القنبلة التي فجّرها الرئيس البرّي بمبادرته البعلبكية، هل دمّرت آخر معالم العصفورية الدستورية، فلم يعد في وسع رئيس جمهورية اللاشرعية الدولية تهديدنا بمستحدثاته ومبتكراته لتمديد عهده الميمون ولم يعد أمامه سوى الخضوع لقرار انتخاب رئيس جمهورية التوافق... متى عقل زعماء الافرقاء المتصارعين الذين فتحت لهم "قنبلة السلام" الطريق الوسيع الى المصالحة والعودة الى الحكم الدستوري المستقيم، وترميمه واصلاحه من دون كثير شروط مسبقة، غير ما صار مسلّماً به ومتفقاً عليه؟
•••
فحكومة الاتحاد الوطني ستكون النتيجة الطبيعية الأولى لانتخاب رئيس التوافق، ومن بعدها يجري تعديل قانون الانتخاب الذي يصير اجراء انتخابات مبكرة بموجبه أمراً طبيعياً له مترتباته الايجابية، وأولها، نرجو، انشاء مجلس شيوخ يساهم وجوده في معالجة، بل حل قضية الطائفية ووضع مجلس النواب والجمهورية برمّتها على درب الحكم المدني العلماني التي علّمنا الاختبار التركي انه يصير ملزماً حتى لمن يظن انه انتخب على الاساس النقيض له...
و"الغاء الطائفية" يستمر عملية صعبة – فلا نغشّنَّ النفس بالعكس – لكنها ممكنة تاريخياً وكيانياً اذا نزّلنا جميعاً في القلب والعقل المعادلة المستوحاة من تراث الإمام موسى الصدر الذي استلهمه الرئيس برّي ولو مغيّباً... والمعادلة هذه تلخّص في الايمان العملي بأننا نتحرر من العصبيات القبلية الطائفية بنسبة ما نلتزم المزيد من الايمان بالله وبأنه الواحد الأحد وبأن الرجوع الى التعبّد الروحاني في الايمان به – ولو تعددت اديانه – يطهّر نفوسنا من العنف وشروره ويلزمها المحبة والتواصل في الايمان، بدل الحقد ومناصبة بعضنا العداء للبعض الآخر.
وهكذا يصير لبناننا امة الرسالة، رسالة المحبة والسلام، بدل ان يستمر ساحة الحروب العبثية والمنازلات المجنونة التي لا سلم بعدها ولا نصر لغالب على مغلوب ولا بقية بعدها من القبس الالهي في النفوس، كل النفوس، مهما ادّعينا!
•••
أما كيف نسلك عملياً هذا الطريق، فبإلجاء الرئيس بري، صاحب المبادرة، الى تسليم مفاتيح الشرعية البرلمانية الى المتحاورين لكي يتوافقوا متوسّلين آلية يهندسها بالتشاور معهم ومع الحكومة التي يعيد بناء الجسور بينها وبين مجلس النواب ولو هدر على هذا الطريق عصبيات اللاشرعية واللادستورية التي نرفض وراثتها عن العصفورية اللحودية التعيسة الذكر... ومتى كان سيّدها يحلم باستنجاب "حكم موحّد" موقت انما يدوم، مختصراً في زي للسلطات كلها بحيث تتمثل في شخصه الكريم...
وبديل ذلك، ماذا يمنع، ولو اتهمونا بالحنين الى الماضي الديمقراطي الذي كان لفترة غير قصيرة زاهراً مزهواً...
ماذا يمنع ان ندعو، بعد الانتخابات المبكرة او خلالها الى ان تختلط القوى وتتوزع في تكتلين برلمانيين كما أيام الجمهورية الأولى وصولاً الى جمهورية الاستقلال: كتلة دستورية متعددة الطائفة، ومثلها في التعددية كتلة وطنية كادت عام 1932 أن تنتخب مفتياً لرئاسة الجمهورية؟
•••
وننطلق عملياً على الطريق الى الوفاق بشكر الذين كانوا يلوّحون لنا بمؤتمر دولي – اقليمي، فنقول لهم (ربما في رعاية الجامعة العربية وحدها) اننا استمعنا الى النصيحة والقرار الذي كانوا يعدّونه وها نحن توافقنا من غير ان يأتمروا ولا ان نأتمر...
ونقول لمن يستزيد ان حسبنا من المؤتمر اننا لا نعتبر وفاقنا مؤامرة على سوريا، فدونها اذاً والمصالحة مع سائر العرب، لا نريد ان يكون لبنان المستقل سبب خصام!
ونقول لايران ان حسبها ان تدرك ان لا فائدة لها من ان تستمر تفاوض من أجل تصنيع القنبلة الذرية، في حين تتفجر القنبلة الذرية الحقيقية في ميدان صراعاتها – أي القنبلة اللبنانية وقنبلة الحرب المذهبية التي لن يبقي ارهابها أخضر ولا يابساً في المدى الجغرافي المقدّس الذي هو الأرض العربية والاسلامية بكليتها، وعاصمتها القدس المنذورة للمسيحية كما للاسلام!
ونقول أخيراً، وليس آخراً للمملكة السعودية، ان ذروة ديبلوماسيتها "المكيّة" التي كانت قد بدأت تنجب سلاماً في فلسطين أهدره تواطؤ موضوعي شيطاني بين العدو الاسرائيلي وبعض العرب – ولا حاجة الى تسميات!–...
نقول لها أن ذروة هذه الديبلوماسية هي السلام اللبناني، لأنه مفتاح السلام السوري ومنه السلام الفلسطيني وصولاً الى السلام العراقي فاليمني، فالسوداني.... وهي بذلك كله أعلم، فلنبتهل الى الله ولنُقدم على المصالحات، كل المصالحات، مقتصدين بكلفة المؤتمرات، بل المؤامرات كذلك التي تستمر تفترسنا ضحايا بريئة، الواحد تلو الآخر ونحن نبكي ونتباكى صاغرين!!!
•••
وختاماً، هذه العبارة من وحي الإمام موسى الصدر والسيد محمد مهدي شمس الدين: ان توحيد العالم العربي يسهل، من الخليج الى المحيط، اذا سلّمنا بأن يكون في دولتين لا دولة واحدة، الدولة العربية الكبرى الشاملة، ودولة لبنان السيّد المستقل التي تحرس الدولة العربية الموحدة، ويحرس العالم حدودها وذاتيتها المميزة بقدسيتها.
ويعود العرب اذذاك الى صناعة التاريخ الذي بدا الى حين انهم استقالوا منه ومن جغرافيته كذلك.
طريق العودة، لمن يدرك أسرار التاريخ والجغرافيا، يبدأ من بيروت...
من حيث انطلقت النهضة العربية من قرنين، ومن حيث كانت الشهادات على المشانق، وقد وحّد الايمان الاستقلالي النهضوي بين الطوائف والحزبيات.
النهار (03 09 2007)
