تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Monday September 18, 2006 الساعة 10:31:15 PM

 

هذه ضحايانا... وذاك مشروع حيادنا الإيجابي

أدمون صعب

بدت خلية البحث التي عقدها "الصندوق من أجل السلام"  THE FUND FOR PEACE FFP ومركز التجديد الدولي للحوكمة" THE CENTRE FOR INTERNATIONAL (CIGI)GOVERNANCE INNOVATION   في اسطنبول بين 2 ايلول والخامس منه، كأنها رتّبت من أجل لبنان عشية انتصار الجيش على ارهابيي "فتح الاسلام" في نهر البارد، وبعد اسبوعين من الذكرى الأولى لتوقف العمليات العسكرية في الجنوب جرّاء حرب تموز بين الاسرائيليين و"حزب الله" والتي دفع المدنيون اللبنانيون الثمن الأكبر فيها.

لذلك هي كانت فرصة لعرض مأساة المدنيين في لبنان الذين يتعذبون منذ قرابة قرن، يُقتلون ويُجرحون ويُعوّقون، وتُهدم منازلهم وتحرق محاصيلهم الزراعية وتدمّر مصانعهم ومزارعهم والبنى التحتية وخصوصاً الطرق والجسور وخزانات المياه ومعامل الطاقة الكهربائية، اضافة الى المستشفيات والمدارس والمراكز الطبية، وحتى سيارات الاسعاف، في ما يشبه "الأرض المحروقة". كما ينزحون ويشرّدون في المدن وبقية أنحاء البلاد، ثم يغادرون الى المغتربات وجهات العالم الأربع بحثاً عن الأمان والاستقرار. وقدّرت أعداد هؤلاء بأكثر من ثلث عدد السكان، وهو معدّل يقرب من معدل الضحايا التي سقطت في لبنان في الحرب العالمية الأولى جرّاء التجويع والاضطهاد العثماني وحلفاء تركيا في الحرب، فضلاً عن التطويع الالزامي عرف بـ "سفر برلك"، أي ان الذي يطوّع في الجيش التركي لا يعود الى أهله، بل يموت في الجبهة إما قتلاً أو جوعاً أو ظمأ!

ولقد وجدت جماعات كثيرة في لبنان أرضاً خصبة لممارسة حروبها، مستفيدة من الصراعات التي اندلعت على أرضه بعد حرب 5 حزيران 1967 التي ادّت الى احتلال اراضٍ واسعة في مصر وسوريا والأردن وحتى لبنان (في مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا التي لا تزال محتلة حتى الآن)، كما أدت الى نشوء المقاومة الفلسطينية أو "الكفاح المسلح"  عبر لبنان والذي فتح جبهة حرب عبر الحدود اللبنانية مع اسرائيل، كما جعل اسرائيل تستبيح لبنان، بحراً وبراً وجواً، بغارة على مطار بيروت (1968) وتدمير 13 طائرة مدنية، وبعمليات كوماندوس داخل ارقى الأحياء السكنية فيه بقيادة ايهود باراك وزير الدفاع الحالي الذي أشرف - وهو بلباس امرأة – على اغتيال ثلاثة من القادة الكبار في منظمة التحرير الفلسطينية في قلب بيروت، فضلاً عن القصف البرّي بالمدفعية المختلفة والصواريخ، اضافة الى الغارات الجوية على مناطق سكنية وسكان مدنيين عزّل لا حيلة لهم حيالها ولا ملجأ سوى أقبية لا تحمي من قذائف الطائرات والصواريخ لأنها تستعمل في العادة اسطبلات للمواشي.

هذا علماً ان معظم المناطق، خصوصاً في الجنوب والبقاع الغربي، المتاخمة للحدود مع اسرائيل ليست فيها مستشفيات ولا مراكز طبية، حتى المدارس فيها قليلة، اذا ما فكر السكان في اللجوء اليها. وهذه كلها لم تكن تتمتع بأي حصانة شأنها شأن المراكز التابعة للأمم المتحدة. ونتج من كل ذلك تشريد مئات الألوف من اللبنانيين في الجنوب ونزوحهم الى بيروت حيث شكلوا "احزمة بؤس".

"فتح لاند"

وخضع لبنان لابتزاز فلسطيني وعربي من أجل "تشريع" الكفاح المسلح الفلسطيني واستعمال الأراضي اللبنانية منصة للهجمات على اسرائيل والمحاربة بلحم اللبنانيين. وقد ظن الفلسطينيون ان طريق القدس تمرّ بجونيه باعتبارها  احد المعاقل المسيحية المقاتلة لمنعهم من وضع يدهم على لبنان، وهدم نظامه، وتخريب اقتصاده وتعريض سلامة أهله للخطر.

وقد فاخر زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات بعد عودته الى  فلسطين انه سيحكم الدولة الفلسطينية المستقلة كما حكم لبنان!

وكان اتفاق القاهرة الذي وقع في 3/11/1969 وتنازل لبنان بموجبه عن سيادته على منطقة العرقوب في الجنوب التي عرفت بـ "فتح لاند" التي كانت مبرراً للاجتياح الاسرائيلي للاراضي اللبنانية في ما بعد.

وقامت "مقاومة لبنانية" مسيحية في مواجهة المقاومة الفلسطينية التي تعاطف معها المسلمون، وانقسم البلد ، ودارت حرب عبثية اطلق عليها "حرب الآخرين على أرض لبنان". وبعد "نجاح" اسرائيل والفلسطينيين في زعزعة الاستقرار اللبناني، وتفتيت الوحدة اللبنانية، تحول لبنان ساحة حرب جذبت اليها كل شذاذ الآفاق وهواة الحروب، اضافة الى الارهابيين والفوضويين. فجاء اليها (الساحة)" الجيش الأحمر الياباني" و"منظمة بادر – ماينهدوف" الارهابية الألمانية وما يشبهها من تنظيمات مثل حزب العمال الكردستاني PKK الذي أقام له معسكرات في لبنان استمرت مفتوحة حتى تسليم سوريا تركيا زعيم الحزب عبدالله أوج ألان عام 1998  واقفال تلك المعسكرات.

وقدر عدد ضحايا هذه الحروب التي كانت ارض لبنان المستباحة مسرحها بين 1975 و1989 بـ 150 الف قتيل من المدنيين وعشرات الوف الجرحى والمعوقين والمفقودين الذين لا يزال ذووهم يبحثون عنهم احياء او امواتاً للقيام بمراسم دفنهم، وأخص هؤلاء الديبلوماسيون الايرانيون الذين خطفوا على حاجز للمقاومة اللبنانية في الشمال واختفوا، وتظن طهران انهم لا يزالون أسرى في اسرائيل بعد ما تناهى اليها ان "القوات اللبنانية" التي كانت متعاونة مع الاسرائيليين قد سلمتهم الديبلوماسيين المخطوفين.

كذلك هناك لبنانيون يلاحقون منذ أكثر من عقدين، وخصوصاً بعد قصف الطيران السوري قصر بعبدا 13 تشرين الأول 1990 واخراج العماد ميشال عون منه وارساله الى المنفى، قضايا أسرى وسجناء في السجون السورية يرفض السوريون الاعتراف بوجودهم لديهم، مع ان بعض اقاربهم توصلوا الى زيارتهم في السجون في بعض الأوقات وكانوا على تواصل معهم!

غسان تويني ولا مبالاة المجتمع الدولي

ومما زاد آلام المدنيين اللبنانيين، لا مبالاة المجتمع الدولي وخصوصاً الأمم المتحدة الخاضعة لنفوذ  اميركا التي  كانت تساير السوريين وتتواطأ مع الاسرائيليين على حساب مصالح اللبنانيين وسلامة الأرض اللبنانية ووحدتها فضلاً عن وحدة اللبنانيين. ولعل أكثر ما اقلق اللبنانيين وضاعف من معاناتهم، وهم يخوضون حروباً باللحم الحي ويتلقون الضربات وهم عزّل، خوفهم من فقدان بلدهم  وتقاسمه بين السوريين والاسرائيليين والفلسطينيين، واضطرار شعبهم الى العيش لاجئاً في أرضه، أشبه باللاجئين الفلسطينيين في المخيمات داخل اسرائيل، او مشرداً مهاجراً في انحاء العالم ينظر من بعيد الى وطنه بحسرة متسائلاًُ متى يستطيع العودة اليه.

وكان صوت لبنان مدويّاً في مجلس الأمن في 17 آذار 1978  اثر اجتياح اسرائيل للجنوب والبقاع الغربي واحتلال اجزاء كبيرة منه استمرت محتلة قرابة 27 سنة، رغم صدور قرار دولي  رقمه 425 يطلب منها الانسحاب منه.

فقد دعا السفير غسان تويني، رئيس البعثة اللبنانية آنذاك، العالم الى انقاذ لبنان. وهو السياسي والصحافي والمفكر الكبير الذي أشرك  "النهار" كنموذج لدور المجتمع المدني في الانقاذ، وهو ناشرها، في معركة استعادة لبنان، واسترجاع استقلاله وسيادته بقرارات دولية، وحماية المدنيين من أهله بواسطة قوة دولية لحفظ السلام ترفع علم الأمم المتحدة.

ولا يزال صوته يتردد في أرجاء قاعة مجلس الأمن بعدما ردده العالم من بعده "دعوا شعبي يعيش" Laissez vivre mon peuple.  ومما قال في تلك الجلسة: "ان المجتمع الدولي نادراً ما أظهر لا مبالاة حيال مصير بلد كما يظهرها حيال لبنان الذي أحبه العالم كله. كذلك من النادر ربما ان يعطي بلد كلبنان العالم ويساهم في التاريخ البشري كما فعل... لذلك دعوا شعبي يعيش".

وفي الاجتياح الاسرائيلي الثاني للبنان والاحتلال الثاني ايضاً لأجزاء أخرى منه في 5 حزيران 1982 قال تويني في جلسة عقدها مجلس الأمن الدولي: "ان العالم لا يجوز ان يبقى لا مبالياً ينظر بعين عليل الى وطن صغير، شعبه خلاّق ومثقف، ينزلق نحو هوّة من العنف والفوضى (...) ان اسرائيل التي لم تحترم القوة الدولية التي انشأتها الأمم المتحدة ووضعتها على حدودنا لحمايتنا منها قد تجاوزت هذه القوة وانتهكت القانون الدولي معتبرة انها هي القوة الدولية الشرعية، وجعلت الحرب تجري فوق اجسادنا وعلى حساب جروح شعبنا. واذا كانت اسرائيل تريد ان تندمج في المنطقة وتعيش بسلام فان ذلك لا يتحقق بالقتل وبتدمير كل ما يمكن ان يؤدي الى السلام".

وقبل اجتياحي 1978 و1982 اللذين سيطرت فيهما اسرائيل على اجزاء كبيرة من الجنوب والبقاع الغربي، تحركت سوريا الطامعة الأخرى بلبنان والرافضة للاعتراف باستقلاله وسيادته وكيانه المستقل، وادخلت جيشها النظامي اليه في حزيران 1976 بحجة مساعدة اللبنانيين على القضاء على الفوضى الفلسطينية واليسارية والحؤول دون تقسيم لبنان وقيام كيان فلسطيني في لبنان بديل من الوطن الفلسطيني. فكان ان "احتلت" من ارضنا ما كان قد سلم ٍمن الاحتلال الاسرائيلي.

فبات لبنان منذ ذاك واقعاً تحت حكم ثنائي condominium اسرائيلي - سوري بينما الشعب اللبناني ينزف، معذباً ، مشرداً فاقد السيادة ولكنه  متمسك بالأمل وصامد في انتظار يقظة المجتمع الدولي.

حصيلة أربعة عقود

وعرض سريع لما تكبده المدنيون اللبنانيون منذ 1968، أي اثر حرب 5 حزيران:

• اعتداءات عام 1968 – 1974: 3 آلاف هجوم اسرائيلي على لبنان.

• اجتياح عام 1978: 1168 قتيلاً و5000 جريح، وعشرات الوف النازحين معظمهم الى" حزام البؤس" في بيروت.

• بين عامي 1979 و1981: 1100 قتيل و2000 جريح.

• اجتياح 1982: بين 20 و27 الف قتيل والجرحى بين 31915 و46885.

• بين اعوام 1983 و1990: 300 قتيل وألف جريح.

• 1993: اجتياح جوي اسرائيلي للجنوب شرّد قرابة نصف مليون مواطن في اتجاه بيروت وادّى الى مقتل 132 شخصاً وجرح 500.

• 1996: مجزرة قانا بعد مجزرة النبطية ولجوء مئات المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ الى هنغارين للقوة الفيدجية التابعة للقوة الدولية. وقد اطلقت القوات الاسرائيلية 50 قذيفة على الهنغارين بعد 4 قذائف انذارية. كذلك اصيب مركز للجيش قريب من المكان فاصيب فيه ضابط وجنديان. وأسفرت مجزرتا  قانا والنبطية عن مقتل 160 شخصاً وجرح 400.

تبقى حرب تموز التي كانت حرباً على اللبنانيين جميعاً وليست ردّاً على خطف "حزب الله" جنديين اسرائيليين من خلف "الخط الأزرق". وقد كانت كما وصفتها منظمة العفو الدولية "حرباً اسرائيل فيها مدانة لاستخدامها المفرط والعشوائي وغير المناسب للأسلحة".

اضافة الى كونها "هجمات غير متناسبة على الاطلاق استهدفت المدنيين الذين عانوا ويلات الحرب. والقوات الاسرائيلية شنّت دون تمييز حربا بالقصف المدفعي المتواصل للجنوب (...) وكان مما يبعث على القلق استخدام القنابل العنقودية على نطاق واسع على المناطق المدنية في الأيام الأخيرة للقتال مما خلّف قنابل خطرة مهلكة لا تزال تهدد أرواح المدنيين". وأشارت المنظمة الى ان الطيران الاسرائيلي ركّز على استخدام قنابل اميركية ذكية على المساكن التي يمكن ان تهدم مباني باكملها الى جانب القنابل العنقودية التي تحدث دماراً هائلاً وتصيب المدنيين بصفة خاصة. وهذه الأسلحة يطالب المجتمع الدولي بتحريمها، وصواريخ تستهدف الأفراد ويحتوي كل منها على مئات القنابل العنقودية الصغيرة التي تصيب المدنيين عند انفجارها وتلحق أضراراً بأجزاء جسم الانسان وتقطع الايدي والأرجل وتشوه الوجوه. وقدرت المساحة التي تلوثها كل قنبلة بـ 32 ألف متر مربع.

وخلال الأيام الـ 33 التي استغرقتها الحرب بين 12 تموز و14 آب ألقت اسرائيل بين 4 آلاف و5 آلاف قنبلة يومياً و6 آلاف في الأسبوع الأخير، أي ما مجموعه 153 ألف قنبلة معظمها في الجنوب.

كما القت بعد 27 ساعة من قرار وقف العمليات العسكرية (1701) أكثر من 1,2 مليون قنبلة عنقودية في مختلف المناطق مما جعل المراقبين يطلقون على حرب تموز اسم "عناقيد الموت" في مقابل عمليات 1996 التي أطلقت عليها تسمية "عناقيد الغضب".

وقال قائد احدى الوحدات الصاروخية الاسرائيلية في موقع صحيفة "هآرتس" الالكتروني: "القيت 1800 حاوية فيها أكثر من 1,2 مليون قنبلة عنقودية بعد توقف المعارك. ان ما قمنا به كان جنونياً ووحشياً. لقد غطينا مدناً بكاملها بالقنابل العنقودية". وهذه القنابل  تجذب أكثر ما تجذب الأطفال الذين يخالونها العاباً تنفجر بمجرد ملامستهم لها.

نكبة تموز

اما الحصيلة المختصرة لأضرار حرب تموز (33 يوماً) وضحاياها فهي:

• الضحايا: 1191 غالبيتها مدنيون نساء وأطفال وشيوخ مسنون.

• النازحون: مليون شخص، استوعبت المدارس والمؤسسات العامة منهم 128 ألفاً، و210 آلاف نزحوا الى بلدان مجاورة، 120 ألفاً منهم الى سوريا.

• الجرحى: 50 ألف جريح، 12% معاقون.

• البنى التحتية : اضرار ب 7 مليارات دولار شملت:

- 7 ملايين مربع من المباني تهدمت تعادل 15 ألف منزل سكني.

- 700 مصنع ومشغل دمرت كلياً.

- 78 جسراً تعرضت للقصف.

- تسرب 10 آلاف طن من الزيوت الثقيلة بقصف خزانات وقود في المطار  ومحطة الجية للكهرباء لوّثت 80 كيلومتراً من الشواطىء.

• مبان في الجنوب: دمار أو تضرر 1489 مبنى و535 طريقاً و21 جسراً من أصل 29 فوق نهر الليطاني، واحراق وتضرر 545 حقلاً مزروعة تعود الى 15 ألف شخص.

• مبانٍ في بيروت، وخصوصاً الضاحية الجنوبية: 326 مبنى سكنياً، 269 منها في حارة حريك اضافة الى 5 مدارج في المطار و6 مقاطع طرق استراتيجية، الى المستشفيات والعيادات الطبية والمكاتب التجارية وامدادات الماء والكهرباء.

والى هذه الأضرار والأخطار هناك الألغام التي زرعها الاسرائيليون في المناطق التي كانوا يحتلونها قبل انسحابهم في أيار 2000 تحت ضغط المقاومة، وقد امتنع الاسرائيليون عن تسليم خرائط بالالغام التي تعدّ بخمسين الفاً ومعظمها في الحقول والمزارع والمناطق السكنية وعلى الطرق الزراعية.  ولا يكاد يمرّ يوم الا ويسقط قتيل سواء بين اللبنانيين او القوة الدولية ضحية القنابل العنقودية والألغام المزدوجة الفعل، أي ضدّ الأفراد والآليات. وسجلت الأمم المتحدة بين توقف العمليات العسكرية في الجنوب في 14/8/2006 و23/7/2007 سقوط 217 قتيلاً بالقنابل العنقودية و31 بالألغام، اضافة الى 214 جريحا، وبين القتلى مدنيون وجنود  في القوة الدولية "اليونيفيل" والجيش اللبناني.

ما العمل اذن لردّ الأخطار عن اللبنانيين وحمايتهم من أخطار الحروب التي تدور في الداخل أو تشنّ من الخارج، بدليل وجود تهديدات من "حزب الله" لاسرائيل بصواريخ تصنع "مفاجآت" لها  اذا ما اعتدت على لبنان، وتهديدات من اسرائيل بانها لن تقف مكتوفة الايدي ازاء اعادة تسلّح "حزب الله" والتهديدات التي يوجهها الى اسرائيل، فضلاً عن استمرار احتلال اسرائيل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، واستمرار "حزب الله" في احتجاز الجنديين الاسرائيليين اللذين خطفهما في تموز 2006 وعدم حصول تقدم في هذا المجال رغم صدور القرار 1701 عن مجلس الأمن.

تجديد "الحياد الإيجابي"

بإزاء لا مبالاة المجتمع الدولي حيال عذابات الدول الصغيرة مثل لبنان، وخصوصاً تلك الواقعة منها بين جارين يتمتعان بـ "شهية" قوية من الكبير لابتلاع الصغير، تماماً كما في فصيلة الأسماك: واحد طامع في مياهه وصيغته في العيش المشترك المسيحي – المسلم – اليهودي المناقضة لصيغته العنصرية القائمة على نقاء العنصر اليهودي، وواحد آخر طامع في كيانه، يعتبر لبنان جزءاً منه ولا يقرّ لا باستقلاله ولا بسيادته ولا بقراره الحرّ وقد حكمه من حزيران 1976 حتى نيسان 2005 يوم نفّذ مضطراً القرار 1559 وأمر جيشه ومخابراته بمغادرة الأراضي اللبنانية، ولكنه لم يكف مذذاك عن التدخل في شؤونه الداخلية الى درجة انه متّهم لبنانياً وعربياً ودولياً بالوقوف وراء الاغتيالات ومحاولات الاغتيال التي شهدها لبنان منذ تشرين الأول 2004 من الرئيس رفيق الحريري والنائب باسل فليحان وأكثر من عشرين من مرافقيهم، الى الصحافيين في "النهار" سمير قصير (الكاتب) وجبران تويني (المدير العام)، وجورج حاوي والوزير بيار امين الجميل والنائب وليد عيدو ونجله فضلاً عن محاولات اغتيال فاشلة استهدفت الوزيرين مروان حماده والياس المرّ والصحافية مي شدياق، فالى أكثر من 15 تفجيراً طالت مناطق تجارية وصناعية وسكنية - بإزاء هذه اللامبالاة، ومن رؤية تنبؤية Prophétique استراتيجية فيها الكثير من البراغماتية، طرح السفير غسان تويني، رئيس بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة في جلسة عقدتها الجمعية العمومية للمنظمة في 5 حزيران 1978، بعد 3 أشهر على صدور القرار 425 الذي أمر اسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية والذي بقي دون تنفيذ حتى 25 أيار 2000 تاريخ انسحابها تحت ضربات المقاومة البطلة وبفعل ما قدمته من شهداء وتضحيات، وقبل صدور القرارين 508 الذي اوقف الاجتياح الاسرائيلي للبنان، و509 الذي أمر اسرائيل بالانسحاب فرفضت – طرح غسان تويني صيغة مجدّدة لـ "الحياد الايجابي"، مختلفة عن صيغة الدول غير المنحازة التي اقرّت في مؤتمر باندونغ (1959). وكانت الجلسة مخصصة للبحث في نزع السلاح واقامة سلام دائم في العالم.

وكان قال قبلاً: "ان واجب مجلس الأمن ان يحول دون ذبح دولة هي عضو في المنظمة. إذ ان اسرائيل لم تكتفِ بانتهاك القانون الدولي باجتياحها لبنان، بل هي خرقت معاهدة جنيف وكل القواعد الاخلاقية الدولية وكذلك حقوق الانسان باعتداءاتها على المدنيين وعلى أهداف مدنية بطريقة شرسة. إذ هي قصفت مدناً تاريخية مثل صور وصيدا اضافة الى قرى ومدن صغيرة اصبحت هدفاً لها. واعتدت على سيارات الصليب الأحمر التي كانت تنقل الجرحى ومنعتها من القيام بواجباتها في نقل المدنيين والأدوية والمعدات الطبية والدم والمواد الغذائية لإسعاف المنكوبين".

وأضاف: "ان هذه الدول الصغيرة المحرومة والفقيرة، المسلوبة الأرض، وضحية النزاعات والتنافس والتي ليست لديها الطاقة على التأثير في المعتدين، قد تحولت أدوات وأحجار شطرنج.

وقد ثبت من هذه الظروف المأسوية ان بلداً شغوفاً بالسلام مثل لبنان، قابل للتحول ساحة قتال مفتوحة أمام المقاتلين والثورات الى درجة انه لا يبقى له سوى مخرجين كلاهما انتحاريان هما: الانفجار او الاجتياح (...)

ولكن إذا اظهر المجتمع الدولي اهتماماً باستقلاله وسيادته، وتابع مهمته التاريخية، فان هذا البلد لن يبقى منطقة متنازعاً عليها، كما يرفض ان يعتبر حجر شطرنج وكياناً entité مُنكراً (contesté) يمكن التفاوض عليه، ويحاول بمساعدة المجتمع الدولي أن يستعيد هويته، واثقاً من انه لن يُضحّي بحريته ليستمر في الحياة".

وشرح "الحياد الايجابي" بالآتي:

"انه اعادة صياغة لفكرة قديمة. فالنسبة الى الدول الصغيرة ان مثل هذا الحياد، إذا نُظر اليه خياراً دولياً، من شأنه ان يشكل ضماناً للسلام. كما أنه يقود الى الاستقرار والحرية والتقدم.

وهذا المفهوم الجديد للحياد قابل للتطبيق على الأرجح على الدول التي تنعكس النزاعات الخارجية على انقساماتها الداخلية، وحيث تقود هيكليتها الداخلية حتماً الى حروب خارجية وحتى اهلية. ومثل هذا الحياد لا يمكن ان يتحقق ويُضمن الا عبر الأمم المتحدة التي عليها ان تتحمل مسؤولية جديدة هي: توفير حماية دولية للضعفاء في مواجهة الأقوياء، وللفقراء في مواجهة الأغنياء، وللمتخلفين (انمائياً) في مواجهة  المتقدمين، وللمسالمين في مواجهة العدوانيين. وهذا المفهوم من الحياد يمكن أن يُدوَّل بطريقة ما، أو يأخذ  شكلاً تدويلياً".

في مرسى السلام

ورأى انه ستنشأ عن هذا المفهوم 4 أمور اساسية هي:

1 - هيكليات اجتماعية وسياسية هي حصيلة اللقاء بين الوطني والدولي، بحيث تصبح المهمة (Vocation) الدولية ذات طبيعة وطنية.

2 - يصبح الدفاع عن حدود الدولة مهمة قوة حفظ السلام الدولية التي يجب أن تصير دائمة لا موقتة كما هي "اليونيفل" الآن (force intérimère des Nations Unies au Liban) يجدّد لها كل ستة أشهر أو سنة. وتوضع هذه القوة الدائمة في إمرة مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، وهذا واضح في نصه.

3 - ان وجود القوة الدولية الدائمة الحامية للحياد الايجابي يؤدي الى تطوير نظم ديموقراطية تحلّ مكان النظم الديكتاتورية الاستبدادية ذات الطبيعة العسكرية والمخابراتية القمعية للحريات وحقوق الانسان.

4 - ان الدول المحايدة متى حظيت بحماية وضمانات دولية تتحول الجيوش الوطنية فيها ادوات للأمن الداخلي، ويمكن أن تضطلع بدور أساسي في الانصهار (Integration) الاجتماعي، وكذلك في التنمية الاقتصادية والاعمار.

5 - وهكذا تصبح الدول التي تصل الى مرسى (Havre) السلام بفضل الازدهار المكتسب، تصبح واحات حقيقية للحريات".

وختم "رؤيته" هذه بالعبارات الآتية: "ان توقنا الى السلام ، وهو طبيعي، الا يبدو احياناً وهمياً (utopique)؟ وماذا اذن عن توقنا اللامتناهي الى العدالة الدولية، والمساواة في الاستقلال والحرية؟

ان مثل هذه البراغماتية التاريخية يجب ان تكون رسالتنا السامية الى العالم".

واني لآمل ان تكون الصحوة الدولية من مجلس الأمن والمجتمع الدولي، وإن متأخرة، في احتضان لبنان، من القرار 1559 حتى القرار 1701 بداية الطريق نحو هذا الحياد الايجابي الذي يجد فيه لبنان الضمان الأكبر لحياة المدنيين وللاستقلال والسيادة والحرية، لانه يضع حدّاً للحروب والمآسي التي لا تزال تعصف به منذ عام 1948 تاريخ قيام اسرائيل في المنطقة.

اسطنبول - النهار (17 09 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

قبل أن ينطلق "الشر المستطير"

عندما يصب البارد في البوسفور !

أزمة رئاسة أم أزمة مارونية؟

لقاء معراب دعسة ناقصة؟

 

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007