تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Saturday October 07, 2006 الساعة 10:41:14 AM

مقـالات

نظرة أخرى إلى مشاكل لبنان المزمنة

جورج قرم

منذ أن ظهر لبنان في النظام الدولي ككيان شبه مستقل في أواسط القرن التاسع عشر، ثم مستقل تماماً في القرن العشرين، تتميز فيه مجموعة من الشخصيات السياسية التي صاغت رؤية خاصة للبنان جامدة ومتحجرة. معظم هذه الشخصيات كانت حتى الماضي القريب منتمية الى الطوائف المسيحية، وهي تدّعي الدفاع عن خصوصية لبنان وتعدد ثقافته مما يميز لبنان عن محيطه ويفرض عليه خيارات معينة في السياسة الخارجية. والسمة الرئيسية في هذه الرؤية هي هذا الشعور الحاد والعاطفي الطابع لدى هذه الشخصيات بضرورة إلحاق لبنان بخطط ومشاريع الدول الغربية الكبرى لبسط نفوذها وتأمين مصالحها بكل الوسائل، ومنها الهجوم والغزو العسكري كما حصل عام 1956 بالهجوم على مصر.

وقد واظبت هذه المجموعة من الشخصيات على هذا الموقف بغض النظر عن العواقب الناتجة عنه في خلق الاضطراب الداخلي وتهديد السلم الأهلي. ولم يغير استقلال البلاد، ولا الازمات والاضطرابات الاقليمية الكبرى، نظرة هذه الشخصيات الى وضع الكيان اللبناني وتوجيه سياسته الخارجية في النظام الإقليمي والدولي، وكأن لدى هذه المجموعة نزعة انتحارية متواصلة لا شيء يؤثر عليها ويزيل من النفوس والعقليات هذه العاطفة الجارفة تجاه سياسة الغرب في المنطقة.

وقد ظهرت جليا نتائج هذه المواقف في فترة الخمسينات من القرن الماضي (الرغبة في الانضمام الى حلف بغداد وما ترتب على ذلك من أزمة انفجرت عام 1958 فتنة داخلية﴾ وعام 1968 (تكوين الحلف الانتخابي الثلاثي الموالي للسياسة الغربية والمعادي لجمال عبد الناصر) وخلال كل الفترة ما بين 1975 الى 1990 وأخيراً منذ عام 2005، فخلال كل هذه المحطات التاريخية الكبرى حافظت هذه المجموعة السياسية على اتباع الخط الأحادي الجانب: الالتحاق المطلق بالقوى الغربية الكبرى والأنظمة العربية "المعتدلة" الخاضعة لها والتي تنفذ سياساتها في المنطقة. ولم تتأثر هذه المجموعة بالنتائج الكارثية لهذا الموقف وما يترتب عليه من نزيف إنساني متواصل عبر الاغتراب، خاصة لدى الفئات المسيحية، ومن تآكل النفوذ السياسي المسيحي في البلاد وتضاؤله.

والحقيقة أن هذا الموقف الذي لم يتغير قيد أنملة يشتمل على ثلاثة مواقف مسبقة لا تُمس ولا تتغير. وحري بنا أن نستعرضها هنا.

يتجسد الموقف الأول في رفض الدولة القوية التي لديها أجهزة أمنية ذات كفاية عالية وهذا ما أدى في كل الأزمات الإقليمية التي تعصف بلبنان الى تفكيك ما كان لديه من أجهزة أمنية. هكذا حصل بعد انتهاء رئاسة فؤاد شهاب والحرب العربية - الإسرائيلية في حزيران 1967، مما فتح المجال واسعاً أمام توغل التنظيمات الفلسطينية المسلحة لبنان وتوقيع الحكومة اللبنانية عام 1969 على اتفاق القاهرة المشؤوم. كما حصل الشيء نفسه على أثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري مما فتح المجال لتوغل الحركات الجهادية التكفيرية مثل فتح الإسلام بالإضافة الى شبكات تخريب تولّت زعزعة الاستقرار عبر الاغتيالات والمتفجرات. ويجري في كل مرة تفكيك الأجهزة الأمنية بحجة الدفاع عن الديموقراطية كأن لبنان دولة من الدول الاسكندينافية أو جزيرة نائية محاطة بالبحر من كل الجهات في المحيط الهادي أو الأطلسي ولا يتعرض لأطماع القوى الإقليمية والدولية الكبرى.

أما الموقف المسبق الثاني فهو يتجسد في ضرورة العمل من أجل الانخراط في محور الدول العربية الموالية للدول الغربية والتي تنفذ سياساتها في المنطقة. وقد تعرض الرئيس فؤاد شهاب الى أبشع أنواع الانتقاد اللاذع من قبل هذه المجموعة من الشخصيات لأنه تعامل إيجاباً مع النظام الناصري الذي كان حينذاك يتزعم محور الممانعة للسيطرة الغربية على المنطقة. ونسمع اليوم الهجاء نفسه والانتقاد بأقسى العبارات ضد كل من الرئيس إميل لحود والعماد ميشال عون، اللذين كانا على طرفي نقيض في الماضي، وهما اليوم يعملان من أجل البقاء على نهج الرئيس شهاب في السياسية الخارجية، وهو نهج مكمل للميثاق الوطني للتكيف مع المستجدات الإقليمية والدولية. وفي هذا المضمار لا بد من الملاحظة بأن هذه الشخصيات التي تتزعم تيار الولاء السياسي للغرب تبدو غير مبالية تماماً بما يصيب هذا الموقف من جهة وضع الطوائف المسيحية دائما الى جانب الخاسر في معمعة الهيمنة على المنطقة، وبالتالي ما يصيب جمهور واسع من المسيحيين من خيبة أمل ويأس وخوف من المصير في المنطقة مما يدفع الى مزيد من الاغتراب ومزيد من إضعاف الوجود المسيحي في لبنان.

ومن له اطلاع على تاريخ المنطقة لا بدّ من أن يستغرب هذا التحجر في الموقف. فهل يمكن أن نتصور أن الحلف الأميركي- الإسرائيلي سيتمكن من مواصلة سياسياته القمعية الحادة لأبناء المنطقة على الأمد البعيد؟! ألم تكفينا عِبَرْ مرحلة الحروب الصليبية ومن ثم مرحلة تصفية كل من الاستعمار الانكليزي والفرنسي في المنطقة واليوم متابعة المقاومات للاحتلالات الأجنبية الأميركية والإسرائيلية في العراق وفلسطين المحتلة ولبنان؟! ألم نأخذ العِبر من كارثية السياسة الأميركية في المنطقة، سواء عندما كانت تعادي مصر في عهد الرئيس عبد الناصر او اليوم منذ تولي جورج بوش الابن مقاليد الأمور وتحالفه الوثيق مع السياسات الإسرائيلية؟! يصعب في الحقيقة فهم تحجر هذا الموقف وتكرار نفس الأخطاء الماضية نفسها بدون إجراء أية مراجعة نقدية.

ونتيجة هذا الوضع يبدو تصرف هذه المجموعة قريباً من عوارض مرض التوحدّ (Autisme) حيث ينقبض المريض على نفسه وينغلق فيها الى درجة انه لا يعود يشعر بوجود العالم الخارجي وتحركاته حوله. ومما زاد الطين بلة اخيراً أن مجموعة الشخصيات هذه قد توسعت في الأزمة الأخيرة لينضم إليها جزء مهم من الشخصيات السنية والدرزية مما يجعل هذه المجموعة من الشخصيات المسيحية أكثر اطمئناناً الى نهجها الخاطئ المتكرر. ولكنّ في الحقيقة هذا الانضمام لا يغير شيئاً في قلة صواب المواقف المذكورة وما تؤول إليه من مآسٍ وأعمال الفتنة الداخلية الفتاكة.

صحيح أن دولا عربية مهمة، خاصة من ناحية عدد سكانها وتجانسهم، مثل المغرب أو مصر، أو أيضا دولاً صغيرة وقوية بمواردها النفطية والغازية مثل قطر يمكن أن تقيم علاقات على درجات مختلفة من الأهمية مع دولة إسرائيل ويمكن أن تمشي على خطى السياسة الأميركية؛ إنما مثل هذه الأوضاع لا تنطبق على لبنان بنظامه الطائفي الهش وواقعه الجغرافي وتعقيداته الداخلية. هذا بالإضافة الى ان ما يمكن أن تتحمله كيانات عربية تنتمي الى الغالبية الدينية والمذهبية السائدة في المنطقة لا يتحمله بتاتاً بلد مثل لبنان بتعدديته وفي ضوء ما أصابه من تجارب مرة سابقة خاصة في الفترة ما بين 1982 – 1985. وهل من المعقول أن نحّمل للأقلية المسيحية في الشرق، التي تنظر الى لبنان كملجأ لها ومنارة، هذا العبء في توجه سياسة لبنان الخارجية الى الولاء للمشاريع الغربية في المنطقة واستمرار مساندتها لإسرائيل في سياستها العدوانية والهمجية على كل من الشعبين الفلسطيني واللبناني؟

ومن ناحية أخرى، هل يعقل أن نرى دائماً الصديق من جهة واحدة ونعتقد أن فيه كل الصفات الإيجابية والنيات الطيبة تجاه لبنان وأن نرى العدو دائماً في نفس الدول الأخرى نفسها التي لا تماشي السياسات الغربية في المنطقة ؟ إن مثل هذا الموقف الساذج والتبسيطي والذي لا يتغير إطلاقاً مناقض تماماً لغنى الثقافة اللبنانية وطموح لبنان بأن يكون طليعة التقدم في هذا الشرق.

أما الموقف المسبق الثالث الذي من الضروري ذكره هنا لأنه لا يقل أهمية، بل هو مكمل للموقفين السابقين، فهو النظرة الخاصة التقليدية الى نمط النموّ الاقتصادي في البلاد والاعتقاد بأن لا مشكلة اجتماعية في لبنان ولا مناطق محرومة ولا فئات مقهورة في حياتها المعيشية. فهذه المجموعة بمن انضم إليها اخيراً لم تول الشأن الاقتصادي والاجتماعي أهمية، بل ظلت أسيرة نظرة ضيقة وجامدة الى الاقتصاد اللبناني كاقتصاد يمكن أن يعتمد ويزدهر فقط على أعمال الوساطة الاقتصادية والصفقات بين دول غربية متقدمة ودول عربية متخلفة، واخيراً بين أثرياء الدول النفطية العربية الغنية ولبنان. هذا مع العلم أن المشكلة الاجتماعية في لبنان ومشكلة المناطق الطرفية المحرومة هما مشكلتان مزمنتان قد أدتا على الدوام الى نشوء بيئة مؤاتية لبروز شتى أنواع الراديكالية السياسية والدينية والاجتماعية.

والجدير بالذكر هنا ما تعرضت له طموحات الرئيس فؤاد شهاب في الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وفي إنجازاته من معارضة شرسة من هذه المجموعة ذاتها، وذلك بالرغم من كون سياسته الاقتصادية والاجتماعية متأثرة الى أبعد الحدود بمشورة الأب لويس لوبريه الذي استقدم الى لبنان مع بعثة من الخبراء الفرنسيين (بعثة ارفد) خلال عهد الرئيس شهاب. ومع الإشارة أيضاً الى أن الأب لوبريه كان من كبار الشخصيات الكنسية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والتي كانت لها كلمتها لدى كنيسة روما. كما كان قد قام بمهمات مماثلة في كل من البرازيل والسنغال. لكن تعرّض الرئيس شهاب والأب لوبريه الى حملات شعواء من الدوائر الاقتصادية في لبنان وتم تخويف الرأي العام بأن الإصلاحات هذه هي الخطوة الأولى نحو مضي البلاد الى اعتماد الاشتراكية. وهذا طبعاً اتهام كاذب الى أقصى الحدود.

ولا بدّ هنا من التوقف امام ظاهرة حصر الرؤى الإصلاحية لدى القيادات العسكرية في لبنان وغيابها لدى القيادات المدنية التي تبدي دائما اشد العداء للشخصيات العسكرية التي تتبوأ مركز الرئاسة في الجمهورية. فهل يمكن ان يعزى ذلك الى كون المؤسسة العسكرية اقل طائفية من المؤسسات الدستورية المدنية، وبالتالي هي التي تخلق ظروفاً مؤاتية لتكوين نظرة إصلاحية الى شؤون البلاد، وذلك على خلاف القيادات المدنية التي تعيش منغمسة في التربية الطائفية وفي التنافس للوصول الى رئاسة الجمهورية عبر كسب ودّ القوى الخارجية والعربية فحسب، دون الالتفاف الى حاجة البلاد الى الإصلاح في كل الميادين؟

أما اليوم فالمطلوب هو تغيير هذه المواقف الثلاثة المسبقة وطرح مشاكل لبنان بصيغة مغايرة تماماً. فإذا لم نتمكن منذ الاستقلال من إيجاد حل لمشاكل لبنان وتحقيق الوحدة الوطنية الثابتة والراسخة، فربما يعود ذلك الى طرح مشاكل لبنان بطريقة خاطئة وبحيث نستمر في الوقوع في الفتن الداخلية عند كل أزمة إقليمية دون ان نتمكن من إيجاد الحلول المناسبة لتكرار مثل هذه الظاهرة الشاذة.

إن لبنان انطلاقاً من رسالته المعنوية وأيضاً انطلاقاً من موقعه الجغرافي بين سوريا وفلسطين المحتلة وإسرائيل، لا يمكنه، لسوء حظه، أن يكون بلداً حيادياً أو محيّداً في النظام الإقليمي، وهذا ما كان وفّر له كل هذه الفتن الداخلية. فهل الدول الغربية ستسمح بتحييد لبنان والكف عن استعماله ساحة في مشاريعها في المنطقة؟ وهل يمكن لمحور الممانعة للسيطرة الأميركية - لإسرائيلية في المنطقة أن يقبل بجواره المباشر دولة ُتستعمل ساحة للآخرين او حتى مجرد دولة حيادية؟

وفي هذا المضمار يجب ان ألاّ ننسى بشكل خاص ما تقوم به إسرائيل من أعمال عدوانية انتقامية على لبنان بشكل لا يقبله القانون الدولي وقواعد حق الإنتقام الذي يجب أن يتناسب مع حجم الهجوم والاضرار التي تعرضت لها الدولة المنتقِمة.

لذلك لا خيار للبنان إلا أن يكون دولة قوية ذات مكانة محترمة في النظام الإقليمي بحيث لا يقع في فلك احد المحاور الإقليمية والدولية في المنطقة. ومن أجل ذلك عليه أن يطور نظاماً دفاعياً متماسكاً رادعاً وفعالاً تجاه دولة إسرائيل التي لا تزال تخرق المجال الجوي والمياه الإقليمية، بالإضافة الى مطامعها في مواردنا المائية خاصة في منطقة مزارع شبعا التي لا تزال محتلة وهي خزان مياه مهم جداً. وهذا بالإضافة أيضا الى ملايين الأمتار المربعة من الأراضي اللبنانية المقضومة على الحدود وإجبار لبنان على قبول الخط الأزرق المختلف عن خط الحدود الدولية، مع الإشارة الى ما تمكنت اللجنة العسكرية اللبنانية من استعادته من تلك الأراضي خلال المفاوضات الشاقة مع الأمم المتحدة. وتجدر الإشارة أيضاً الى تحمل لبنان عبء جالية مهمة من اللاجئين الفلسطينيين مع ما يسبب هذا الوجود من حساسية في حال توطينهم نهائياً وإعطائهم الجنسية اللبنانية مما سيؤدي الى زيادة القلاقل واضطراب التوازنات الطائفية الهشة وبالتالي الى مزيد من اغتراب اللبنانيين الى الخارج بشكل نهائي.

لكل هذه الأسباب لا يمكن لبنان بأي شكل من الأشكال بأن يدخل قسراً أو طوعاً في محور إقليمي ما تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية والدول العربية المسماة "المعتدلة"، وهو محور يمارس الضغوط المختلفة الطابع على منظمات المقاومة اللبنانية والفلسطينية التي ترفض الأمر الواقع الإسرائيلي، وهي دول في الحقيقة تساعد بمواقفها في تثبيت الهيمنة الأميركية­الإسرائيلية على المنطقة، بالرغم مما أدّت اليه هذه الهيمنة من أوضاع كارثية غير مقبولة لكل من شعوب فلسطين والعراق ولبنان، دون ظهور أي بصيص أمل في أن مثل هذا الانصياع للولايات المتحدة يمكن ان يؤمن استعادة الحقوق المهدورة لهذه الشعوب.

أما بالنسبة لعلاقتنا مع سوريا، فإنه من الواضح وضوح الشمس، ومن دون أي نوع من التردد والاستدراك، بأن علينا أن نقيم علاقات متساوية تماماً في ما يخص احترام سيادتنا وتحديد حدودنا وكف الدولة السورية عن النظر الى لبنان كأنه مجالها الحيوي الذي يجب أن تسيطر عليه بشكل أو بآخر. إنما، وفي المقابل، فإن أية حكومة لبنانية يجب أن ترفض بتاتاً ومطلقاً بأن يخضع لبنان الى ضغوطات غربية أو عربية للتهجم على النظام السياسي في سوريا والسعي الى إسقاطه. إن ما حصل في السنتين الأخيرتين من أنواع مختلفة من الهجوم الحاد على النظام في سوريا من قبل مجموعة من الشخصيات ليس لمصلحة لبنان، بل بالعكس فهو يقوّي عند النظام السوري الرغبة في السيطرة على لبنان لمنعه من التحول الى قاعدة معادية له. ونرجو الاّ نكون قد فوّتنا فرصة تاريخية نادرة لوضع علاقاتنا مع سوريا على أسس صحية وواضحة تؤمن للبنان سيادته الكاملة.

ومن أجل إرساء السيادة لا بد أيضاً في السنين المقبلة من إدماج عناصر المقاومة اللبنانية في منظومة دفاعية متكاملة ومتماسكة لأننا بأمس الحاجة الى ردع إسرائيل أو أي دولة أو مجموعة مسلحة تود تقويض الكيان اللبناني. ولذا علينا ان نستفيد من كفاءات وخبرات "حزب الله" الدفاعية الكبرى والتي أكدت مرة أخرى فاعليتها في حرب الصيف الماضي. ولكن بالإضافة الى الشروط الداخلية لتحقيق الوفاق والانسجام والوحدة الوطنية، فان تحقيق الهدف المنشود يتطلب أن تكون للدولة الموارد المالية الكافية لتطوير مثل هذه المنظومة الدفاعية.

وهذا ما يقودنا الى التحدث مجدداً عن ضرورة التخلص من النموذج الاقتصادي البالي الذي تخطاه الزمن والذي لا يزال يسيطر على عقول هذه المجموعة من الشخصيات وحلفائها من الطوائف الاخرى الذين انضموا اليها في السنتين الاخيرتين. فهذا النموذج الذي يعتمد حصرياً في نمط التنمية الاقتصادية على النشاطات ذات القيمة المضافة المتدنية هو نموذج لا يمكن ان يتم من خلاله استغلال الإمكانات البشرية والمادية الضخمة الكائنة في اقتصادنا. واذا كان النموذج هذا قد نجح جزئياً عندما كانت الاقتصادات العربية متخلفة حقاً، فانه لم يؤمّن بتاتاً الازدهار لكل المناطق وكل فئات الشعب. وهو نموذج محكوم عليه على كل حال بالفناء لان العولمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم بأجمعه هي التي تقضي على أي نوع من أنواع الوساطة، ذلك ان العولمة تسمح بالاتصال المباشر بين كل العملاء الاقتصاديين في العالم بشكل فوري بفضل ثورة الالكترونيات وانتشار الأدمغة الالكترونية وشبكات الانترنت التي من خلالها يمكن ان يتم الاتصال بشكل مباشر مع أي عميل اقتصادي في العالم. فالاستمرار في الاعتقاد الساذج بأن لبنان يمكن ان يؤمن رفاهية أبنائه عبر الاستمرار في النموذج القديم ذاته لهو ضرب من الخيال. فمنذ عام 1992 أدى هذا النموذج عبر الصفقات المالية المختلفة والعقارية الى ترّكز الثروات بشكل اكبر مما كانت عليه الحال قبل فترة حرب 1975-1990 وأدى الى إفقار أكبر في المناطق، خاصة تلك التي لا يهاجر ابنائها الى دول الخليج وإفريقيا.

وقد آن الأوان لكي نقوم بتغيير جذري في نظرتنا الى الاقتصاد اللبناني بالعمل على النموذج الايرلندي أو السنغافوري أو حتى نموذج جزيرة مالطا بحيث نستنفر كل قدراتنا المادية والبشرية في عملية الدخول في نشاطات خدماتية وزراعية وصناعية ذات قيمة مضافة عالية مستفيدين من ثرواتنا المائية وتربتنا الخصبة والتعددية البيولوجية المميزة الموجودة في لبنان وقدراتنا البشرية العظيمة في كل المجالات التقنية والعلمية، بغية تحوّل لبنان الى اقتصاد عالي الكفاية يوّلد موارد ضخمة تسمح لنا ان نبدأ بتسديد ديننا العملاق بالتدريج وان نؤمن الموارد المالية الضرورية لتحديث الجيش وإدماج عناصر المقاومة فيه.

هذه هي معطيات جديدة للتأمل ولتغيير نظرتنا الى الكيان اللبناني على الصعيد السياسي كما على الصعيد الاقتصادي وطي صفحة الفتن الماضية المبنية دائما على الاختلاف في السياسة الخارجية وعلى عدم قدرة إنتاج نموذج اقتصادي يؤمن الرخاء والاطمئنان والاستقرار الى أبناء هذا البلد المعذب. أما باقي المواضيع والقضايا التي يتمّ إثارتها ومناقشتها بشكل عاطفي وبرتابة وتكرار مملين خلال فترات الفتن الداخلية المترافقة لكل أزمة إقليمية، فهي مضيعة للوقت وثرثرة مدمّرة تنفخ اليأس في النفوس وتدفع مزيد من اللبنانيين الى الهجرة والاغتراب.

(صاحب مؤلف "لبنان المعاصر: تاريخ ومجتمع"، المكتبة الشرقية – بيروت 2003ومؤلف "انفجار المشرق العربي: من تأميم قناة السويس الى غزو العراق 1956 – 2007"، دار الفارابي، بيروت 2006.)

النهار (06 10 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

مخاطر سياسية واقتصادية مفتوحة

 

 

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007