نفضّل ألاّ نصدّق اتهام الحكيم سمير جعجع بأن حزب الله يدرّب أنصار حلفائه المعارضين على السلاح كي يمنعوا معاً انعقاد المجلس... ولأن من طبائعنا التفاؤل نرجو ونأمل أن ينتظر الحكيم برهاناً أو اعترافاً قبل أن يتهيأ ويهيّئ أنصاره للمواجهة المسلّحة، فيتعمّد الفريق الآخر التسلّح "احترازاً"... ويقع الجميع إذذاك في فخ الحلقة المفرغة الجهنمية التي نتفهم ان لا حق لأحد في استبعادها من غير استيثاق عمليّ مبنيّ، في النهاية، على توافق على الأمل بالاستحقاق.
ولأننا لا نشكّ في أن الرئيس نبيه برّي ليس على درجة من "الخفة" بل الاستخفاف تجعله يدعو المجلس الى الانعقاد من غير أن يؤمّن سلامة الهيئة الدستورية التي يرئسها، ندعو حزب الله الى الرد على الحكيم جعجع بمثل الحكمة التي نحب ان نفترض، بحسن نية، ان الفريقين يتمتعان بها، فلا يجرّ واحدهما الآخر الى الانتحار المتبادل المبنيّ على قلة ثقة متبادلة ربما كان لها ما يبررها... ولكن ليس الى حدّ اليأس من حد أدنى من "الحكمة الجماعية" التي يمكن استدعاؤها، ولا نقول اصطناعها، لأنها كامنة في هذا الشعب الذي تغلّب على عقود من اشنع الحروب وعرف كيف يخرج منها بالصلح الحلال وبقدر كافٍ من التصميم على الحياة والتغلّب على ثقافة الموت.
حسبنا برهاناً التفافنا الاجماعي – الذي شكّك الكثيرون في امكان الوصول اليه وإمكان استمراره – حول الجيش لرفضنا الاستسلام لما يعتبره سوانا حتميا انتصار الارهاب... والأمثلة كثيرة!
•••
إذاً: ممنوع اليأس، قلنا، ونكرّر.
ممنوع اليأس من اللبنانيين، كلهم معاً.
وممنوع اليأس من المؤسسات الدستورية، ولو أمعن بعضنا في محاولة تحويلها عصفورية، بل مهرجان جنون.
نستمر نحاول ولو اتهمونا بالسذاجة ونقول إنّ علينا، قبل التسليم بحتمية الانتحار وحتمية العجز عن مواجهة خطر الارهاب الا بإرهاب الذات...
علينا ان نستنفد كل أبواب النيات الصالحة، عند جميع القوى، حتى تلك التي ربما لها مصلحة لهذا الفريق أو ذاك في أن يتركها "تنتصر"، وفي ظنه أن انتصارها ليس انتصاراً لكل لبنان بل هو انتصار لبعضه على البعض الآخر.
•••
وانطلاقاً من ذلك، وفي سبيل ذلك، نقول إننا لا نطلب من أحدٍ أن يرى في الرئيس بري نبياً أو قديساً حتى نؤمن سلفاً بأنه على كل شيء قدير... ولكن، ثمناً لمحاولته ولأنها شعار الأمل الوحيد، علينا جميعاً ان نستمر نسلّفه ثقتنا ونساعده بالتفاؤل بالخير كي يستمرّ يحاول... وندعو له بالصلاة إلى الله علّه يلهم كل المؤمنين به العمل من أجل السلام والحرية واستعادة ما يمكن استعادته من الديموقراطية والدستورية التي بدونها لا بقاء للبنان؟
والله على كل شيء قدير، حتى ولو لم يطلب إليه ذلك المحازبون باسمه... ولعل تعزيتهم آنذاك في انهم يبرهنون بانتصارهم للحرية أن الذين ظنوا بهم سوءاً هم الذين يُهزمون لأنهم اذذاك يُسفَّهون!!!
•••
وبعد، كي لا يظن الجنرال عون أن أحداً لا يستمع إليه ولا يأخذ اعلانات النيات الحسنة من جانبه جدّياً، نتوجه إليه بكل ثقة وحسن نية طالبين منه أن يتولّى هو، بما لا يزال له من الصدقية، الردّ بالنفي والبرهان على الذين يقولون، ربما افتراء، إن حزب الله يسلّح حلفاءه، وهو أهمّهم، ويدرّبهم لمنع انتخاب رئيس للجمهورية يخرج بنا من العصفورية الدستورية.
نتوجّه إليه، دون سواه، لأنه عايش من موقع السلطة، في آب 1989 مثل الحال التي نُقبل عليها اليوم. اذذاك، كان المجلس مدعواً لانتخاب رئيس، (في 18 آب بالذات) فنشرت "القوات اللبنانية" حواجزها حول محيط البرلمان لمنع النواب من الوصول الى المجلس والاقتراع ونشر الجنرال عون حواجز من الجيش الذي كان بأمرته لمنع تلك الحواجز من منع النواب واختطافهم كما حصل مع البعض، ومنهم الشيخ ميخائيل الضاهر الذي كان مرشحاً. فلم يفلح الجيش في "منع المنع" وتأمين انعقاد الجلسة.
فهل يستجيب الجنرال النداء اليوم، ويتعهّد من حيث هو، وهو مَن هو الآن، منع المنع، عملياً وليس بمجرد توجيه نداء... وتالياً إنقاذ المبادرة البِرّية التي قال إنه رحّب بها، والمساهمة في توجيهها صوب ضمان الاستحقاق؟
أم تقوم مبادرة ذاتية من حزب الله تدل وتبرهن انه لا يهوى الانتحار، ولا يريده، لا له ولا لسواه، ولا خصوصاً للبنان، كل لبنان؟
***
لا نظننا نحلم. فقط نمتنع عن التشاؤم واليأس، وندعو الى سقي التفاؤل بماء الخير، قبل أن نغرقه في سيل الدماء!
وإذا كنا حقاً نريد رئيساً للتوافق، فماذا أسهل من التوافق على صون إرادة الحياة ومنع إرادة الانتحار، من أين تأتي؟
النهار (10 09 2007)
