تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Thursday October 05, 2006 الساعة 06:00:40 AM

مقـالات

المسألة ليست دستورية

سليمان تقي الدين

لبنان ليس دولة دستورية بالمعنى الحرفي للكلمة. هناك شيء أقوى وأسمى من النص الدستوري يرعى صيغة الحكم، إنه الدستور الثاني غير المكتوب كما كان يقال قبل الطائف. الطابع الميثاقي لحياتنا الوطنية هو الذي أملى تلك الأعراف التي كانت سائدة منذ الاستقلال. لم يكن رئيس الحكومة وزيراً أول مقدماً بين متساوين. لقد كان العرف يفرض أن يشارك في تأليف الحكومة خلافاً للنص الدستوري. ولم يحصل أن أقيلت الحكومة بقرار من الرئيس بالشكل المباشر للإقالة. بل هي كانت تدعى للاستقالة، هكذا يحصل. الذين يلقون علينا دروساً في الدستور يتجاهلون أن العلم الدستوري يختلف عن علم القانون العادي. فلا يدرس الدستور بدون النظم السياسية. العلم الدستوري الحديث يتكلم عن النظام الدستوري والسياسي أو عن الأنظمة السياسية والدستورية.

المؤسسات السياسية هي الإطار الحاضن للدستور وهي التي تعطيه تفسيره الصحيح. نظامنا السياسي طائفي فيما نعلم ومؤسساتنا طائفية ليس عرضاً بل بصورة قانونية ودستورية. هناك نصوص ذات طبيعة ميثاقية لها سلطان أكبر من سواها وهي التي تشكل ما تسميه «الصيغة اللبنانية».

تحرير دستورنا ونظامنا وحياتنا الوطنية من هذه النصوص ـ القيود هو مطلب وطني ولكن ليس إهمالها في هذه المناسبة أو تلك، لهذا الغرض أو الهوى السياسي أو ذاك. أحد مراتب التفسير الدستوري هي الأعراف وما اتفق على أنه المعنى المتعارف عليه لهذا التفسير.

يمكن تغيير الأعراف كما يمكن تغيير الدساتير نفسها، لكن ذلك يحتاج الى توازن سياسي كبير يشبه الحالات الموصوفة بأكثريات معينة لتعديل الدستور. من هنا جاءت الرقابة القضائية في بعض النظم الديموقراطية على القوانين الدستورية. لقد كان خاطئاً إسقاط صلاحية التفسير من مهام المجلس الدستوري اللبناني وحصرها بالهيئة السياسية النيابية ذاتها.

إذاً ليست المسألة في النصاب القانوني لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية. النصف الآخر أو ما يقرب النصف ليس كماً انتخابياً يمكنه أن ينتظر تبديل التوازنات الانتخابية وهو خارج المشاركة والسلطة. إنه فئة من الناس يقوم نظامنا كله على ضرورة مشاركتها بقطع النظر عن حجمها العددي. بل إن هذا النظام حفظ لمرحلة معينة مشاركة جماعة بأكثر من حجمها العددي طمأنة لها وضمانة للعيش المشترك. فهل هذا من الديموقراطية بمعناها البسيط والعددي في شيء!؟ طبعاً كلا. المسألة إذاً ليست مسألة دستورية، أو قل إنها دستورية بالمعنى المركّب الذي تتآلف فيه حقوق الأفراد والجماعات.

يشكل ذلك قيداً على الدستور وقيداً ثقيلاً على الديموقراطية لكنه ببساطة هو «الصيغة» التي لم يكتشف اللبنانيون بعد طريقهم الى تجاوزها. مشكلاتها اليوم، تعقيداتها لهذا النظام السياسي، تعطيلها للممارسة الديموقراطية هي الأسباب الموجبة للتفكير بتخطيها كنظام عام وليس كعقبة سياسية أمام هذه الفئة أو تلك.

لبنان الآن يواجه تحديات وجودية، إما أن يثبت جدارة صيغته للعيش المشترك أو أنه سيوضع على المشرحة الأميركية نفسها التي أدخلت العراق على لائحة التقسيم العرقي والطائفي والمذهبي. إن من يتجاوز الوفاق الآن ويدفع بمشروعه الفئوي الى الذروة يدفع البلاد الى فوضى والى شرذمة تلاقي المشروع الأميركي في المنطقة تحت عناوين «التدويل». أمام المهمات الوطنية المرتبطة بالحفاظ على وحدة لبنان يبدو الحديث عن لعبة الدستور والديموقراطية أشبه بالجدال حول جنس الملائكة. إما أن نحافظ الآن على «اللبننة» بمعناها الإيجابي لحماية التعددية في إطار الوحدة وإما أن ندفع البلاد في طريق «العرقنة»، ولعل في المشهد العراقي عبرة لمن يعتبر!

السفير (02 10 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

لم يعد للطوائف أن تنتصر

رئاسة للمستقبل

أولها سلاح وآخرها سلاح...

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007