تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Saturday October 07, 2006 الساعة 11:13:54 AM

مقـالات

القبرصي الجزيل الاحترام

الياس الديري

عبد الله قبرصي يوقع لـ غسان تويني كتابه الأخير "عبد الله قبرصي يتذكر - 4" في معرض الكتاب في "البيال" العام 2005

قلت ويحكم، اذا مات عبدالله وانطوت الزوبعة.

كيف تكون الحياة نبيلة ان لم تذرف دمعة سخية على ابن الحياة الجزيل الاحترام عبدالله قبرصي؟

وكيف يكون التاريخ منصفاً وصادقاً ووفياً ان لم يفرد ركنا خاصاً لذلك الرجل الذي ملأ الايام والصفحات والمنابر بحضوره بأعوامه المئة، بصوته، بوجهه الذي لم تغادره المحبة حتى عندما قرر الاستقالة والرحيل؟

كيف أرثي رجل المحبة وحرية الفكر؟

او كيف ارثي رجلا احب كل الناس حتى الذين خالفوه في العقيدة، والذين قسوا عليه، والذين سجنوه، والذين حولوه فاراً من وجه العدالة مرات، وسنوات، ونحو نصف العمر ان لم يكن كله؟

احبه حتى الذين اضطهدوه وأحبه حتى سجانوه. واحبه حتى الذين لم يروه، بل شعت في ديارهم كلمة له او حكاية عنه، او قصيدة لحبيبته ارسلها من وراء القضبان او من وراء مخبأ في غابة من غابات هذه الامة التي منحها كل ايامه، وكل حنانه، وكل نضاله، وكل كلماته حتى الرمق الاخير.

من القلائل النادرين الذين جايلوا انطون سعاده، وجاهدوا معه منذ الخطوة الاولى في جلجلة الحزب السوري القومي الاجتماعي، وبقي حتى استأذنه الموت بالمغادرة وفيا لذاك القسم، يهتف وحده لوحدته ولوحدة زعيمه في منفاه الابدي: الحياة وقفة عز فقط.

وكان له عند الزعيم من الرصيد ما مكنه وحده من ان يكون حر المناقشة والاعتراض، مسموع الكلمة النابعة من صميم العقل ومن صميم القلب ومن صميم الوجدان.

نقيٌّ عبدالله، وديع، صاف كنبع رقراق في عين دده، حيث ولدته امه وحيث شاءت الاقدار ان يواجه طفولته الاولى بوعي الراشدين، وشجاعة الشجعان، وشهامة الفرسان لأن امه ايضا غادرته مضطرة لتلبية دعوة مشيئتها لا تردّ.

عبدالله قبرصي؟

من القلائل النادرين الذين كان الوفاء يطرق بابه ليشكو له همومه من الذين خاب ظنه بهم، والذين كانوا دون الوعد ودون العهد ودون القسم.

وكان عبدالله، دائما، يطيّب من خاطره ويدعوه ليغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون.

هذا القبرصي الكوراني العنيد في ايمانه، الطاهر في انتمائه، تكاد تحسبه خارجا لتوه او قبل دهر من سيرة عنترة والفرسان الاوائل، او من رهان امرئ القيس الذي بكى صاحبه لما رأى الدرب دونهما.

وكم قال عبدالله لرفاقه، للذين سقطوا في الخيبة، للذين انهكتهم العقيدة الانوفة: نحاول ملكاً، نحاول امة، نحاول نصرا يجلي هذا البؤس وهذه الظلمة عن هذه الشعوب المكبلة والمسربلة بالتخلف والبؤس.

بصبر ونقاء تقبل صروف الدهر وامتثل لمفاجآت العمر وهي تتوالى عليه من دون ان تفارقه ابتسامته المشرقة، و من دون ان يقول انا ابدا.

وبحزن كان يقص عذاباته وآلامه حزنا على لبنان الذي كان عنده كمثل نبتة ورد في حديقة امة تبعثرت وتناثرت، وتهاوت القصائد والهتافات والاعمار كتناثر الآمال في فلسطين وتبعثر الرهانات على العراق، وانكسار الاحلام في لبنان.

عبدالله، يا من كنتَ لي قدوة ومعلّما، اسألك ان تسامحني لأني تأخرت عن موعد الوداع.

فيا حضرة الامين الجزيل الاحترام، ابكي غيابك ام غيابي؟

النهار (07 10 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007