|
|
|
آخر تحديث Saturday September 02, 2006 الساعة 09:30:55 AM |
|
على النخبة اعتزال الفتنة الفضل شلق تنتمي البلدان العربية إلى الجامعة العربية. لكن بعضها يخوض خارجها معركة حياة أو موت. صراع على السلطة ربما ينتج عنه السقوط للبعض. إسقاط بعض الأنظمة يجر للضعف في المنظومة العربية كلها. هذا العراق يشهد على ذلك. ولا ننسى أن الصراع في اليمن أنهك الجميع مما أدى إلى إنهاك القدرة على المواجهة في العام 1967 عام الهزيمة الكبرى التي جرّت وراءها كل الهزائم الأخرى وجميع اتفاقيات السلام الاستسلامية وفقدان الأمل بحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية. انتقل الصراع إلى التهديدات المتبادلة بالقيام بأعمال عنف. وقد كان أجدى أن يبقى الصراع حواراً في أروقة الجامعة العربية. فذلك أرقى وأكثر أمناً بالنسبة للمواطن العادي الذي يهمه الأمن قبل كل شيء، والذي يهمه الحياة الحرة الكريمة فوق الأمن. رضينا بالأول رغم عدم تحقق الثاني. لم يكن الرضا عن اقتناع بل عن رضا قسري بما هو مقدّر لهذه الشعوب خارج إدارتها. تتشارك أنظمة الجامعة العربية، سواء كانت رجعية أو تقدمية، يسارية أو يمينية (وغير ذلك من النعوت التي لم تعد تعني الكثير) في سمتين بارزتين. أولاهما: غلبة القطاع العام على الدولة والقطاع الخاص، ثانيتهما غلبة المذهب الديني أو القومي على الفرد والمجتمع لصالح الدولة. تصادر الدولة مقولة الدين هنا ومقولة القومية هناك، ثم تصادر عن طريقهما الجمهور؛ تخضعه، تعيق أفقه، وتقمع كل من تسوِّل له نفسه التفكير في غير ما يُراد له. بالطبع يفرض كل نظام أن يمارس المواطن قمع ذاته بالتشبّع بإيديولوجيا وسياسات النظام، الأمر الذي يخفف أعباء السلطة في ممارسة حقها بالقمع واستخدام العنف. تحتكر الدولة وسائل العنف، لكنها عندما تصادر الدولة وتجعلها وراثية سواء في بلد جمهوري أو ملكي، فإنها تحوّل الجيش إلى ميليشيا. مع نشأة ميليشيا في مكان ما يمكن أن تنشأ ميليشيات أخرى في أمكنة ما في نفس البلد. تعدد الميليشيات في البلد نفسه يمكن أن يقود إلى إمكان حرب أهلية تهدد استقرار البلد المعني. مع تزايد الميليشيات المحلية يضعف وضع البلد أمام القوى الخارجية، بل يصير كل بلد بحاجة لحماية خارجية من أجل المحافظة على البقاء في السلطة. الصراع على السلطة بين الأنظمة العربية على أرض واحدة منها، أو على أرض بلد آخر هو نوع من الفتنة العربية ـ العربية. الاعتزال في الفتنة هو الموقف الصحيح منذ سعد بن أبي وقاص مهما كانت المبررات الإيديولوجية، خاصة وأن المقارنة الإيديولوجية تظهر تشابهاً أكثر مما تظهر افتراقات. لذلك وجبت التسوية من أجل الحفاظ على الاستقرار مهما كانت مبررات الصراع. جعلوا الأمن أولوية أولى وعلينا أن نجعل الاستقرار أولوية أولى للجمهور. السؤال هو ماذا تعمل النخب العربية، وكيف تنظم نفسها للعمل من أجل درء الفتنة وتحقيق الاستقرار. والجميع يعرف أن تكرار التجربة العراقية والفلسطينية (وربما اللبنانية) في أي بلد عربي آخر سيجر الخراب على الجميع. سيكون خراباً إذا اصطفت النخب الثقافية والسياسية العربية في صراع عربي عربي. سيعنى الاصطفاف والاستقطاب المساهمة في فتنة مدمرة للجميع مهما كانت النتائج القريبة المدى هنا أو هناك. من مفارقات الوضع العربي أن الأمة العربية، بخلاف أمم الأرض الأخرى، ما زالت تخوض حرب تحرر وطني (وفي مواجهة كل احتلال يتوجب أن تكون هناك حروب تحرر وطني) لكن البلدان العربية تمتلك دولاً لا مجرد حركات تحرر وطني. كثيراً ما تتصادم حركات التحرر الوطني مع سلطة الدولة، بسبب اختلاف كل منهما في المنهج والرؤية. مهمة حركات التحرر الوطني هي التحرير من الاحتلال وحسب. أما مهمة الدولة فهي التنمية بالدرجة الأولى. وعلى المدى الطويل هي التنمية بما يتيح الانتصار وتحقيق الأهداف، ومنها طرد الاحتلال وتحرير فلسطين وكل أرض محتلة. كيف نزاوج بين مهام التحرير والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في آن معاً. السؤال الذي يتطلّب جواباً معقداً. يبدو الجواب المعقد صعباً بالنسبة لنخب ثقافية وسياسية لم تتعوّد إلا الأجوبة السهلة المبسطة. المطلوب نخب تعتزل الفتنة أولاً، ثم تفكر وتبحث وتمحّص وتقدم حلولاً. نخب تمسك بالمعرفة بيد، وتقدم باليد الأخرى حلولاً وأفكار تسوية. من المؤسف أن نرى نخباً تجيّر أفكارها لصالح هذا الفريق المتصارع أو ذاك. الفائدة المباشرة لمن يفعل ذلك لا تساوي الأضرار التي قد تصيب الأمة من صراع أهلي. في صراع أهلي لا مكان للمثقف الجدي الذي يتحمّل مسؤولية أقواله سوى الاعتزال والقعود، شرط إمعان العقل في التفكير والبحث والتحليل في محاولة لإيجاد الحلول وطرحها. الشجاعة ليست بالمشاركة في صراعات أهلية، بل هي في المساهمة في مواجهة أعداء الأمة. وهذه الأمة تواجه قوى خارجية تهدف إلى نشر الفوضى والدمار. الشجاعة هي في طرح التسويات. هل بقي لدينا مثقفون ما زالوا يحافظون على شجاعتهم ويتحلون بروح المسؤولية ويستنكفون عن خدمة السلطة مهما كانت، مثقفون لديهم العدة الفكرية التي تفرضهم على أهل السلطة ولو كانت آراؤهم مختلفة. بالمعرفة وحدها يفرض المثقف نفسه (أو يعتزل) على السلطة. هل لدينا الكثير من المثقفين من أهل المعرفة بجميع أنواعها: التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية إلخ...؟ في هذه الأيام، على النخب الثقافية أن تبرهن على مدى كونها نخباً عارفة وعلى كونها ملتزمة بقضايا أمتها؟ والعنوان هو اعتزال الفتنة. السفير (31 08 2007) |
|
||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||