العائدون من دمشق، كالناظرين الى الوضع
في سوريا بموضوعية وايجابية، يحملون الينا جميعاً - والى الرئيس البري
على الأخصّ بصفته الممسك بزمام الأزمة اللبنانية – رسالتين:
واحدة مطمئنة، هي ان الوضع الاقتصادي هناك يشهد انتعاشاً نتيجة
التوظيفات المالية العربية وحتى الاميركية التي تجعل المسؤولين يحرصون
على ألاّ تتفاعل الأزمة اللبنانية على نحوٍ يثير اضطرابات لا بد ان
تنعكس على الوضع السوري بما يؤخّر استقراره... علماً بأن احداً لا يريد
الآن زعزعة "النظام" القائم انما فقط حمله على الاعتدال، بالوسائل
السلمية اذا امكن وهذا ليس مستحيلاً، فلماذا المجازفات؟
والرسالة الثانية مرعبة، وهي ان الكلام على منشأات نووية (أو طلائعها)
فيه ما يذكّر بالفصل الأول من سيناريو الجحيم العراقي... وسوريا تفهم،
ولعلها لذلك لم تذهب بالتحرش الاسرائيلي الى مجلس الأمن، تقدّم شكوى
تذكّر بما سبق الاجتياح الاميركي لعراق صدّام... حيث لم توجد أية أسلحة
دمار شامل، ومع ذلك اجاز المجلس لاميركا اجتياح العراق!... ودمشق على
درجة من الحكمة تمنعها من المجازفة بسلامة أرضها وأهلها، فتتروى،
ولكن...
•••
... وفي الأفق، يلوح "شبح" الاجتماع
الاقليمي – الدولي الذي قد لا تدعى اليه سوريا، واذا دعيت فربما كموضوع
على جدول الأعمال، وكمتّهم بتعريض السلام الدولي للاضطراب... فلماذا
المجازفة؟
و"الشبح" الآخر دعوة مجلس الأمن للنظر في شكوى سوريّة تنتهي بقرار وقف
"النار" التي قد تستتبعها التحرشات الاسرائيلية، ثم بدعوة الفريقين الى
مفاوضات تبدأ ثنائية، ثم يتسع اطارها حتى يشمل القضية الفلسطينية،
فقضية الشرق الأوسط برمتها، ويختلط اذذاك "شعبان" الجولان بـ"رمضان"
لبنان والقدس وصولاً الى بغداد. وهو "ملف" بل "جدول أعمال" لا قدرة
لدمشق على خوضه بأوراق "تفوّقية"، ولا "وفاقية"... فحذار ارتكاب أخطاء
في لبنان مثلاً لا تقدر دمشق على تحمّل مترتباتها، ولا لبنان (لبنانها
خصوصاً!) يستفيد... ولكن، ما العمل؟... وكيف تحاشي أخطار الهلاك الدولي
إلا بالتهدئة؟
•••
... و"التهدئة" هذه مفتاحها في رزمة
واحدة مع مفاتيح مجلس النواب اللبناني التي يحملها "الاستاذ" نبيه بري،
وصار ويا للأسف يتردد في كيفية استعمالها.
•••
بصراحة؟
الطريق التي نقف كلنا، موالين (لمن؟) ومعارضين (لِمَ؟) على مفترقها لا
تتحمّل المزيد من التردد... أو نصير كلنا، والشرق الأوسط معنا، الى
هلاك عظيم.
أية خطة سير نقترح؟
الاقتحام... أي اقتحام الحوار، قبل ان يفلت زمام الحرب من المهوّلين
بها، الجاهلين انهم سيكونون أول من يدفع ثمنها، يميناً ويساراً، وقد لا
يسلم منها سوى واحد من الذين قد يخيل اليهم انهم سيكونون هنا لحساب
الأرباح والخسائر، فلا يجدون سوى مجموعات من الجثث لا تحتاج الى احصاء،
واولاها الدستور الذي سمح بعضنا لنفسه بالمشاركة في زجّه في
"العصفورية" التي صرنا نعيش، بمعية رئيس العهد التعيس، المتوجّه،
مرِحاً وفرِحاً، الى نيويورك وهو لا يعرف الظلمات التي تنتظره هناك!
•••
عملياً، ماذا يمكن؟ ماذا نفعل؟
أولاً وقبل كل شيء نتوقف عن مهرجان التصريحات، الهادئة منها قبل
المجنونة، ونتوقف عن "الزجل" السياسي المتلفز القبيح التعابير وفي
غيابها العقيم النتائج...
وفي يد الرئيس بري، قبل سواه، ان ينقلنا من هذا المهرجان الى الكلام
العقلاني المسؤول، فيسأل كل فريق، ماذا يريد وما هي حدود تحمّله للحلول
التوافقية وأية حلول يقترح؟
يشجعنا على البحث في ذلك كون المرشحين للرئاسة الذين اختاروا الادلاء
ببياناتهم (في غياب الآلية الدستورية النظامية المطلوبة للترشح
والترشيح – وهذا ما لا ننفك نقترح اشتراعه، ولا من يجيب!) كانوا كلهم
على سباق في الاعتدال... ويعرف الرئيس بري – بما له من حنكة وطول باع
وطويل خبرة – ان الذين لم يتكلموا بعد سيرددون العبارات ذاتها، ولا
قدرة ولا قِبَلَ لأحد على سوقنا في دروب التطرف وتحمّل ما ينجم عن ذلك.
فلننتقل اذاً من مسارح المباريات الخطابية الى الاجواء الحوارية
الحقيقية، الأجواء الحميمة حيث يمكن رئيس المجلس الذي دعانا في الاصل
الى "طاولة الحوار" ويتسابق على اختطاف رعايتها من لا قدرة لهم على
لملمتها بحيث لا تخرج على الممكن والمقبول والمعقول... نقول: حيث يمكن
الرئيس بري ان يسمي الأمور باسمائها و... أسماء رجالاتها، ونخرج من
الجدل العقيم حول قواعد اقتراع برلماني نعرف ان اختيار الرئاسات
والعهود كان دائماً يتم خارجه، فيأتي "الاقتراع" تكريساً للاختيار
"الوطني" المجال، الدوليّ "المباركة".
¶¶¶
نقول "دولي" المباركة، نلفظ الكلمة ولا نخاف انتقاداّ لأننا نعرف ان
المكابرين سيترددون كثيراً قبل القفز في مجهول، بل في "أتون" كبريت
التدويل الآخر، تدويل الحرب!
واستلهام الشرعية الدولية هو وحده البديل من الحرب لأنها حصانة لبنان
وسوريا في آنٍ واحد. وهو حماية الوطنين من العدو المشترك اسرائيل،
المتربص بنا من الحدودين "المتكاملين"، الجنوب والجولان. فحذار اللعب
بالنار يا مدّعي حراسة تلك الحدود والولاء لهذه!...
وحذار الدخول في لعبة العدو الاسرائيلي ومشاركته موضوعياً وخدمة مآربه
القريبة والبعيدة، بينما ندّعي العكس بما تعتمر به عقولنا من جهالة،
وما تجيش به قلوبنا من غضب وأحقاد!
