تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Sunday September 24, 2006 الساعة 12:15:57 AM

 

"النداء الثامن" ومزامير داود

أدمون صعب

ان موتنا في ظل الصخور خير لنا من الانضمام الى دمشق. وحبة تراب من لبنان احب الينا من سهول سوريا".
البطريرك الياس الحويك
(في رده على قول المندوب السامي الفرنسي دوريفيي: "يريدون ضم لبنان، الى سوريا، فما رأيك في ذلك؟").

لست أدري لماذا تذكرت أول من أمس حين تساقط قرب سريري زجاج باب الشرفة بفعل الانفجار الذي أودى بحياة النائب الصديق، رفيق الجامعة، انطوان غانم، ترتيلة مؤاساة تقدم الى العذراء في أسبوع الآلام وفيها "فليكن موت ابنك حياة لطالبيها".

ذلك أن وطناً معذّباً مثل لبنان، لم يعرف الهدوء والاستقرار منذ أكثر من نصف قرن، لا يزال أبناؤه يشترون استمراره بالدم، وكأن الوحش الذي يقف رَصَداً على بابه لا يرتوي.

ان المسألة ليست مسألة رئاسة، ولا حكومة ولا نصاب، بل بقاء وطن واستمراره حراً سيداً مستقلاً.

ومنذ أضرم المماليك في ساحة التل في طرابلس النار في جسد البطريرك الماروني انطون حجولا مطلع القرن الرابع عشر وأحرقوه إرهابا لكنيسته علّها تتراجع عن إيمانها ومواقفها، فكان ان نقلت المقر البطريركي من ميفوق الى وادي قنوبين وتنسك رهبانها هناك – مذذاك واللبنانيون يعاندون، لا يرهبهم موت ولا اضطهاد.

وعلى هذا الدرب سار "الشاويش" انطوان غانم - وهذا كان لقبه في الجامعة لأصدقائه ومحبيه - مناضلا عنيدا، مؤمنا بقضية تساوي وجوده.

وحتى لا يذهب استشهاده سدى، يجب التوقف عند "النداء الثامن" للمطارنة الموارنة الذي صدر يوم اغتياله وعكس ازمة الكنيسة التي تراجع دورها التوفيقي بين اللبنانيين، وحتى بين المسيحيين والموارنة خصوصاً، منذ أصغت الى المتطرفين والغلاة وتجاهلت التركيبة التي يقوم عليها الكيان الذي هو اتحاد طوائف محكومة بالتوافق والتفاهم على الامور الجوهرية والخيارات الكبرى في البلاد.

ولقد حفل "النداء السابع" الذي صدر العام الماضي، بالكثير من التجني على احدى الطوائف الكبرى المؤلفة للكيان، هي الطائفة الشيعية. وهو أمر كان مستهجنا، وخصوصا في موضوع الحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان في تموز وآب 2006، اثر خطف "حزب الله" جنديين اسرائيليين، وأدت الى سقوط قرابة 1200 ضحية مدنية وتدمير أكثر من 15 الف وحدة سكنية في بيروت والجنوب والبقاع، الى عدد كبير من الجسور ومنشآت البنى التحتية. وقد تغاضى النداء عن النتيجة ليركز على الاسباب وهي "تفرد" طائفة بقرار الحرب والسلم وامتلاك السلاح... وقد تسبب ذلك في مزيد من التباعد بين فريقين أساسيين بين اللبنانيين هما في حاجة ماسة الى التقارب في مرحلة شديدة الصعوبة.

وكم كنا نتمنى لو أن مجلس المطارنة استعان بحكماء ومعتدلين في رؤيتهم السياسية وأصحاب خبرة في مسائل ذات حساسية خاصة لدى بعض مكونات الوطن. إذ لو تصرف على هذا النحو لجاء النداء الثامن غير ما قرأنا وسمعنا، وكأنه واحد من مزامير داود، إن لم نقل صوتا صارخا في برية لا أنس فيها ولا جنّ!

فأي مزمور هذا الذي يحمله النداء الثامن؟

وعلى من يقرأ المطارنة هذا المزمور؟

انه يتوجه الى النواب عموما للقيام بـ"واجب وطني" هو المشاركة في جلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية. ولكنه يتوجه في الواقع الى نواب المعارضة الذين يتوجس فيهم نية لمقاطعة الجلسة الاولى التي دعا اليها الرئيس نبيه بري الثلثاء المقبل 25 ايلول لانتخاب رئيس الجمهورية والتي يتطلب انعقادها دستوريا توافر نصاب ثلثي اعضاء مجلس النواب. وهذا النصاب لا يتأمن اذا لم تشارك فيه المعارضة. ولان المعارضة هي في اكثريتها شيعية ويقودها تاليا "حزب الله" وحركة "امل"، فان النداء يكون موجها في الدرجة الاولى الى الفريق الشيعي وحلفائه الآخرين من الطوائف الاخرى.

ويحذّر المطارنة الموارنة الفريق المعارض، والشيعي في الدرجة الاولى، من ان "الاستنكاف في هذا المجال يعتبر مقاطعة للوطن، وما من احد، مهما علا قدره وعظم شأنه، في استطاعته ان يقاطع وطنه، ويساهم في عرقلة اموره".

الا ان مثل هذا التوجه، وبهذه الطريقة، يفترض وجود جو تصالحي يساعد على التجاوب مع هذه الدعوة.

فهل يلقى السادة المطارنة التجاوب المرتجى من الفريق الشيعي عندما يتبنون مقاربة للمقاومة، وهي مصدر فخره واعتزازه، تجعلها في مصاف الميليشيات والشلل المسلحة الخارجة على القانون، وهي التي ضحّت وقدمت الشهداء بالمئات على مذبح الوطن حتى تحقق التحرير من الاحتلال الاسرائيلي، دون ان تجد طوال اكثر من 25 سنة من يسألها اذا هي في حاجة الى مال او سلاح او عتاد، او مساعدات لعائلات الشهداء التي تعهدتها ولا تزال؟

وهل يريد "دواء" حقا من يقول في مزموره"كيف يتوافر مناخ الثقة والطمأنينة لجميع اللبنانيين ما دامت هذه الطائفة او تلك (؟!) من بينهم تكدس الاسلحة، وتحشد المقاتلين، وتدربهم على القتال وتكاد تقتطع لنفسها امارة تستأثر بها وتمنع الذين يريدون الدخول اليها من تحقيق رغبتهم او فضولهم، ولا تحسب أي حساب لسواها من الناس ولا للدولة القائمة، وتستقدم ما تريد من البضائع دون رقيب او حسيب وكأن لا رجال جمارك يسهرون على ما يدخل البلد من بضائع محظورة وغير محظورة، وهذا دونما شك ينذر بتفكك خطير وبقيام دويلات متناحرة متحاربة على انقاض الوطن الواحد"؟

لا شك في ان هناك شواذات كثيرة داخل "الغيتو" الشيعي فرضته ظروف مقاومة العدو. كذلك ثمة تجاوزات جعلت مناطق شيعية كثيرة جزراً مقفلة في وجه اللبنانيين لاعتبارات كثيرة أمنية وسواها، وهذه أمور يفترض ان تعالج بالحوار في اطار البحث في مستقبل المقاومة والسلاح. ومثل هذا الامر استغرق في ايرلندا عشر سنين وانتهى قبل أشهر. فضلاً عن ان إلقاء السلاح يتطلب اجراءات وضمانات لم تتوافر ويا للأسف لـ"المقاومة المسيحية" بعد الطائف عندما حلّت نفسها، بتشجيع من الاميركيين، وسفّرت سلاحها الثقيل والتحق مقاتلوها بالدولة. اذ سرعان ما جرى "تركيب" دعاوى في حق قائدها سمير جعجع انتهت بزجه في اظلم سجون العالم طوال 11 عاماً، وتسليم لبنان لسوريا وفرض نظام ديكاتوري عليه استمر اكثر من ربع قرن.

وهل يحتاج السادة الاحبار الى ان نذكّرهم بقول القديس لوقا عن لسان المسيح في عظة الجبل: "اقول لكم ايها السامعون: احبّوا اعداءكم، واحسنوا الى مبغضيكم، وباركوا لاعنيكم، وصلّوا من اجل المسيئين اليكم. ومن ضربك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر، ومن اخذ رداءك فلا تمنع عنه ثوبك"؟.

ان اللبنانيين، جميع اللبنانيين، يتطلعون الى الكنيسة جسراً للتلاقي بين اللبنانيين، فتعيد جمع صفوفهم في مواجهة موجة الارهاب التي تهدد الرئاسة والكيان والمصير، قوة واحدة في مواجهة سوريا واي دولة أخرى تريد التدخل في شؤونهم وفرض وصاية عليهم، علماً ان الخاسر الأكبر الى الآن هو الفريق المسيحي وفي مقدمه العماد ميشال عون الذي يخسر في تأييد سوريا له، كما في سقوط كل شهيد تقف هي وراء اغتياله او تتهم به دون ان يكون للفريق الذي "تفاهم" معه قدرة على وقف آلة القتل العمياء.

فهل تسارع الكنيسة الى تلقف مبادرة الرئيس نبيه بري وتصنع منها جسر الخلاص قبل فوات الأوان؟

النهار (21 09 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

هذه ضحايانا... وذاك مشروع حيادنا الإيجابي

قبل أن ينطلق "الشر المستطير"

عندما يصب البارد في البوسفور !

أزمة رئاسة أم أزمة مارونية؟

 

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007