تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Wednesday September 20, 2006 الساعة 11:44:34 PM

 

اقــتـراحـــات لإنــهـــاء الأزمــة

عصام نعمان

توحي مواقف الأطراف المعنيين، محليين وخارجيين، بأن ازمة لبنان الراهنة تتلخص، وربما تجد حلاً لها، في التوافق على مرشح مقبول لرئاسة الجمهورية وعلى انتخابه وفق اجراءات دستورية متعارف عليها. هل المشكلة حقاً في العثور على الشخصية المناسبة؟ وهل بالتوافق على الاجراءات الدستورية لإنتخاب الرئيس نجد حلاً للأزمة الراهنة؟

لا شك في أن لشخص الرئيس وصفاته وقدراته وخبرته دوراً وازناً في ترجيج إختياره كما في توقع نجاحه في منصبه. غير ان أزمة لبنان المزمنة تتجاوز في واقعها ومدلولاتها اشخاص المرشحين للرئاسة لتتصل بقضايا وتحديات مصيرية واساسية تواجه اللبنانيين، مسؤولين ومواطنين. هذه القضايا والتحديات تتفاوت نظرة اللبنانيين الى ادراكها ومواجهتها واختيار منهج لحلها. ما الفائدة، إذا، من التوافق على شخص الرئيس العتيد ان لم يسبقه او يعقبه توافق على تشخيص الازمة ومنهج معالجتها وحلها؟

إن معظم رؤساء الجمهورية منذ الاستقلال كانوا موضع توافق وجرى انتخابهم بأكثرية الثلثين، فهل تمكنوا من مواجهة الأزمة المزمنة، وهل نجحوا في ايجاد حل لها؟ لعل الرئيس فؤاد شهاب يشكّل استثناء في هذا المجال كونه شخّص الأزمة بما هي ازمة سياسية واجتماعية في آن واحد، وسعى الى معالجتها بإنشاء مؤسسات ادارية ومالية فاعلة واعتماد اصلاحات سياسية ولو محدودة ومبادرات اجتماعية وتنموية غير مسبوقة. غير ان الاستثناء هنا يؤكد الحجة القائلة بأن التوافق على شخص الرئيس مهم، لكن التوافق على تشخيص الأزمة وبرنامج مواجهتها ومعالجتها وحلها اهم. السبب؟ لأن اختيار الرؤساء الذين اعقبوا الرئيس شهاب قد خلا اجمالا من التوافق على تشخيص الأزمة المستفحلة وبرنامج معالجتها وحلها، فلا عجب ان اخفق هؤلاء في ممارسة السلطة وفي مواجهة الأزمة المتفاقمة.

أكثر من ذلك، حتى بعد إقرار اتفاق الطائف بما هو برنامج مواجهة الأزمة وحلها وإدخال احكامه الاساسية في متن الدستور، فان امتناع الطبقة السياسية القابضة عن معالجة الأزمة بتنفيذ تلك الأحكام، لاسيما ما يتعلق منها باعادة تكوين السلطات، ادى الى تعقيد الأزمة وتفاقمها.

اليوم يجد اللبنانيون انفسهم مرة اخرى امام التحدي عينه: دعوة بل دعوات محلية وخارجية الى التوافق على شخص الرئيس العتيد من دون التوافق على تشخيص الأزمة المتفاقمة ومنهج معالجتها وحلها. كأنما المطلوب المزيد من الشيء نفسه، بمعنى محاولة التوافق على انتخاب شخص للرئاسة لن تتعدى مهمته، كما أسلافه من قبله، إدارة الأزمة سنة او سنتين قبل ان تجد طريقها الى الانفجار.

لنواجه الحقيقة. ليس في لبنان دولة ولا وطن (لأن الدولة هي التي تبني الوطن وتحميه وتنمّيه) وليس لدينا بالتالي ممارسة سياسية ودستورية واجتماعية صحيحة. ما لدينا نظام سياسي هو أشبه بآلية لتقاسم السلطة والمصالح والمغانم بين أركان طبقة سياسية قابضة، عمادها متزعمون في طوائف، ورجال اعمال واموال، وآمروا أجهزة امنية واستخبارات.

من المنطقي الا تهتم هذه الطبقة القابضة ذات الايديولوجيا السياسية الطائفية والاستغلالية بمسألة بناء الدولة وإعادة تكوين السلطات. همها الوحيد ان يبقى لبنان، كما كان وما هو عليه الآن، مجرد ساحة وملعب للقوى والمصالح المتنافسة والمتصارعة، وان يبقى نظامه السياسي تالياً مجرد آلية لتقاسم السلطة والمصالح والمغانم.

طرح رئيس مجلس النواب نبيه بري في عز الأزمة ووسط تعادل بازغ في موازين القوى المحلية والاقليمية مبادرة لافتة قوامها دعوة الى التوافق على شخص الرئيس المقبل في اطار من الحوار المتجدد الذي كان قاد جولات عدة منه في العام الماضي. لئن بدا بعض اركان الطبقة القابضة متحفظين عن المبادرة بل رافضين لها، فإن غالبية اللبنانيين مالت الى تأييدها لتفادي المزيد من مفاعيل الأزمة والتأزيم وضنك العيش والاضطرابات الأمنية. هل تنجح مبادرة بري؟

حتى لو نجحت فإن اللبنانيين سيجدون انفسهم، مرة اخرى، امام رئيس جديد لن يكون في مقدوره، وسط غياب التوافق على تشخيص موضوعي للأزمة وعلى سبل معالجتها والخروج منها، إلا إدارة الأزمة بكل ما لديه من نيات حسنة، وهي نيات كثيراً ما كانت طريق الجحيم مرصوفة بها. ما العمل؟

آن للقوى الحية ان تفقأ الدمّل. بل آن لأركان الطبقة السياسية القابضة، وقد لامس الدين العام عتبة الخمسين مليار دولار وطوّقتنا التحديات والمشاكل والصعوبات من كل الجهات، ان يستحوا ويتعقلوا ويتقوا الله والانسان البريء الوادع في "وطنهم" وفي مستقبل أولادهم وأحفادهم بأن يقرروا دونما إبطاء ايثار المصلحة العامة في سلوكاتهم، فيعتمدون في العمل السياسي نهجاً لا يعرقل المهمة الجلل: وضع البلد على طريق تسوية تاريخية راسخة.

يُقال لنا: لا يمكن، وسط أزمة معقدة وفي وقت قصير ومهما حَسُنت النيات، ان تنجح قوى وشخصيات سياسية تقليدية محكومة بعصبيات ومصالح ضالعة في التوصل الى تشخيص موضوعي مشترك للأزمة المزمنة والمتفاقمة والى منهج لمعالجتها والخروج منها. لنترك هذه المهمة، إذا، للبنانيين جميعاً ليختاروا، من خلال انتخابات حرة ونزيهة، ممثلين لهم وعنهم يتولون هذه المهمة من بابها الى محرابها، اي من مبتدأ تشخيص الأزمة ومعالجتها الى منتهى إجتراح التسوية التاريخية.

أجل، ان اللبنانيين مدعوون الى اغتنام فرصة التعادل البازغ في موازين القوى المحلية والاقليمية في المرحلة الراهنة من اجل مباشرة مقاربة جدية وجريئة لوضع البلد على طريق التسوية التاريخية، تتضمن الخطوات الثلاث الآتية:

اولا: التوافق على تأليف حكومة وطنية نوعية انتقالية جامعة من ثلاثين وزيراً، بصلاحيات اشتراعية استثنائية، تتمثل فيها فئات ثلاث بالتساوي: الموالاة والمعارضة والقوى الديموقراطية الاصلاحية المستقلة، كل بأحسن ما عنده من كفايات، لتشكّل في آن واحد طاولة حوار وطني وسلطة تنفيذية فاعلة.

لتحقيق ذلك، يدعو الرئيس نبيه بري المشاركين في طاولة الحوار الوطني بعضويتها المتعارف عليها مع اضافة الرئيس سليم الحص كممثل للقوى الديموقراطية الاصلاحية في المجتمع المدني، لاستئناف الحوار بالسرعة الممكنة بغية التوافق على تأليف الحكومة الوطنية المرتجاة، بالاتفاق مع الرئيس اميل لحود، في مهلة أقصاها آخر شهر تشرين الاول المقبل.

وفي حال أخفقت طاولة الحوار الوطني في انجاز مهمتها، تتنادى قوى المعارضة والقوى الديموقراطية الاصلاحية المستقلة في المجتمع المدني الى عقد مؤتمر وطني جامع في الاسبوع الأول من تشرين الثاني المقبل من اجل بحث الأزمة وتشخيصها والاتفاق على منهج معالجتها وحلها في خلال فترة انتقالية لا تتجاوز الأشهر الستة، مع الحرص على ان تكون الحكومة الوطنية الانتقالية، بأشخاصها وأهدافها، المؤلفة قبل انتهاء ولاية الرئيس لحود، غير كيدية وغير فئوية.

ثانياً: يتركز برنامج الحكومة الوطنية الانتقالية الجامعة على تنفيذ الأحكام الاساسية لاتفاق الطائف، لاسيما تلك التي جرى تكريسها في الدستور، على النحو الآتي:

(أ) إنتخاب مجلس نواب على اساس وطني لاطائفي وذلك بالتزامن مع استحداث وانتخاب مجلس للشيوخ على اساس طائفي، يختص بالقضايا المصيرية والاساسية ويتساوى فيه تمثيل الطوائف الست الكبرى والأقليات المسيحية والاسلامية (المادة 22 من الدستور). لتحقيق ذلك تضع الحكومة الوطنية الانتقالية قانوناً ديموقراطياً عادلاً للانتخابات النيابية على اساس التمثيل النسبي في انتخاب اعضاء مجلس النواب وحسب قاعدة "لكل ناخب صوت واحد" في انتخاب اعضاء مجلس الشيوخ، مع اعتماد البلاد كلها دائرة إنتخابية واحدة بالنسبة للمجلسين وذلك تدعيماً لوحدة اللبنانيين والعيش المشترك.

(ب) إنشاء الهيئة الوطنية المختصة بالغاء (الأصح تجاوز) الطائفية السياسية تدريجاً وفق خطة مرحلية (المادة 95 من الدستور).

(جــ) إقرار قانون اللامركزية الإدارية وتنفيذه.

(د) وضع استراتيجية كاملة للدفاع الوطني يتحدد فيها دور المقاومة الوطنية في خلال مرحلة إعادة بناء الدولة وجيشها الوطني وصولاً الى اندماجها فيه.

ثالثاً: إجراء انتخابات عامة لاختيار اعضاء مجلسي النواب والشيوخ تحت إشراف ورقابة المنظمات والجمعيات الدولية المختصة بديموقراطية الانتخاب وحقوق الانسان.

تنشأ عن هذه الانتخابات، غالباً، سلطة اشتراعية ديموقراطية ذات طابع تأسيسي، اياً كانت احجام التيارات والكتل والأحزاب الممثلة في مجلسيها. بمثل هذه السلطة الاشتراعية الديموقراطية – وستكون الأكثر شرعية في تاريخ الانتخابات النيابية تتأمن "صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب وأجياله وفعالية ذلك التمثيل"، كما جاء في اتفاق الطائف.

بانتخاب اعضاء مجلسي النواب والشيوخ، تنجز الحكومة الوطنية الانتقالية الجامعة مهماتها الاساسية، فيُصار الى انتخاب رئيس جمهورية جديد، يقوم بإجراء استشارات نيابية لتأليف حكومة جديدة.

قد يقول قائل: ثمة استحالة في انجاز خطوات هذه المقاربة قبل إنتهاء ولاية رئيس الجمهورية الحالي العماد اميل لحود. الجواب: تقديرنا ان المجلس النيابي بتركيبته الراهنة والطبقة السياسية القابضة بعقليتها وسلوكيتها القاصرتين لن يتمكنا من التوافق على انتخاب رئيس جديد قبل 24 تشرين الثاني المقبل. من هنا نتبع ضرورة الإقدام على إعتماد المقاربة المقترحة، هذا في حال قرر المسؤولون، موالين ومعارضين، والقوى الحية في المجتمع السياسي الارتفاع الى مستوى المخاطر والتحديات التي تحيق بالبلاد في هذه الآونة.

حتى لو قُيّض لقوى الموالاة والمعارضة ان تتوصل الى توافق على انتخاب رئيس جديد ضمن المهلة الدستورية، فإن انتخابه وسط التناقضات والخلافات والاضطرابات السائدة سيؤدي في افضل الاحتمالات الى تأجيل إنفجار الأزمة المزمنة بعضة اشهر، لكنه لن يساعد كثيراً في مواجهتها وانهائها ولا يغني، تالياً، عن اعتماد المقاربة عينها في المرحلة اللاحقة لانتخابه.

النهار (18 09 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007