بمرور ربع قرن اليوم على مجزرة صبرا وشاتيلا غابت عنا الدروس التي كان علينا أن نستحضرها. كان غزو اسرائيل للبنان عام 1982 تعبيراً واضحاً وصارخاً عن شراسة المشروع الصهيوني ومضامين الاهداف الحقيقية لاسرائيل التي كنا نعانيها ولا نصدق في الوقت نفسه انها ممكنة. فاكتفينا بالتذمر والشكوى، فتجاوب معنا الرأي العام العالمي وبقي الواقع العربي يترجح بين التصميم على الرد والتردد، فكان القرار العربي سجين اللاحسم.
صحيح ان الاستفزاز للوجدان العالمي دفع الى اقرار متواصل بحقوق الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية وبخاصة في قرارات الأمم المتحدة. وصحيح ايضاً ان الانتفاضة الاولى جسّدت التلاحم بين عمل فلسطيني مقاوم واستجابة تكاد تكون جامعة من احرار العالم، مما أدى الى إدخال فلسطين صميم الهمّ الانساني وأنضج الوعي القومي في مختلف ارجاء الوطن العربي الكبير. وعلى رغم ما كان يحصل في لبنان من تداعيات مكلفة للبلاد بالذات، وبخاصة في ما يتعلق باحتلال جزء كبير منه، فإن المقاومة اللبنانية تمكنت بعد 18 عاماً من انجاز اخرج الاحتلال الاسرائيلي، من جنوبه جاعلاً المقاومة آلة تصحيح ووسيلة ناجعة للتحرير، ثم كانت الانتفاضة الاولى بالاحتضان الرائع لها في كل مكان، ومكنت البراعة السياسية التي انتجتها ثقافة الانتفاضة الاولى المجموعة العربية في الأمم المتحدة من أن تتحدى القرار الاميركي برفض إعطاء تأشيرة دخول للرئيس ياسر عرفات الى نيويورك، وبالتالي خرق الادارة الاميركية لبنود اتفاق الأمم المتحدة مع دولة المقر، فانتقلت الى جنيف الجمعية العمومية ومجلس الأمن للاستماع الى رئيس منظمة التحرير. وحدث ذلك بعدما أعلن في الجزائر قيام "دولة فلسطين" ورفع مستوى التمثيل للوفد الفلسطيني.
* * *
الا ان العد العكسي للقضية الفلسطينية بدأ عندما قبل الرئيس ياسر عرفات أن "يتخلى عن الارهاب" بدلاً من "إدانة الارهاب" في مقابل حوار بين المنظمة والولايات المتحدة. ووقعت المنظمة في المصيدة الخانقة التي مهدت لها معاهدة الصلح بين اسرائيل ومصر السادات، والتي افرزت خطاباً سياسياً عرّف "الواقعية" بكونها نقيض المسؤولية القومية، كما حوّل فلسطين القضية المركزية مسلسلاً من المشاكل، ودخلت المراهنة على الادارات الاميركية بغية "الضغط" على اسرائيل فتحولت المراهنة ارتهاناً، ونشهد منذ ذلك الحين أوهام ما سمي اتفاقات اوسلو و"خريطة الطريق" وغيرها من افرازات "الواقعية" المزورة، مما جعلنا امام حالة الانشطار المعيب في "القيادة الفلسطينية" والانبهار بوعود عصية على التحقق، واختراقات متواصلة لخطوط حمر اعتبرناها ثابتة وراسخة.
* * *
ثم جاء اقتراح الادارة الاميركية تنظيم "مؤتمر" او "لقاء" او اي اجتماع آخر في تشرين الثاني المقبل لبلورة "رؤية بوش" الى دولتين يمعن خلالها في تعريف وهمي لمفهوم "الدولة" الفلسطينية من دون اي قاعدة قانونية واضحة يمكن المفاوضات ان تنطلق منها، وخصوصاً ان اسرائيل ترفض قطعياً الاقرار بأنها في فلسطين سلطة محتلة، وهذا التغييب القسري للقانون الدولي الذي كرسته قرارات الامم المتحدة كان المقصود به ان تبقى المسألة الفلسطينية خاضعة لمستلزمات المشروع الصهيوني في المنطقة. واكثر من ذلك، ان هذا "اللقاء" الذي تتيح الادارة لنفسها اختيار المشتركين فيه واجهه – والحمد لله – موقف لجامعة الدول العربية وللمملكة العربية السعودية بأن وضوح الاهداف وشمولية التمثيل العربي شرطان اساسيان للحضور الفاعل.
* * *
هذا قليل من كثير. وصبرا وشاتيلا تذكّرنا جميعاً بأولوية حق العودة حتى لا تبقى مخيمات اللجوء الفلسطيني معرضة لاستباحة عناصر تتلطى وراء انقسامات فلسطينية كما حصل في مخيم نهر البارد. وحرب تموز كانت إلى حد ما تعويضاً جزئياً لمأساة صبرا وشاتيلا. والمطلوب ان نسترجع لفلسطين المحورية في العمل القوي العربي فيستعيد العرب مكانتهم ولا تتكرر الاستباحات لدماء شعبنا الفلسطيني ولا يعود هناك استرخاص للدم العربي في نمط مرفوض اخلاقياً وفق ما عبر عنه قبل ربع قرن الرأي العام العالمي بثورته ضد المجازر.
النهار (16 09 2007)
