|
|
|
آخر تحديث Friday September 08, 2006 الساعة 10:51:01 AM |
|
عندما يصب البارد في البوسفور ! أدمون صعب "ان الذين يبلغون أعلى درجات اليأس لا يفقدون الأمل ابداً". (مثل انكليزي) مرة أخرى تجذبنا اليها اسطنبول فنلبي نداء البوسفور لا لنشهد استعادة لالقاء السلطان عبد الحميد التنابل الذين كانوا يملأون الارصفة كسالى يرفضون القيام بأي اعمال، في البوسفور بدلاً من ايجاد اعمال لهم. ولا لنحضر في السرايات التي تحولت مرابع ومطاعم ومقاهي تزدحم فيها افواج السياح ورجال الاعمال لاستعادة حكاية "شفيق يدعوك"، والتي كان فيها زوار الليل يقتادون معارضي السلطان الى البوسفور كذلك... تماما كما كان يحصل ايام "سفر برلك"، بل لنشهد تحول اسطنبول مدينة عصرية في ظل "العهد الاسلامي" الجديد الذي دشنه دخول الرئيس المسلم عبدالله غُلّ الى القصر الجمهوري، على رغم انه محوط من كل الجهات بأتاتورك ابي النظام العلماني الذي تشع صوره المضاءة على كل جدران المدينة. وكذلك لنشهد تحول تركيا مركزاً مهما لرجال الاعمال من الشرق والغرب وجسراً للتلاقي كما كان البوسفور، ولا يزال، معبراً من البحار والمياه الباردة الى الحياة الدافئة، في ظل استعداد تركيا للوصول الى الاتحاد الاوروبي انطلاقاً من الليرة الجديدة التي باتت تساوي قرابة 80 في المئة من الدولار، بينما كانت مثل الليرة اللبنانية، اي ان رزمة من الليرات بمئات الآلاف لا تشتري دولارا. وهي باتت الآن قريبة جداً من الاورو، وقد ادى ذلك الى بحبوحة تركية، رغم ارتفاع اسعار جميع الحاجيات. الى هذه الخلية من الاعمال انجذبت مجموعة من المفكرين والصحافيين والاعلاميين والعسكريين السابقين في مقدمهم الجنرال آلان بليغريني القائد السابق للقوة الدولية (يونيفيل) العاملة في جنوب لبنان، والسفراء السابقين وفي مقدمهم الاخضر الابرهيمي الذي يعرفه اللبنانيون جيداً والذي عمل مستشاراً لدى الامين العام للأمم المتحدة وقد اوفد الى العراق ممثلاً له عام 2004، وهو حالياً خبير زائر في معهد الدراسات المتقدمة في جامعة برنستون الاميركية الى ساره ليه ويتسون المديرة التنفيذية في مؤسسة "هيومان رايتس ووتش" التي اثار تقريرها عن سلوك "حزب الله"، حيال المدنيين الاسرائيليين خلال حرب تموز من العام الفائت ضجة كبيرة في بيروت ومنعت من عقد مؤتمر صحافي فيها لتقديم التقرير... وكان هنالك فلسطينيون واسرائيليون من دعاة السلام ومن المناهضين للحرب ولايذاء المدنيين الى اي فئة انتموا. كذلك حضر اردنيون ومصريون واميركيون وكنديون وايرانيون والمان معنيون بحقوق الانسان وحماية المدنيين، اضافة الى خبراء لدى الأمم المتحدة والجامعة العربية في شؤون الحماية والقضايا الانسانية، وباحثين في قضايا السلام وتحديث الحوكمة الدولية. وقد جذبتهم الى اسطنبول وضفاف البوسفور دعوة مشتركة من الدكتورة بولين هـ. بايكر رئيسة "الصندوق من اجل السلام" الذي تأسس قبل 50 سنة لمنع الحروب والتخفيف من اسباب حصولها. وهو يعمل من اجل نشر العدالة الاجتماعية واحترام مبادىء الديموقراطية الدستورية. اما الشريك في هذه الدعوة فكان السفير بول هاين بايكر السفير السابق لكندا في الامم المتحدة ورئيس المركز الدولي لتحديث الحوكمة تحت شعار "بناء افكار من اجل تغيير شامل". وقد تأسس المركز عام 2001 من اجل توفير حلول لبعض تحديات الحكم في العالم، وهو يضم مجموعة من الشخصيات القيادية ويتخذ من واترلو بانتاريو في كندا مقراً له. وقد عقد "لقاء البوسفور" للبحث في موضوع واحد هو "حماية المدنيين في حالات النزاع: الشرق الاوسط". وقد بدا عقده عشية تحقيق الجيش انتصاره على الارهابيين في نهر البارد، والخروج منه دافعاً من دم شهدائه ضمانا لحماية ارواح المدنيين الابرياء، بمن فيهم افراد عائلات الارهابيين الذين كانوا يحتمون بهم. بدا عقده في هذا الموعد (بين 4 ايلول و6 منه) وكأنه يريد ان يستخلص من تجربة الجيش ولبنان، حكومة ومجتمعاً مدنياً، درسا للشرق الاوسط، ولاسرائيل بنوع خاص ثم للاميركيين ومنها لبقية انحاء العالم، في حماية المدنيين، واحترام شرعة حقوق الانسان والاتفاقات والمعاهدات وفي مقدمها معاهدة جنيف التي تحمي المدنيين وتوفر حماية للاسرى في حالات النزاع المسلح، فضلا عن تحييد غير المقاتلين. واذ طرحت افكار كثيرة حول تحديد المدنيين وما هو مسموح وما هو ممنوع في استهداف المناطق المدنية مثل التساؤل: ما ذنب الاشجار التي يقتلعها الاسرائيليون في فلسطين انتقاما من الانتحاريين او مطلقي صواريخ "القسام" بعد تهديمهم منازل ذوي الانتحاريين، ثم منع المقاتلين (وهم مدنيون كما في وضع "حزب الله" في الجنوب) السكان العزل في القرى من المغادرة، حيث يستعمل هؤلاء "دروعاً للوقاية" او نقل المعارك واطلاق الصواريخ الى القرى غير المشاركة في المعارك مما يتسبب في تعريض المدنيين فيها للأخطار. ولعل المقارنة البارزة والتي كانت مثالا يحتذى هي تلك التي كانت بين تصرف اسرائيل في حرب تموز حيال المدنيين واستهداف المناطق السكنية والاحياء المكتظة بالناس، وقصف مواكب النازحين بموافقتها وايقاع ضحايا في صفوفهم، اضافة الى الجسور والطرق والمعامل وخزانات الوقود وخزانات المياه والمراكز الطبية وسيارات الاسعاف، اضافة الى زرعها الألغام والقائها ملايين القنابل العنقودية الفتاكة وخصوصاً في الاطفال والمحرمة دولياً - في مقابل ما حصل في نهر البارد حيث قتل وذبح 23 عنصراً من الجيش صباح 20 ايار الماضي وكان مفترضاً بحسب قانون الانتقام الاسرائيلي السن بالسن والعين بالعين، اي ان يهاجم الجيش المخيم ويقتل من فيه انتقاماً لجنوده. الا ان الرد لم يكن هكذا. ففي دولة القانون تحركت الحكومة وكذلك المجتمع المدني لوضع الخطوط الحمر واولها عدم مهاجمة المخيم واخراج المدنيين منه، واعطاء اوامر الى الجيش لاعتقال الارهابيين، وليس قتلهم، لتقديمهم الى المحاكمة لينالوا جزاءهم على الجرائم التي ارتكبوها في حق الجيش. اضافة الى توفير الحماية لعائلات الارهابيين الذين لا ذنب لهم، وكذلك ضمان حماية الجرحى من المسلحين، باعتبارهم اسرى حرب، وعدم الانتقام منهم. علما ان لا احد ينسى مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982 انتقاما لاغتيال الرئيس الشيخ بشير الجميل، ولا مجزرة قانا الأولى في العام 1996 التي تلت مجزرة النبطية. وحيث في قانا هاجم الاسرائيليون بـ50 قذيفة هنغارين للقوى الفيدجية التابعة للقوة الدولية وقتلوا اكثر من 100 شخص بين طفل وامرأة ومسن لجأوا الى المقر الدولي. وكانت حصيلة النبطية وقانا 116 شهيداً وقد عضّ الجيش في معركة نهر البارد على جرحه واستمر في مقاتلة الارهابيين 105 ايام ضنا بأرواح المدنيين مع الاشارة الى الوعد بتعمير المخيم المهدم. فأين يحصل مثل هذا الامر؟ وكان لا بد في التوصيات من طرح فكرة رؤية تنبؤية استراتيجية قدمها السفير غسان تويني، رئيس بعثة لبنان الدائمة لدى الامم المتحدة في جلسة عقدتها الجمعية العمومية للمنظمة في 5 حزيران 1978، بعد 3 اشهر على صدور القرار 425 وتمثل صيغة مجددة لـ"الحياد الايجابي"، مختلفة عن صيغة الدول غير المنحازة التي اقرّت في مؤتمر باندونغ وكانت الجلسة مخصصة للبحث في نزع السلاح واقامة سلام دائم في العالم. وكان قال: "ان واجب مجلس الامن ان يحول دون ذبح دولة هي عضو في المنظمة. اذ ان اسرائيل لم تكتف بانتهاك القانون الدولي باجتياحها لبنان، بل هي خرقت معاهدة جنيف وكل القواعد الاخلاقية الدولية وكذلك حقوق الانسان باعتداءاتها على المدنيين وعلى اهداف مدنية بطريقة شرسة". وشرح "الحياد الايجابي" بالآتي: "انه اعادة صياغة لفكرة قديمة، فبالنسبة الى الدول الصغيرة ان مثل هذا الحياد، اذا نظر اليه خيارا دولياً من شأنه ان يشكل ضمانا للسلام. كما انه يقود الى الاستقرار والحرية والتقدم. وهذا المفهوم الجديد للحياد قابل للتطبيق على الارجح على الدول التي تنعكس النزاعات الخارجية على انقساماتها الداخلية، وحيث تقود هيكليتها الداخلية حتما الى حروب خارجية وحتى اهلية. ومثل هذا الحياد لا يمكن ان يتحقق ويضمن الا عبر الامم المتحدة التي عليها ان تتحمل مسؤولية جديدة هي: توفير حماية دولية للضعفاء في مواجهة الاقوياء، وللفقراء في مواجهة الاغنياء، وللمتخلفين (انمائيا) في مواجهة المتقدمين، وللمسالمين في مواجهة العدوانيين، وهذا المفهوم من الحياد يمكن ان يدول بطريقة ما، او يأخذ شكلا تدويليا". النهار (07 09 2007) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||