|
|
|
آخر تحديث Sunday October 01, 2006 الساعة 05:32:06 AM |
|
لم يعد للطوائف أن تنتصر سليمان تقي الدين منذ صار الكيان اللبناني مستقلاً عن الكيانات الأخرى في المنطقة وبالتوازي معها، لم تعد صراعاته الطائفية تؤدي إلى تعديل أو تبديل في مكوناته الأساسية. لا تتكرر الآن نتائج الطفرة السكانية المسيحية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، واجتياحها جبل لبنان الجنوبي على حساب الدروز، ولا الصراعات الدرزية الدرزية والهجرة إلى حوران، ولا مضاعفات احداث منتصف القرن التاسع عشر ونشوء نظام المتصرفية وهجرة ربع سكان الجبل. ولن يكون ممكناً الآن فصل الجبل عن بيروت أو فصلهما معاً عن سائر المناطق والملحقات، ولا ربط الملحقات مجدداً بسوريا، أو إعادة ربط الاقتصاد الجنوبي بفلسطين. الصراع الآن في لبنان وعلى لبنان الموحد والمستقل، وفقاً لتوازنات سياسية وثقافية أكثر منها طائفية. رغم المركزية السياسية القوية الآن في الطوائف اللبنانية المتمحورة حول خمس أو ست زعامات أساسية، فليس هناك من طائفة واحدة قادرة على تعديل موازين القوى أو التأثير فيها إلا بالتعاون والتحالف مع طائفة أخرى أساسية وشرائح متنوعة أوسع تمتد داخل الطوائف الأقل أهمية على الصعيد السياسي. وإذا كان لكل جبهة من جبهات الانقسام اللبناني الآن عصب طائفي معيّن تدور من حوله التحالفات الأوسع، فإن هذا المحور القوي لا يستطيع أن ينفرد في خياراته أو يهيمن على قرارات التحالف، إذ يبطل عندها أن يكون قوة موازية للجبهة الأخرى. وخلافاً لما يعتقد البعض من احتمالات الهيمنة لهذا أو ذاك من الفرقاء طائفياً وسياسياً فقد اجتاز لبنان هذا الخطر منذ صارت الجماعات الأكبر متساوية أو متقاربة على الأقل في معطياتها الاستراتيجية. فالمنظور الحربي للنزاع ليس هو المعطى الوحيد الذي يؤدي إلى الهيمنة ما لم يترافق مع إمكانات بشرية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وما لم يدعمه معطى إقليمي ثابت وقوي إلى حد ما. في التجربة اللبنانية القريبة، أي اتفاق الطائف، الذي جاء كنتيجة للحروب المركبة على مدى السنوات الخمس عشرة، حصل توازن جديد لأن الموارنة انفردوا عن سائر التحالفات الأخرى وواجهوا جميع الفئات ولا سيما شريكهم التاريخي بالخصائص نفسها أي الدروز، هذا فضلاً عن أن خطاب قادتهم قد تمركز على الذات المارونية دون سائر المسيحيين، وقام مشروعهم على القاعدة الجبلية دون سائر المناطق والأطراف. كان يمكن للطائف أن ينتج سيطرة إسلامية يعززها التحول الديمغرافي الكبير في تعداد المسلمين والمنافسة الاقتصادية الاجتماعية التي باتت ممكنة في ميادين أساسية لم تعد احتكاراً مسيحياً على الأقل. لكن انقسام المسلمين أنفسهم وانجذابهم إلى مدارات مختلفة واضطلاع كل من فرقائهم ببناء آليات دولتية مستقلة يقود الآن إلى توازن طائفي مركب، يحتل فيه الدرزي موقعاً مهماً في التحالف السني ويحتل الماروني دوراً مهماً أيضاً في التحالف الشيعي. يقودنا هذا التوصيف إلى القول إنه يستحيل بناء هيمنة طائفية على البلاد ويستحيل في آن تجديد الوحدة بآليات التنافس الطائفي. ما هو ممكن الآن بناء تسويات مؤقتة وظرفية لكي تنضج احتمالات بناء دولة مدنية تفرضها الاستحالات في الخيارات الأخرى. لم تعد الطوائف قادرة على أن تنتصر في لبنان، لها فقط أن تؤخر ولادة دولة لبنانية من دون آلام قيصرية. السفير (29 09 2007) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
منتدى النهضة ® 2007 |
||||||||||||||||||||||||