تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Tuesday October 03, 2006 الساعة 12:27:34 AM

مقـالات

محاولة فلسفية في اختيار الرئيس

غسان تويني

على عتبة أسبوع "صنع الرئيس" أبلغ ما قيل في "مواصفاته"، ان المطلوب رئيس "لا يخجل حاضره بماضيه"... اي يكون ذا ماضٍ يبشّر بحاضر في مستوى وحجم المسؤوليات المطلوبة من "صنعه"، حتى لا نقول "صناعته".

فما هو هذا الامر المطلوب او المنتظر من الرئيس؟

في جمهورية أفلاطون، المطلوب ان يكون فيلسوفاً. و"الفيلسوف" هذا، بالمعنى الافلاطوني، هو الذي يختصر في "ذاته" – لا في معارفه فقط، اي فلسفته، مثل "الخصال" التي لخصها الفيلسوف الاسلامي "ابي النصر الفارابي" في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة" إذ أورد، في جملة ما عدّده ووصفه، "أن يكون محباً للصدق وأهله، مبغضاً للكذب وأهله. ثم أن يكون كبير النفس محباً للكرامة. تكبر نفسه بالطبع عن كل ما يشين من الامور. وتسمو نفسه بالطبع إلى الأرفع منها. ثم أن يكون الدرهم والدينار وسائر أعراض الدنيا هينة عنده. ثم أن يكون بالطبع محباً للعدل وأهله ومبغضاً للجور والظلم وأهلهما (...) ثم أن يكون عدلاً غير صعب القياد ولا جموحاً ولا لجوجاً اذا دعي إلى العدل، بل صعب القياد إذا دعي إلى الجور وإلى القبيح. ثم أن يكون قوي العزيمة على الشيء الذي يرى انه ينبغي أن يفعل، جسوراً عليه مقداماً غير خائف ولا ضعيف النفس...".

ويخلص الفارابي بعد مقارنة المدن الفاضلة بالمدن "المضادة"، وهي "المدينة الجاهلية والمدينة الفاسقة والمدينة المتبدلة والمدينة الضالة"... – يخلص الى التحذير من أنه إذا لم توجد صفة "الحكمة" في رئيس للمدينة الفاضلة "لا تلبث المدينة بعد مدة أن تهلك"!

•••

من قراءة هذه الأقوال إلى أين نخلص؟

إلى التحذير من أننا إذا لم نجد، بحثاً او صناعة، الرئيس الذي يتميّز بالحكمة، فضلا عن بقية ما عدّد الفارابي من خصال، فإن الجمهورية التي نحاول إنقاذها صائرة الى "الهلاك".

والأمثلة في التاريخ كثيرة ليست في حاجة إلى تعداد، والنماذج من حولنا وفي عالمنا المعاصر تحاصرنا وإذا تهاوت أو استمرت تتهاوى، ساهمت عدواها في اهلاكنا من الخارج فوق هلاكنا الداخلي!

والهلاك "الداخلي"، الذي يحذّرنا منه فيلسوفنا، له أوصاف معاصرة متكاثرة غير تلك التي تحدّث عنها، نوجزها،  من وحي ما نعيش ونعاني، بتفجّر الأرض، أي الوطن، وذوبان الجمهورية وشرائعها، وتفكّك الأمة أمماً وطوائف.

•••

ومن وحي الفارابي وبتعابيره، نقول إن الرئيس العتيد يجب أن يكون "عالماً حافظاً للشرائع والسنن والسيَر التي دبرتها الأولون محتذياً بأفعاله كلها حذو تلك بتمامها[...].

وأن يكون له جودة استنباط في ما لا يحفظ عن السلف فيه شريعة[...]
ويكون في ما يستنبطه من ذلك محتذياً حذو الأئمة الاولين[...]

وأن يكون له جودة إرشاد بالقول إلى شرائع الاولين وإلى التي استنبط بعدهم مما احتذى فيه حذوهم[...]

وأن يكون له جودة ثبات بيد منه في مباشرة أعمال الحرب، وذلك ان يكون معه الصناعة الحربية الخادمة والرئيسة".

•••

نعود إلى المقولة التي استشهدنا بها في مطلع هذا المقال: إن الرئيس المنشود كي لا تصاب مدينتنا الفاضلة، على افتراض إمكان بعثها، هو الذي لا يخجل حاضره – ونزيد: ولا مستقبله – بماضيه.

أي، بتعابير الفارابي المحدّثة: هو الذي له "القدرة على إرشاد بالقول الى شرائع الاولين وإلى التي استنبط بعدهم مما احتذي فيه حذوهم.

شرائع الأولين؟

نعم: الميثاق الوطني هو عصارة تلك الشرائع التي يجب ان يعيدها الرئيس العتيد دستوراً حياً شفي من "العصفورية الدستورية" (أي من الجنون الدستوري الذي نعيشه، ولكنه لم يفتك بنا مرضه بعد كلياً...).

وما "استنبط بعدهم مما احتذي فيه حذوهم" هو ميثاق الطائف والتوق إلى الوفاق مكان الجنوح الى التحارب.

نعم، يا صاحب القول الذي يصح أن يصير شعاراً للبحث عن الرئيس.

لا مكان في حساباتنا ولا في البحث والتنقيب عن رئيس لا تجربة ولا معرفة ولا حكمة يستلهمها في انقاذ لبنان.

بل الحاجة الى من يدركه أسرار تاريخنا المقدسة وكنه الرسالة اللبنانية، اذ لا وقت لدينا لتجربة المتنطحين اللاسلاح لهم سوى الطمع بالرئاسة أو الظن انها حصيلة ماضيهم الذي يؤهلهم للترقية إلى المقام الأرفع... ثم يحاولون!

لا كلا... نريد ماضياً ثرياً بالاختبارات والمعارف و"الحكمة" الحكمة خصوصاً... وبتجربة الحوار مع "المدينة" حتى تظل فاضلة، ورسولية ولا تستنقعها المآسي التي نعيش في غياهب "الجاهلية" و"الضلال" و"الفسق" السياسي، بل التاريخي.

النهار (01 10 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

رئيس في حجم ذكرى الاستقلال والرسالة

عن الإرهاب، كلام مكتوب بدم الشهادة

عجّلوا في الحوار... بديل الكلام، فالحرب

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007