في زحمة الذكريات الرئاسية، تحضر القدامى منا صور اليوم الأول من الاستقلال عام 1943، حين اعتقل "المندوب العام لفرنسا" رئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري ورئيس الوزراء رياض بك الصلح، ومن تيسّر اعتقاله من الوزراء، فضلاً عن النائب آنذاك المفتي عبد الحميد افندي كرامي (والد الرشيد وعمر بك!).
وغضب الشعب غضبة واحدة ودعا رئيس مجلس النواب آنذاك صبري بك حمادة النواب لعقد جلسة استثنائية تتخذ المقررات اللازمة لانقاذ الحكم الاستقلالي، فطوّق جيش "الانتداب" الفرنسي المجلس واقفل ابوابه وأطلق "السنغاليون" النار على تظاهرات النساء (المسلمات اللواتي خلعن الحجاب الاسود للمرة الاولى انسجاماً مع المتظاهرات المسيحيات)، فضلاً عن تظاهرات الطلاب التي طوّقت المجلس تريد اقتحامه. ولم تتفرق التظاهرات.
وبدأ النواب بالتقاطر الى المجلس، ولما تعذّر عليهم دخوله من أبوابه، راح بعضهم يتسلّق الحيطان، وكان أول المتسلّقين الزعيم الطرابلسي سعدي بك المنلا (رئيس الوزراء في ما بعد) بينما تجمّع من لم يتمكن منهم من الحضور في دارة آل سلام حيث استقبلهم النائب الشاب آنذاك صائب بك سلام. واستمر الرئيس صبري حمادة مترئساً الجلسة – وكان قد تسلل الى القاعة من باب جانبي – الى ان اخرجه ضابط فرنسي دخل عليه شاهراً سلاحه.
قرر النواب بإجماع من حضر عقد اجتماعات المجلس خارج البرلمان، وبلغ عددهم 33 نائباً من كل الطوائف والمناطق، ولا مناقشة ولا جدل حول نصاب وأكثرية... وكانت المشاركة من كل الطوائف، ولا استنكاف ولا استقالة.
•••
كانت مقررات المجلس الذي انعقد في منزل آل سلام وحضره النواب ووقعوا جميعهم المحضر، في غاية الخطورة، بعدما اعتبر النواب انفسهم في حال انعقاد دائم. وقد عقدوا بعض جلساتهم في مدرسة الحكمة، وخطب مرحبا بهم في جلستهم الأولى هناك مطران بيروت للموارنة اغناطيوس مبارك.
اعتبرت المقررات ان الوزيرين اللذين لم
يعتقلا، وهما حبيب ابو شهلا والأمير مجيد أرسلان (والد الامير طلال
اياه)، يشكلان حكومة منحوها الثقة لتخويلها القيام بمهمات رئيس
الجمهورية مدة غيابه، وفق الدستور. وأجيز للرئيس حبيب ابو شهلا نائب
رئيس الوزراء ان يتصرف كقائمقام لرئيس الجمهورية. ووضع مرسوم مطبوع على
ورق "الجمهورية اللبنانية" بآلة كاتبة وجرى توقيع المرسوم وترقيمه
وتأريخه في 12 تشرين الثاني. وكان يتولى هذه الامور الادارية امين سرّ
مجلس النواب الشيخ خليل تقي الدين. وبعدما اتخذ النواب قراراً بالثورة
على التدابير الفرنسية، اعتمدوا علماً لبنانياً جديداً هو العلم الحالي
رسموه على ورقة من دفتر مدرسي وقّع عليها النواب الـ33 الذين حضروا
الاجتماع في منزل آل سلام، ووضع باسمائهم ودوائرهم الانتخابية جدول
رسمي وموقّع وممهور بخاتم مجلس النواب.
ثم انتقلوا الى قرية بشامون في قضاء عاليه، لقربها من بيروت التي
تحوّلت عاصمة لعصيان الحكومة الموقتة و"القائمقام" رئيس الجمهورية
وتحصّنوا هناك مع من انضم اليهم من الاحزاب والاهالي.
ولما توجهت الى بشامون لاحتلالها واعتقال من فيها من المسؤولين والنواب وفي طليعتهم الرئيس صبري بك، تصدّى الشباب، بما توافر لديهم من الاسلحة للدبابات الفرنسية، فقتل شهيد الاستقلال الاول سعيد فخر الدين، من الحزب السوري القومي، وجرح آخرون. وانكفأت القوات الفرنسية عائدة ادراجها، انما مستمرة في تطويق المنطقة من غير ان تحاول مجدداً اقتحام بشامون، عاصمة اللبنان المستقل، بينما العاصمة بيروت مضربة والتظاهرات فيها مستمرة، والمسؤولون من الادارات بمن فيهم بعض ضباط الشرطة والدرك يتوافدون الى بشامون لتكوين أجهزة حكومية موقتة، تتخذ القرارات وتنشر التعليمات والتوجيهات، والادارات الحكومية تطبع وتنفذ.
•••
وهكذا، بعد أقل من اسبوعين، اضطرت سلطات الانتداب، بقرار من "الحكومة الفرنسية الموقتة" اللاجئة الى الجزائر برئاسة الجنرال شارل ديغول الى اطلاق الرؤساء والوزراء والمعتقلين واعادتهم الى سرايا الحكم في بيروت التي ما لبثت ان التحقت بها سلطات بشامون الموقتة.
وبدأت الاعترافات الدولية بالاستقلال
اللبناني تتكاثر والبعثات الديبلوماسية تتقاطر. وسحبت حكومة الجزائر
"مندوبها العام" وارسلت وزيراً مفوضاً قدم أوراق اعتماده الى رئيس
الجمهورية (العائد من الأسر) شأنه شأن سائر المعتمدين.
وكان من أبرز الدبلوماسيين الذين حضروا في ما بعد أول ديبلوماسي
سوفياتي، وزيراً مفوّضاً لفت لباسه "القيصري" الأنظار. واعترفت الصين
الشيوعية بالدولة اللبنانية وارسلت مندوباً عنها.
اما الولايات المتحدة الاميركية فكانت قد
كلّفت خلال الحوادث قنصلها العام القيام بمهمات دبلوماسية لتعذر
ارسالها وزيراً مفوضاً بالسرعة المرجوة. وما لبثت ان رفعت قنصلها العام
الى رتبة وزير مفوض، واستمر لا يتغير لفترة غير قصيرة.
ذلك ان ما يجهله، او نسيه أو يتناساه اللبنانيون اليوم (وخصوصاً جيل
الشباب الغاضب، وكان أحرى به ان يغضب لأن أحداً لم يعلّمه تاريخ
الاستقلال وبطولاته)، أن الحركة الاستقلالية كانت أول حركة تحررية من
الاستعمار بينما الحرب العالمية لا تزال مشتعلة وجيوش الاستعمار تحتل
نصف العالم، بما فيه العالم العربي برمته!!!
•••
لماذا هذه الذكريات اليوم بالذات؟
لنقول لزملائنا النواب الذين نعذر الشباب منهم لأن جيل الأقدمين هو كذلك نسي ما كان يفترض فيه ان يعرف...
لنقول لهؤلاء واولئك ان استقلالنا، كرئاسة جمهوريتنا، لم يكن منّة من أحد، وان الجيوش المحتلة لم ترهب نواب ذلك الزمان، فاشترعوا تحدياً للاستعمار الغاضب (والمهدد بالاقدام على ما اثبت انه قادر عليه) التعديلات الدستورية الاولى التي ازالت صلاحيات كانت ممنوحة له من "عصبة الأمم".
ولنقول استطراداً ان احتلال الجيش الفرنسي مجلس النواب لم يمنع رئيسه ولا أعضاءه المسنين كالشباب من تسلق الحائط والدخول من النوافذ، والصّوَر شواهد على الذكريات.
ولنذكّر من تخونه هذه الايام الذاكرة ان اول شهادة في سبيل الاستقلال اللبناني بذلها، مقاتلاً، عضو في حزب كان يدين بالقومية السورية لأنه وحزبه لم يعتبرا استقلال لبنان وقيام جمهوريته تحدياً للروابط العضوية بين لبنان ومحيطه القومي.
ولم تستنكف دولة عربية واحدة، لا الجمهورية السورية الشقيقة ولا الدولة الزعيمة آنذاك، المملكة المصرية، ولا بالطبع المملكة السعودية... أما دويلات الخليج، فلم تكن بعد قد تكوّنت ولا استقلّت، فمن أين لبعضها أن يلقي علينا الآن الدروس؟
الاستقلاليون اللبنانيون فرضوا القضية اللبنانية على العالم الذي كانت لا تزال تسربله اشنع واخطر حروب التاريخ، وفرضوا على دوله الاعتراف باستقلال هذه "الدويلة" التي سرعان ما صارت في عداد مؤسسي جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة التي عهدت الى اول ممثل للبنان في مسؤولية صوغ شرعة حقوق الانسان واعلانها.
وإن ننسَ، فحذار أن ننسى ان لبنان وسوريا، ثم لبنان نيابة عن الجمهوريتين، دافعا عن حقهما في جلاء الجيوش الاجنبية عن اراضيهما امام مجلس الامن فور انتهاء الحرب وفازا معاً بهذا الجلاء.
•••
لماذا ترداد كل ذلك الآن؟
لنؤكد حاجة الجمهورية اليوم - حيث الزمن زمن نسيان - الى رئيس ينتخبه النواب في المجلس الذي يدخلون مبناه الذي لا يحتله جيش اجنبي، من وحي البطولة الاستقلالية التي لا تزال شعلتها تحمي الارز وأهله.
وان يكون قادراً في آنٍ واحد على تحدي السجن والاعتقال والاضطهاد (والآن الاغتيال المبرمج!) وعلى حمل الرسالة اللبنانية في عالم عربي مضطرب، فيعود لبنان قائداً لا مقوداً، ويكون رئيسه قدوة للحكام العرب، لا آلة في يد أيّهم ولا حتى مرآة لاضطراباتهم والازمات.
نعم، المطلوب رئيس للجمهورية في حجم جدران المجلس الذي ننتخبه منه واصداء الرسالات والشرائع التاريخيات... لا تقهره مركّبات النقص التي راكمتها حروبنا في نفوسنا ولا وصايا التبعية!
النهار (24 09 2007)
