|
|
|
آخر تحديث Tuesday September 12, 2006 الساعة 01:21:41 AM |
|
إنجازات "مبادرة برّي"... ومخاطرها: مقارنة بين منطقين أدونيس العكرة تختصر مبادرة الرئيس نبيه برّي بأن يتخلـّي فريق المعارضة عن مطلب توسيع الحكومة الحالية، في مقابل أن يعترف فريق الأكثرية بوجوب الثلثين لنصاب جلسة الانتخاب الرئاسي، وذلك من أجل استعادة عملية التشاور والحوار "توصّلا الى الاتفاق على اسم الرئيس العتيد". فما هو مغزى هذه المبادرة بالمنظار التوافقي؟ وما قيمتها؟ على الرغم من كل نقاط الخلاف وتنوعها بين الأطراف السياسية المتنازعة في لبنان، هناك اتفاق بينهم شبه تام حول الإقرار بكون النظام الديموقراطي اللبناني "توافقيا ". إلا ان الاستخدام الاعتباطي والمتكرر لهذه العبارة أفقدها جوهرها الأفهومي وماهيتها التنظيمية، وشوّه مغزى دورها في تمتين الروابط بين مكوّنات المجتمع اللبناني التعددي. فأصبحت العبارة فضفاضة يختلط فيها معنى النظام السياسي – مع ما يستلزمه من مبادئ نوعية وآليات تطبيقية مناسبة – ومعاني الاتفاق، والموافقة، والتوفيق.. وما الى ذلك من مفردات تدل على أشكال متنوعة من العلاقات المباشرة بين أطراف مختلفة. وليس السبب عائدا فقط الى عدم الإدراك العمومي لمعنى هذا المصطلح السياسي الحديث ولمستلزماته التطبيقية، بل يعود في جانب كبير منه الى عجز الترجمة اللغوية عن الأداء الواضح والدقيق للعبارة الأجنبية Démocratie consociative. ففي الميدان الأفهومي، أو النظري، يتعلق المصطلح الأجنبي المذكور بنوع معيّن من المجتمعات السياسية المركـّبة وبهيئتها البنيوية، أي بالمجتمعات التي تتألف من مجموعات صغرى تتمتع كل منها بجملة من الروابط الطبيعية المختلفة (كاللون أو العرق..)، أو الروابط الثقافية المختلفة (كاللغة أو الدين..)، بحيث تحدد هذه الروابط لأفراد كل مجموعة إطار انتماء وهويّة خصوصية وأوّلية يميّزها عن إطار انتماء المجموعات الأخرى المكوّنة للمجتمع الأكبر المتعدد الأجزاء أو العناصر. وهذا المجتمع الأكبر، الذي يصبح في هذه الحالة "مجتمع مجتمعات"، يتكوّن بنتيجة قبول المجموعات الصغرى بالعيش معاً، دون أن تفقد هوياتها الأولية أو أن تعرّضها للإلتغاء أو الإمّحاء، داخل كيان سياسي واحد يتخذ لنفسه هويّة عليا جامعة ترضى بها جميع مكوّناته أو أجزائه: إنها الهوية الوطنية. عندما يقول قائل إن لبنان مجتمع سياسي توافقي، فليس المقصود أن وجوده مرتبط بموافقة هذا الزعيم السياسي أو ذاك، ولا بموافقة هذه المرجعية الدينية أو تلك، بل المقصود أن وجوده مرتبط بالرضى التعاقدي بين مجموعاته المكوّنة لكيانه، أي بين طوائفه الدينية الأساسية. ما يعني أن العقد المعنوي (أو النظري) المؤسس للكيان اللبناني ليس معقودا بين أفراد بل بين جماعات. فما هي آليات العمل السياسي الديموقراطي ومبادئه الناظمة في المجتمع التوافقي؟ إن الديموقراطية التوافقية، كما الديموقراطية العادية، تتخذ أشكالا متعددة وتعتمد أساليب متنوعة في ممارستها وتحقيق أهدافها. غير أنها تحافظ في جميع الحالات على ماهيتها النوعية والمرتكزة على المبادئ الأربعة التي يؤكـّدها علماء السياسة المعاصرون، والتي تتميّز بها التوافقية عن الديموقراطية العادية، وهي الآتية: 1- مبدأ الائتلاف الواسع في ممارسة الحكم من خلال حكومة تضمّ الممثلين عن المكوّنات الأساسية للمجتمع التعددي تمثيلا حقيقيا مطابقا للواقع الاجتماعي/ السياسي. 2- مبدأ حق النقض (أو الفيتو) المتبادل الذي يضمن للمجموعات المكوّنة هوياتها الخصوصية، ومصالحها المعترف بها، ومشاركتها العادلة في الحكم، ويحميها من تسلـّط الأكثرية ومن التحالفات السياسية المصلحية. 3- مبدأ التمثيل النسبي الذي تتمثّل بفضله المجموعات الأساسية المكوّنة تمثيلا سياسيا عادلا في أجهزة الحكم، وفي الوظائف العامة، كما تضمن بفضله استفادتها من الأموال العامة بصورة عادلة ومنصفة. 4- مبدأ الاعتراف بالخصوصيات، وهو مبدأ في ظاهره نظري ولكنه يرتدي أهمية تطبيقية فائقة، لأنه يتحقق عمليا من خلال تشريعات تمنح الحق لتلك المجموعات بإدارة بعض شؤونها الذاتية الخاصة وحلّ مشكلاتها الداخلية بما يمكـّنها من ممارسة حقها بحرية الاختلاف والتمايز دون التعرّض للمشتركات التي تؤسس مبررات الكيان وسيادتـَه، وترسّخ إرادة العيش معاً. استنادا الى هذا المختصر السريع للتوافقية، نتساءل: أين تكمن المشكلة في الوضعية السياسية القائمة حاليا في لبنان؟ وهل ثمة انسجام منطقي بين طبيعة هذه المشكلة ومبادرة الرئيس برّي للخروج من مأزقها؟ برأيي، إن المشكلة هي في حقيقتها مواجهة بين منطقين مختلفين. وتظهير صورة الوضعية السياسية القائمة، وتوضيح عناصرها وأجزائها يمكـّننا من حسن تحديد الموقع الذي تحتله مبادرة الرئيس برّي في مندرجات المشكلة الراهنة، كما يمكـّننا من استشراف فعاليتها وما يمكن أن ينجم عنها من نتائج على الساحة اللبنانية.ففي تحليل هذه المسألة، سوف ننطلق من الموضوعين الأساسيين المطروحين لدى فريقي المشكلة، واللذين تدخل من بابهما مبادرة الرئيس برّي الى صلب الأزمة السياسية الراهنة، وهما موضوع الحكومة ونصاب جلسة الانتخاب الرئاسي. مواقف المعارضة ومنطقها في موضوع الحكومة، تطالب المعارضة بتشكيل حكومة وحدة وطنية بلغة تستخدم مقولات "الحكومة الموسّعة"، و"المشاركة"، و"الإنقاذ"، و"الثلث المعطـّل" أو"الثلث الضامن"، و"التمثيل العادل"، و"التوازن الطائفي"... فلدى تحليل هذه المفاهيم والمصطلحات، يتبين بوضوح أن المنطق الذي تستند اليه المعارضة هو المنطق التوافقي، واللغة التي تستخدمها هي لغة الديموقراطية التوافقية. إذ أن مبدأ الحكومة الموسّعة هو مبدأ أساسي ونوعي من مبادئ التوافقية، لأنه يضمن مشاركة المكوّنات المجتمعية الأساسية في الحكم وفي اتخاذ القرار السياسي، كما يضمن التمثيل العادل للقوى ذات الحيثية السياسية البارزة، ويحقق التوازن الطائفي الذي يقوم عليه الكيان السياسي برمـّته. أما مفهوم "الثلث المعطّل أو الضامن" في الحكومة، فهو مرادف عملي أو تطبيقي للمبدأ التوافقي الثاني المشار اليه أعلاه، أي حق النقض المتبادل والذي يحمي الأقلية من ديكتاتورية الأكثرية أو من تسلـّطها في الحكم، وهما خطران يعرّضان مبدأ المشاركة للانتفاء، ويعطـّلان شروط العيش المشترك بين الجماعات المختلفة. وأما حكومة الإنقاذ فهي تخضع للشروط التوافقية السابقة، وتهدف الى وقف النزاع السياسي القائم واستعادة الحياة السياسية الطبيعية في البلد، والى نقل الحوار بين القوى السياسية المختلفة الى طاولة الحكم إلى أن يتمّ الاتفاق بينها حول مواصفات رئيس الجمهورية العتيد وتسميته. وفي حال انقضاء المهلة الدستورية لانتخابه ولم يحصل الاتفاق المطلوب، تستطيع هذه الحكومة، التي يشارك فيها الجميع، أن تقوم بمهام الرئاسة في إدارة شؤون الدولة والسهر على مصالح المواطنين وعلى الأمن والاستقرار العموميين، إلى أن يحصل الاتفاق أو أن يحين موعد الانتخابات النيابية المقبلة. أما في موضوع جلسة الانتخاب الرئاسي، فإن المعارضة تتمسّك بنصاب الثلثين بحسب التفسير التوافقي للدستور، وبموجب العرف المبني على السوابق الحاصلة عبر تاريخ لبنان المستقل. إن نصاب الثلثين المفروض لانعقاد الدورة الانتخابية الأولى، يحمل مغزى دستوريا معروفا في الديموقراطية العادية القائمة على النظام الأكثري.فهو يدلّ على ان مسألة انتخاب رئيس الجمهورية هي من المسائل الأساسية المشابهة لتعديل الدستور بالنسبة الى المجلس النيابي، وللمواضيع التي يحتاج إقرارها الى غالبية الثلثين بالنسبة الى مجلس الوزراء، وذلك نظرا لأهميتها وضرورة توافر الغالبية الساحقة للبتّ في شأنها. أما في الديموقراطية التوافقية فإنه يعادل في مغزاه مبدأ حق النقض المتبادل الذي يحمي الأقلية من تسلـّط ممكن تستطيع بواسطته أي أكثرية ناشئة عن تحالفات مصلحية ضيقة من فرض إرادتها ورأيها في الموضوعات الأساسية على المجتمع التعددي بأكمله. موقف الأكثرية النيابية ومنطقها في موضوع الحكومة، يعتبر فريق الأكثرية أن الحكومة الحالية نتجت عن انتخابات نيابية حرة وديموقراطية، وقد تمّ تشكيلها وفقاً لما ينصّ عليه الدستور من تمثيل عادل للطوائف. أما إذا استقال منها الوزراء الشيعة فذلك يعود الى موقف سياسي لا يسعه النيل من دستورية تشكيلها، وإلا أصبحت الحكومات في لبنان مهددة بالسقوط عند أي مصلحة سياسية ضيقة تستجد لدى حزب من الأحزاب، أو لدى تكتل يضمّ عددا من القوى السياسية، بحيث يعمد الى سحب عدد من وزرائه المنتمين الى طائفة معينة، كلما وجد في ذلك مصلحة له. أما في ما يتعلق بتوسيع الحكومة وتمثيل تكتـّل التغيير والإصلاح في صفوفها، فعلى الرغم من تعدد المواقف واضطرابها داخل فريق الأكثرية حول هذا الموضوع، إلا أننا نتوقف عند الموقف البارز الذي يقوم على رفض إعطاء المعارضة الثلث المعطـّل، في حال القبول الافتراضي بمبدأ التوسيع. وتبرير هذا الرفض يعود الى الخشية من تعطيل عمل الحكومة، أو من استقالة الثلث المعطـّل، ما يؤدي الى اعتبار الحكومة مستقيلة حكما. أضف الى ذلك أن من يتولى زمام الحكم، في الأنظمة الديموقراطية، هي الأكثرية النيابية، أما الأقلية فتتولى مهمة المعارضة. وطالما أن النظام السياسي في لبنان هو نظام ديموقراطي بموجب الدستور، فليس من المنطق الديموقراطي أن تعطى المعارضة إمكانية تعطيل الحكومة من داخلها. أما في موضوع جلسة الانتخاب الرئاسي، فإن فريق الأكثرية يميل الى عدم الأخذ بنصاب الثلثين، والى انتخاب رئيس الجمهورية في جلسة يكون نصابها الأكثرية المطلقة، أي بنصاب النصف زائدا واحدا، وذلك في حال عدم توافر الثلثين في الجلسة الأولى. إن المنطق الذي يحكم هذا الموقف هو منطق الديموقراطية المبنية على مبدأ النظام الأكثري باعتباره الآلية الفضلى لتحديد الإرادة العامة، والمعمول بها في الدول العريقة في ديموقراطيتها. مقارنة بين المنطقين لن نستطيع القيام بمقارنة كافية ووافية بين هذين المنطقين في هذا السياق الضيّق، بل سنكتفي بالإشارة الى أن منطق المعارضة يرتكز (عمليا) على الديموقراطية التوافقية وينسجم مع مستلزماتها التطبيقية الى حدّ بعيد.ولكن من طبيعة هذا المنطق أن يضع المجتمع السياسي التوافقي في دائرة الخطر الدائم لسببين رئيسيين: أولهما هو أن أي إخلال في تطبيقه يؤدي بالمجتمع اللبناني الى الفتن والحروب الأهلية ؛ وثانيهما أنه ليس في الدستور اللبناني ما يكفي من مواد ناظمة لمستلزمات هذا المنطق، ما يجعل الإخلال في تطبيقه أمرا سهل الحصول في بنية اجتماعية سريعة العطب. أما منطق الأكثرية فيرتكز (نظريا) على الديموقراطية الفعلية التي تحكم المجتمعات المتكوّنة على أساس عقد اجتماعي بين الأفراد، وهي أرقى أنواع الديموقراطية وأكثرها إيفاءً بمضمونها، لا سيما من جهة الآلية التي تعتمدها في تحديد حجم الإرادة العامة استنادا الى مبدأ الأكثرية الحاكمة والأقلية المعارضة، أو مبدأ الحكومة في مقابل المعارضة. غير ان هذا النظام مستحيل التطبيق حاليا في لبنان، لأنه يتعارض مع طبيعة المجتمع اللبناني التعددي، ومع الروحية التوافقية في الدستور اللبناني، ومع ميثاق العيش المشترك والمعقود بين مجموع الأقليات الطائفية في لبنان.إنهما منطقان متوازيان لا يلتقيان. فهل تستطيع مبادرة الرئيس برّي إبطال التوازي بينهما؟ المبادرة المطروحة ومنطقها في الشكل، تعتمد مبادرة الرئيس برّي أسلوب المقايضات الحبّية "الضيعوية"، والتي ترتكز على مبدأ الوصول معا الى منتصف الطريق، وذلك من خلال التنازلات المتساوية بين كلا الطرفين المتنازعين. أما في المضمون السياسي الواقعي، فإن المبادرة تقوم على مرحلتين: في الأولى، إنها تنتزع من المعارضة تنازلا عن مطلب توسيع الحكومة بما فيه الثلث المعطـّل، ومن الأكثرية تنازلا عن نصاب النصف زائدا واحدا لانتخاب رئيس الجمهورية. أما في الثانية، فيتعهّد الرئيس نبيه برّي شخصيا بإطلاق تشاور وحوار بدءا من الكرسي البطريركي، ومع أطراف عديدين، لا سيما الذين من الباب الأول، توصلا للاتفاق على اسم الرئيس العتيد. فما هو مغزى هذه التنازلات بالمنظار التوافقي؟ وما هو دورها في الصورة المنطقية لمجريات الأزمة السياسية الراهنة؟ إن تنازل المعارضة عن مطلب الحكومة الموسّعة بما فيها الثلث المعطـّل يعني تنازلا عن مبدأين جوهريين من مبادئ الديموقراطية التوافقية الأربعة، وهما مبدأ الحكومة الموسّعة، ومبدأ حق الفيتو المتبادل. فكما سبقت الإشارة الى ذلك أعلاه، يشكـّل هذان المبدآن حماية أكيدة لجميع الطوائف في لبنان، ويضمنان مبدأ المشاركة في الحكم بفاعلية وتوازن وعدل بين الجميع، دون أن تفسح هذه الآلية مجالا لأي جماعة ولا لأي ائتلاف بين عدد من الجماعات للسيطرة أو للتسلـّط على أيّ من الجماعات الأخرى المكوّنة للمجتمع اللبناني التعددي، أو لعزلها، أو لإلغائها. فهل تدري أحزاب المعارضة وقواها السياسية أنها تغامر في القبول بالتعرّض لأركان النظام التوافقي القائم في لبنان؟ وهل تستطيع المعارضة أن تتحمّل مسؤولية ما يترتـّب على هذه السابقة من نتائج تتعلـّق بميثاق العيش المشترك؟ ثم، بأي سلطة شرعية تسمح المعارضة لنفسها باتخاذ هذا القرار، طالما أن في علمها يقينا بأن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"؟ إن هذه الأسئلة موجّهة أيضا الى فريق الأكثرية النيابية وحكومته: فهل يدري هذا الفريق أنه يقوّض أركان النظام التوافقي اللبناني برفضه توسيع الحكومة بالثلث المعطّل لصالح المعارضة، وأنه ينقض بذلك ميثاق العيش المشترك؟ إن الفتنة والشر المستطير اللذين توقع الرئيس برّي حصولهما في حال استمرار النزاع القائم، واللذين سبق أن حـّذر منهما مرارا التيار الوطني الحرّ وحزب الله، لن يقعا بسبب اسم رئيس الجمهورية المقبل، ولا بسبب عدد من المقاعد الوزارية بحدّ ذاتها، وإنما بسبب انهيار النظام التوافقي الذي استمرّ لبنان بفضله، لغاية اليوم، قائما على خارطة العالم كيانا واحدا موحّدا.ليس المقصود بهذا الكلام تحريض المعارضة على رفض المبادرة، بل إنه يندرج في إطار الردود على بعض النواب من فريق الأكثرية الذين يجهلون ماهية النظام التوافقي إذ يرون أن الرئيس برّي "لم يقدّم ما يستوفي شروط المبادرة السياسية العادلة التي يمكن أن تخرج البلاد من مأزقها". أما تنازل الأكثرية النيابية عن مطلب النصاب بالنصف زائدا واحدا، وقبولها بنصاب الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية، فهو في حقيقته تنازل عن خطأ مقصود ومخطط.إن هذا التنازل يتضمن في مغزاه عودة متعقـّلة الى الدستور من جهة، وإقرارا بأحقية المبدأ التوافقي المتعلـّق بحق النقض المتبادل، من جهة اخرى، مع فارق أنه بدل أن يكون هذا الحق متحققا في إطار الحكومة، يتحقق هنا في إطار المجلس النيابي المقبل على اتخاذ قرار أساسي في الحياة السياسية اللبنانية، وهو انتخاب رئيس للجمهورية. استنادا الى هذا المغزى الذي تتضمنه المبادرة، يبدو أن منطقها التوفيقي يسعى الى وضع الطرفين المتنازعين في إطار النظام التوافقي ولو في حدوده الدنيا. وهذا يعني أنه استطاع إبطال التوازي بين المنطقين المتنازعين، وتمكـّن من إيجاد رابط مشترك بينهما لا يخرج عن روحية النظام السياسي اللبناني وعن فلسفته السياسية. ولكن طالما أن نجاح المبادرة يتحقق بغرضين: وأد الفتنة التي لا مفرّ منها في حال استمرار الخلاف، والاتفاق على تسمية الرئيس، فهل تتضمّن هذه المبادرة بوليصة تأمين ضد الفتنة في حال طالت عملية الاتفاق على تسمية الرئيس؟ في الواقع، لم يكن في المواقف السياسية المتنازعة على الساحة اللبنانية ما بإمكانه توفير الضمانة الدستورية والتوافقية القادرة على منع الفتنة من أي جهة أتت، وفي مختلف الظروف، سوى اقتراح المعارضة بتوسيع الحكومة الحالية بما يجعلها حكومة إنقاذ وطني تشكـّل الإطار الدستوري الكافي لمشاركة الجميع في إدارة شؤون البلاد لغاية ما تستقيم الأمور وتستتب. ولكن، طالما أن المبادرة غامرت بالتنازل عن هذه الضمانة، لم يبق ثمة بديل عنها أمام انتظار المواطنين ساعة الفَرَج، سوى مقدرة الرئيس نبيه برّي الشخصية على متابعة الحوار وإيصاله الى مبتغاه السعيد، والضمير الأخلاقي الملتزم بأصول النظام التوافقي اللبناني وبميثاق العيش المشترك، هذا الضمير الأخلاقي المفترض توافره لدى فريق الأكثرية. ولكن كليهما إفتراضيان، ما يجعل حالة الانتظار متأرجحة بين أعجوبة الخلاص وحتمية الهاوية. أستاذ جامعي - مسؤول لجنة الدراسات في التيار الوطني الحرّ النهار (10 09 2007) |
|
||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||