|
|
|
آخر تحديث Friday September 08, 2006 الساعة 11:06:18 AM |
|
هُزمت العصابة تبقى المشـكلة الفضل شلق انتهت مأساة نهر البارد. بدأت مأساة اخرى. عولجت التكفيرية الاسلامية بانتصار مبين. كيف تعالج التكفيرية اللبنانية. يبدو ان التكفيرية، المفترض ان تأثيرها كان محصوراً بين مقاتلي نهر البادر، تركت آثاراً واسعة على الوعي السائد. وهذا هو موجب الحديث عن هذه المأساة الاخرى، وهي مأساة اصابتنا في صميم وعينا. تنطلق التكفيرية الاسلامية من وعي يرى تقسيم المسلمين بين مؤمنين حقاً وآخرين ارتدوا الى جاهلية جديدة. اهل الجاهلية الجديدة تجدر هدايتهم بالقوة لا بالدعوة. فقد التكفيريون ملكة الحوار والدعوة، لجأوا الى العنف ضد العدو الاقرب، وحل العدو الاقرب (ابناء مجتمعهم الذين لا يوافقونهم الرأي) مكان العدو الابعد، الغرب الذي يحتل بضعة بلدان عربية واسلامية. سمعنا من قبل كلاماً عن تقسيم اللبنانيين بين «ثقافة الموت» و«ثقافة الحياة». تجاهل اصحاب هذا التقسيم ان هناك «ثقافة القتل» الاسرائيلية ـ الاميركية التي تنتج الاحتلالات وتبرر للحروب. تجاهل اصحاب هذا التقسيم ايضاً ان المقاومة نتيجة حتمية للاحتلال. ادانوا الضحية واهملوا ذكر القاتل. نسمع الآن كلاماً اوسع انتشاراً بين الناس حول تصنيف السكان بين لبناني وغير لبناني. بالطبع يستند هذا التصنيف، في الاساس، الى مواقف سياسية حادة، لكنه يجعل الموضوع جماعات بكاملها من المقيمين على الارض اللبنانية، من لبنانيين وغير لبنانيين. هناك اعداد كبيرة من اللبنانيين (ربما يشكل بعضهم طوائف بكاملها)، وهناك اعداد متزايدة من الذين خرجوا على طوائفهم، وكل من تراءى له رأي مغاير لاكثرية الطائفة. كل هؤلاء يجب اسكاتهم، حتى لو استخدمت ضدهم وسائل العنف، وهناك انتشار للسلاح يتيح استخدام العنف ضد المغايرين. من حسن الحظ ان العنف المادي لم يستخدم باتساع حتى الآن. لكن العنف الكلامي الذي يتم استحضاره، وهناك من يعمل على تأجيجه، هو ما يتسم بالخطورة. والامر سيزداد سوءا عندما تلجأ اجهزة معتمدة للتصفيات على اساس الرأي. ان المواطنة في لبنان وفي اي بلد لا تستلزم اكثر من حمل بطاقة الهوية وطاعة القوانين ودفع الضرائب. اما الرأي فهو لا يدخل في تعريف المواطنة. فهل يحق لاحد ادانة آخر بعدم اللبنانية، الا اذا كان الذي يوجه الادانة ذا خلفية ايديولوجية تدفعه الى ادانة الآخرين المخالفين وتكفيرهم واستخدام وسائل ضغط معنوية ومادية من خارج القوانين والدستور؟ ما عاد بالامكان اجراء محادثة عادية هادئة او حتى مؤدبة بين لبنانيين من طوائف مختلفة، او بين لبناني وفلسطيني، او بين لبناني غير ارمني ولبناني ارمني. العنف الكلامي يسيطر على كل محادثة. حروب اهلية يخشى من نتائجها حتى ولو لم تتطور الى استخدام وسائل العنف. يعبر العنف الكلامي عن احقاد مفتعلة وعن كره متبادل مصطنع. كل ذلك يشل الحياة السياسية، ويمنع مناقشة القضايا الاساسية الجدية. يجعل الحوار مستحيلاً، بل يجعل السياسة غير ممكنة. وكل «حوار» على برامج التلفزيون المسائية هو نوع من التراشق الذي يساهم في التشنجات. تلعب النخب الثقافية ومن بينها جمعيات المجتمع المدني، دوراً سيئاً في هذا الجو. افترضت جمعيات المجتمع المدني وبقية النخب دوراً وسيطاً لنفسها بين المجتمع والدولة، رغم انها غير منتخبة. لكنها اقتطعت دوراً لها في الحياة العامة وخالفت الاسس التي كانت قاعدة الدور الوسيط. صارت اطرافاً تعمل لدى افرقاء الطبقة السياسية التي تحرض وتثير وتصنع الغرائز التي تؤدي بدورها الى ان تصير الحقائق مجرد وجهات نظر بغض النظر عن الوقائع. ان الإعمار في مخيم نهر البارد، او في الجنوب والضاحية وبقية المناطق مسألة تقنية. التقنيون ينفذون ما تكلفهم به السلطة السياسية. الجانب التقني هو الامر الاسهل، سواء توفر التمويل الخارجي ام لم يتوفر. اما الجانب السياسي فهو الامر الاصعب حين يجري العمل عن سابق تصور وتصميم لإلغاء الاسس التي تقوم عليها الدولة السياسية، والدولة لا تكون الا سياسية. في غياب التواصل السياسي يصبح كل شيء صعب المنال. ويصير تحقيق اية مهمة تقنية شبه مستحيل. هُزمت عصابة «فتح الاسلام». وكان ذلك ضرورياً. وعلينا تهنئة الجيش وكل من ساهم في ذلك. يبقى المزاج العام التكفيري الذي يدفع الانقسامات الدينية والاثنية الى تطرف عرقي فاشي. يُفتعل هذا المزاج العام ويُغذى، وهو ما يفسر الحالة السوداوية التشاؤمية التي يعانيها الشعب اللبناني. دون معالجة هذا الامر، ودون تغيير جدي في خطاب الطبقة السياسية في لبنان، ستكون عودة السياسة الى الحياة العامة امراً بعيد المنال، وسيكون صعباً البناء ونهوض الدولة. السفير (07 09 2007) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||