بعد عامين من اقرارها. والثاني عدم اجراء انتخابات نيابية حرة ونزيهة بموجب قانون جديد للانتخاب يحقق التمثيل الحقيقي ويعيد الى المسيحيين عموما والموارنة خصوصا التوازن المفقود في الحكم. وبعد تعيين النواب لاكمال العدد في المجلس الجديد بدل انتخابهم لامرار الاصلاحات وتثبيت نظام الوصاية، جرى اعداد قوانين للانتخاب تكرس تعيين النواب الذين كان يختارهم نظام الوصاية، وكان اهمها على الاطلاق القانون المعروف بـ"قانون غازي كنعان" الذي أجريت على أساسه ويا للأسف الانتخابات النيابية الاخيرة بعد انسحاب القوات السورية من لبنان، والتي أغرقت نتائجها البلاد في الفوضى المؤسساتية التي نعاني منذ قرابة سنة. والى المجتهدين في تدبيج البرامج، مع احترامنا لهم وتمنياتنا لو أن النظام اللبناني نظام رئاسي يُنتخب فيه الرئيس مباشرة من الشعب على أساس برنامجه ويحاسب بموجبه في نهاية ولايته وخلالها – نقول ان تجربة الحكم مع الرئيس اميل لحود بعد التجديد السوري القسري له ومقاطعة الاكثرية النيابية والكثير من الدول الكبرى للرجل المقيم في بعبدا، قد أثبتت ان الرئيس الماروني هو حامل أختام لا أكثر ولا أقل، بدليل حاجة مجلس الوزراء، مقر القرار، الى توقيعه في بعض الأحيان مع الاستعداد لتجاوز هذا الأمر، وإن تسبب ذلك باستياء في بعض الاوساط المارونية التي تنظر الى الموقع الرئاسي كموقع واجب الاحترام من الجميع بصرف النظر عن الشخص الذي يشغله. والى حامل الاختام، ظهرت الحاجة الى تزويد السفراء لدى الدول الاجنبية كتب اعتماد لقبولهم ممثلين لبلدهم لديها. على أن استقبال الزوار، على تنوعهم، وتقليد الاوسمة ليسا من الحاجات الاساسية للحكم. وهل من حالة بائسة أسوأ من هذه الحالة التي وصلت اليها الرئاسة المارونية، في موازاة سلطتين حقيقيتين ودورين مهمين في الحكم للرئاستين الاخريين في مختلف الميادين، بحيث أن تعطيل أي منهما من شأنه تعطيل الدولة بكاملها؟ بل أكثر من ذلك، هل تستحق هذه الرئاسة، بوضعها الحاضر، ان يستشهد من أجلها رئيسان كبيران، هما الشيخ بشير الجميل ورينه معوض، ويرسل قائدان الى المنفى (ميشال عون) والسجن الظالم (سمير جعجع) من أجل ان يرئِّس نظام الوصاية النائب الماروني "المستقل" الياس الهراوي على عرش بعبدا وكيلا كامل الاوصاف لهذا النظام، فينتهي مُتهما وهو يغادر قصر بعبدا بأنه أخذ معه مجموعة منافض للسجاير، ثم يعتب على الرئيس الذي خلفه بأنه لم يدافع عنه بعدما نفت بعبدا ان يكون الهراوي أخذ معه المنافض؟ وأكثر من الأكثر، هل هناك بين الزعماء الموارنة المتحفزين لاقتحام بعبدا بالبرامج والوعود والتمنيات والالتزامات، مع تكرار احترامنا للجميع، من يسأل لماذا لم يخرج رئيس واحد من بعبدا بطريقة طبيعية وبسمعة مثل المسك، من الشيخ بشارة الخوري حتى اميل لحود؟ وكأن في المركز شيئا غير طبيعي ! إنها صورة غير مُرضية، بل محزنة، تُظهر المدى الذي بلغه التشوه في الصيغة، خصوصا بعد الطائف. وإذ تجاهل معظم القادة الموارنة أن أزمة الرئاسة ليست أزمة رئيس يُدعى اميل لحود هو من بقايا نظام الوصاية وقد كان صنيعته، بل هي أزمة نظام جرى تعديله في الطائف في ضوء ما هي مقبلة عليه المنطقة بعد الثورة الاسلامية في ايران والتخوف الذي أبدته أنظمة غير شيعية في المنطقة من تصدير تلك الثورة الى الدول المجاورة، لذلك فان ما تعانيه اليوم، على ما وصفه وزير العدل شارل رزق، هو أزمة كيان ونظام وليس مجرد خلافات سياسية عابرة. ورأى أن لا بد من اعادة قراءة الطائف والمبادرة الى وضع قانون للانتخاب يؤمّن انبثاق سلطة جديدة تحقق فعلا ما رمى اليه الطائف من أن مجلس الوزراء هو المكان الذي يُتخذ فيه القرار بمشاركة الاطراف المكونين للنظام بواسطة ممثليهم الفعليين. أليس مؤشرا واضحا الى سوء النظام الانتخابي الحالي انه لم ينتج شخصية مؤهلة لتولي منصب وزير المال مجلس النواب حتى عين جهاد أزعور في الحكومة الحالية من خارج المجلس، وقبله دميانوس قطار، وقبله جورج قرم، علما أن النظام الديموقراطي هو نظام نوعي وليس نظام احصاء رؤوس، والدليل على ذلك الورطة التي تسبب فيها للحكم في فلسطين وكذلك في العراق؟ وكان يفترض في الزعماء الموارنة ان يعتبروا مما حلَّ بالصيغة منذ فُرض الاستسلام عليهم في الطائف لوقف الحرب وابتزازهم، من سوريا في الدرجة الاولى، للقبول بحرمانهم حقوقا مشروعة داخل النظام يتمتع بمثلها شركاؤهم في الصيغة، الامر الذي أوصلنا الى الحالة التي نواجه اليوم وما يلفّها من خطر عدم الوصول الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية وسط الانقسام الحاد في البلاد، مشيرين الى انه ثبت أن رئيس الجمهورية – أيا يكن رأينا فيه وهو معروف من زمان – لا يستطيع السفر الى نيويورك للمشاركة في الجمعية العمومية للأمم المتحدة إلا اذا "سمح" له رئيس الوزراء بذلك لأن في يده مفتاح الخزنة. واذا سمح له فبشروط خفض عدد السيارات (!) التي سيستخدمها، علما أن ثمة طمعا في الدولة لا مجال لإنكاره، لجهة الحاشية التي يصر الرئيس على أن ترافقه، من داخل العائلة وخارجها. وربما كان الاستحقاق الرئاسي فرصة ذهبية لأن يجمع السيد البطريرك الزعماء الموارنة لا ليطلب منهم الاتفاق على مرشح للرئاسة، بل ليتداول وإياهم أمر الرئاسة وما انتهت اليه، والموقع الذي باتت تحتله بين الرئاسات الثلاث، وما اذا كان الطائف بعد قرابة عقدين على انجازه قد حقق طموحات اللبنانيين بجعل القرار السياسي مشاركة داخل مجلس الوزراء، وتحويل الامتيازات التي تخلّى عنها الموارنة الى الدولة وليس الى الطائفتين الاخريين، كما حصل فعلا منذ بدء العمل بالطائف وحيث بات في المستطاع الاستغناء عن الرئاسة والرئيس والحُكم برأس واحد يستأثر بالسلطة او برأسين يتقاسمانها، وأظهرت التجربة أخيرا ان الدولة لا تحتاج الى رئيس! لقد آن الأوان ليدرك الجميع أن ثمة أزمة لا يمكن الخروج منها إلا بالحوار العقلاني وبالاتفاق على سلة من الحلول، وأن مجرد انتخاب رئيس جديد للجمهورية لن "يشيل الزير من البير". النهار (31 08 2007) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||