تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday September 29, 2006 الساعة 11:23:24 PM

 

رئاسة للمستقبل

سليمان تقي الدين

لم تعد مشكلات لبنان قابلة للحل وفقاً للسياسات التقليدية المعتمدة حتى الآن. لا يمكن معالجة القضايا الكبرى وفقاً لأمزجة أهل السياسة ورهاناتهم التي تبلغ أحياناً كثيرة حد المغامرة. لقد دفع لبنان على الأقل في العقود الثلاثة الماضية ما لا يحتمله شعب من الشعوب من طاقاته الإنسانية والمادية. آن لهذا البلد أن يستأنف حياة طبيعية تتيح لأهله أن يعمّروا ما تهدّم وأن يدخلوا في المنافسة المفتوحة مع جيرانهم نحو المستقبل. يكاد لبنان يفقد كل ميزاته التفاضلية بين أشقائه العرب وتكاد صنائع الإنسان في محيطه تتغلّب على معطياته الطبيعية الرائعة. ثمة تجارب وخبرات لا يمكن أن يتجاهلها عاقل. لبنان لا يستقر إلا بوفاق أبنائه ولا يتقدم إلا ببناء الدولة التي ترسم وحدها سياساته العليا وعلاقاته بالعالم.

ليس المقصود أن نبني الدولة الشمولية بعد أفول نجم الدول الشمولية وانحطاطها، بل المقصود أن نضع أسس الأهداف والمصالح الاستراتيجية العليا لأي بلد من البلدان انطلاقاً من إمكاناته ومعطياته الواقعية. فلا يمكن لبلد صغير كلبنان تتنازعه الدول ذات المشاريع الإقليمية المتناقضة من حوله، أن يعيش على الصدفة وبدون تخطيط واعٍ لسياساته. على هذا الكيان أن يبتدع سياسات تحمي وجوده وتحافظ على استقلاله وتعطيه دوراً يجعله فاعلاً في محيطه بحيث يشكّل استمراره واستقراره حاجة له ولغيره.

لم يعرف لبنان الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والغنى الثقافي إلا عندما ابتعد عن الأحلاف الدولية وتجاذباتها والتزم جانب الحياد بين المعسكرات العربية ونزاعاتها من دون أن يتخلى عن التزامه بالتضامن العربي الأوسع والمشاركة في الدفاع عن القضايا العربية التي هي محل إجماع.

يحتاج لبنان اليوم إلى بلورة سياساته الوطنية الخارجية والدفاعية والاقتصادية والثقافية لإحياء دوره في محيطه العربي والعالم.

على اللبنانيين أن يتطلعوا إلى حكم يملك رؤية هي مزيج من إنجازات الماضي ووعود المستقبل. فلا تقوم سياسة خارجية للبنان إلا على ركيزة الوحدة الوطنية، ولا تقوم سياسة دفاعية إلا والتهديد الإسرائيلي الدائم في مقدمة أولوياتها والتعاون العربي عمقها وسندها الأساس. لقد خذلتنا السياسات الدولية ولا تزال، وهي لم تحمِ أمننا مرة واحدة ولم ترد لنا أرضنا رغم القرارات الأممية حتى الآن.

وحدها قوة لبنان وتضحيات شعبه هي التي كرّست وجوده وحدوده.

أما سياستنا الاقتصادية والثقافية فهي تنبع كغيرها من حقائق التاريخ والجغرافيا. تلك الحقائق التي لم يتسطع أن يتنكّر لها اللبنانيون في ظل أقسى الظروف والخيبات في علاقاتنا العربية.

رغم كل الصعوبات والتحديات، نحن الآن أمام فرصة أن تشكّل انتخابات الرئاسة محطة وفاقية ومرحلة جديدة لإنهاء ذيول تلك الصفحة المطبوعة بالغلبة والكيد السياسي، للخوض في مهمات تجديد المؤسسات وتركيزها على الشرعية.

لبنان الآن تحرسه القرارات الدولية إذا أحسن استثمارها، وتقوّي مناعته تضحيات شعبه والمقاومة، وتفتح له الآفاق الأرحب إرادة الحياة الحرة الكريمة. ما ينقص لبنان الآن أن تستجيب قواه السياسية لنداء الوحدة والرغبة في الإصلاح.

على الرئيس الذي سيختاره نواب الأمة في الأسابيع القليلة المقبلة أن يعرف أهمية المعاناة التي وُلد من رحمها، وأن يرفع مستوى السياسة ليرتفع مستوى الرئاسة، ويجعل من أولوياته تقديم رؤية للبنان.

السفير (26 09 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

أولها سلاح وآخرها سلاح...

رئيس التسوية المختار بالقرعة

الماضي يثقل على الحاضر!

ارتياب مشروع ومسؤوليات

 

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007