تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Thursday October 12, 2006 الساعة 08:07:02 PM

مقـالات

التـسويـة قَـدَرُ الشـجعـان ..

نهاد المشنوق

أخذ عليّ الكثير ممن يتابعون كتاباتي ذهابي بعيداً في مناصرة سعد الحريري في مسعاه للوفاق حول انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية المقبل. اعتبروا في ما كتبته عنه تجاوزاً لسياق سابق في تناول أيا من الشخصيات العامة فلماذا الزعيم الشاب الذي بدأت شخصيته العامة في البروز منذ مدة قصيرة وكوريث للرئيس الشهيد رفيق الحريري؟ وأن ما ورد في قراءتي السياسية له ولحركته العامة فيه الكثير مما أريده منه في المستقبل، أكثر مما هو من حقائق الماضي أو وقائع الحاضر. وأن رهاني على قدراته السياسية في التسوية الرئاسية، مبالغ به ودليلهم في ذلك التجارب السابقة من محاولات التوافق التي لم تتم لأسباب متنوعة أهمها رفض حلفائه لما تم إقراره من قبله.

أما في العلم الحديث أي رسائل «الأنترنت» فكل ما ورد فيها من تعليق هو الشتائم المباشرة له ولي من مواقع خفية وأسماء وهمية. وهذا يدخل في السياق الطبيعي للخصومات السياسية الحادة التي حاولت جاهداً أن لا أكون جزءاً منها إلا في موضوع المحكمة الدولية ونجحت ـ إلى حد ما ـ إلى أن وقعت في «الأسر» الجديد لحركة الحريري الرئاسية. لم تكتف الرسائل الإلكترونية بهذا القدر بل أدخلت اسم وليد جنبلاط الى لائحتها المرفوضة باعتباري من دعاته فكان لا بد من أن يطاله من الحب جانب.

لم آت على ذكر ما سبق من مناقشات ورسائل إلا مقدمة لتوضيح وتأكيد الانخراط في الدعوة الى التسوية الرئاسية التي يقودها سعد الحريري.

∎ أولاً ـ مرت مجموعة قوى الرابع عشر من آذار بثلاث مراحل سياسية استراتيجية:

المرحلة الأولى هي تكوين وعي شعبي عارم عند جمهور رفيق الحريري وأهمية استمراره في اعتراضه السياسي على اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وقد أنتجت هذه المرحلة هيئة سياسية متماسكة رغم كل الصعاب التي مرت عليها وعلى لبنان هي الائتلاف السياسي المسمى بقوى الرابع عشر من آذار.

هذه الحيوية السياسية والشعبية أثمرت انتخابات نيابية في العام 2005 حققت فيها قوى الرابع عشر من آذار أكثرية عارمة وإن كانت غير مطلقة في مقاعد المجلس النيابي.

ليس هناك من أحد لا يعترف بالقدرة أولاً وأخيراً في تلك المرحلة لوليد جنبلاط. حتى في داخل دارة الحريري في قريطم هناك من يسجل له أنه لولا تماسك جنبلاط السياسي وقدراته القيادية، لكان اليأس لا زال قابعاً في قريطم، بدلاً من الحركة المنتعشة والقائمة في دارة الرئيس الشهيد.

المرحلة الثانية هي الصراع السياسي على إقرار المحكمة الدولية. وقد استطاعت الحكومة برئاسة فؤاد السنيورة أن تجتاز كل العقبات السياسية والأمنية وحتى الاغتيالات الوزارية ووصلت الى إقرار المحكمة وإيصالها الى شاطئ الأمان الدولي.

هناك الكثير ليقال عن اعتكاف وزراء حركة «أمل» و«حزب الله» بعد اغتيال النائب جبران تويني واستقالة الوزراء أنفسهم مع اغتيال الوزير بيار الجميل. وهناك روايات متعددة عما بين الاغتيالين من أحداث. إنما الأكيد أن الرئيس السنيورة أظهر من الصمود ما سُجل له في كل المحافل العربية والدولية. مع العلم أن الرئيس السنيورة اعتبر إنشاء المحكمة ديناً شخصياً عليه لرفيق الحريري لا يستطيع إلا أن يفيه مهما كلف ذلك من جهد و«عناد».

لا شك أن لوليد جنبلاط ولسعد الحريري حصة كبيرة في المساعي من أجل إنشاء المحكمة. لكن الموضوعية تقتضي الاعتراف بالدور الأول للرئيس السنيورة في مرحلة المحكمة.

المرحلة الثالثة هي الانتخابات الرئاسية التي لا تشبه بطبيعتها الانتخابات النيابية ولا المحكمة الدولية. لذلك فهي تحتاج الى مساع ومضامين سياسية مختلفة عن سابقتيها من المراحل.

وليد جنبلاط بطبيعته السياسية وبتكوينه النيابي لا يستطيع أن يكون مقرراً في هذه المرحلة وإن كانت لا تستقيم دون أن يكون جنبلاط متمماً لنتائجها.

كذلك الرئيس السنيورة فهو ليس ناخباً نيابياً بالواقع ولا ناخباً سياسياً مقرراً. بل يعود الأمر في الشأن السياسي الى الكتلة النيابية التي يمثلها رئيس الوزراء.

لذلك بدا تقدم سعد الحريري زعيم كتلة تيار المستقبل الى مقدمة القرار السياسي الانتخابي طبيعيا ومبررا.

∎ ثانياً ـ تصرف سعد الحريري منذ اللحظة الأولى لاغتيال النائب أنطوان غانم من موقع المسؤولية عن إجراء الانتخابات الرئاسية. بل اندفع أكثر من السابق نحو الحوار مع الرئيس نبيه بري ممثل المعارضة.

دخلت عليه في اليوم التالي لاغتيال النائب غانم فوجدته يتحدث عن الانتخابات الرئاسية باعتبارها التحدي السياسي الذي عليه مواجهته وتحقيقه مهما كانت المصاعب. ألزم هذا التموضع الطبيعي الجديد للحريري أن يظهر جرأة في الحوار وقدرة في القرار لم تكن متوفرة في صورته السابقة. وهو لا يستطيع إلا أن يلتزم هذه المعايير في تقدمّه يومياً.

يدعمه في ذلك جمهور رفيق الحريري الذي يريد صيانة الهدنة المرتبكة التي يعيشها لبنان، ولا يرى في حركة سعد الحريري غير هذا الهدف.

في الإفطار الأخير الذي أقامه في دارة والده في قريطم يوم الثلاثاء الماضي، كانت الدعوة لطرابلس والحشد الحاضر للشمال. بدخوله سمع الحريري من التصفيق، ما لم يسمعه من منطقة أخرى. فإذا كانت كل المناطق صفقت للحريري مرة في إفطارات رمضان، فطرابلس صفقت مرتين. مرة للمحبة والثانية للمسؤولية.

يعرف الحريري أكثر من غيره الفرق بين الانتخابات النيابية والمحكمة الدولية من جهة والانتخابات الرئاسية من جهة أخرى.

في الانتخابات النيابية احتاج الزعيم الشاب الى التعبئة باستعمال كل أنواع الأسلحة السياسية والشخصية بما فيها المحرّم منها. فانطلق من جنازة والده الشهيد الى المناطق حاصداً من المقاعد ما لم يحققه والده في حياته. وفي المحكمة الدولية لا مكان للمساومة داخلياً ولا للتراخي أمام اعتكاف أو استقالة. بل استنفار في الداخل والخارج يحتم الوصول إلى إنشائها مهما كلف ذلك.

أما الانتخابات الرئاسية فهي بطبيعتها وفاقية. والدول التي تدعم الحريري لا ترى في الانتخابات غير هذا المفهوم.

هذا ما أظهرته الحركة الفرنسية للرئيس ساركوزي من خلال انفتاحها على كل القوى اللبنانية. وهذا ما تؤكده الرغبة المصرية. وهو ما تسعى إليه دون توقف الدبلوماسية السعودية. كذلك الأمين العام للأمم المتحدة الذي نفى رسميا تبنيه لموقف ممثله تيري رود لارسن عن إمكان الانتخاب بأكثرية النصف زائدا واحدا. الأهم ما نقله سياسي لبناني عن مسؤول سعودي رفيع المستوى أن المملكة لا تعترف بانتخابات رئاسية تجري خارج المجلس النيابي ودون أكثرية الثلثين الدستورية لنصاب جلسة الانتخاب.

وأضاف هذا المسؤول أن السفير السعودي في لبنان الدكتور عبد العزيز خوجة أبلغ هذا الموقف الى الرئيسين بري والسنيورة.

∎ ثالثاً ـ أظهر الرئيس بري بقيادته الحوار، أن باستطاعته إزالة الألغام من طريق نجاح حواره مع النائب الحريري، مستبقاً كل الأسئلة بالأجوبة. ففي شأن مواصفات الرئيس العتيد التزم بري موقف البطريرك صفير القائل بانتخاب رئيس على مسافة من كل الجهات، يجمع ولا يفرّق، ولا يخجل مستقبله من ماضيه. فأسقط العماد ميشال عون من لائحة المرشحين، كما مرشحو قوى 14 آذار. ثم أزال لغم الثلث المعطل في مجلس الوزراء بإعطاء حصة مسبقة للرئيس المقبل في الحكومة تلغي النسب المعطلة.

كذلك توافق الرئيس بري مع الحريري على العناوين السياسية والأمنية التي أقرت على طاولة الحوار. ووعد بتفهم إيجابي لمقررات باريس 3 الاقتصادية عند عرضها في مجلس النواب. ثم دمج القرار 1559 في القرار ,1701 بحيث يكون الحوار حول سلاح المقاومة من ضمن القرار الدولي الذي يؤكد على حصرية السلاح بالدولة اللبنانية وبفتح باب الاستراتيجية الدفاعية بدلاً من النص على نزع سلاح الميليشيات الوارد في القرار .1559

∎ رابعاً ـ التسوية أساس في العلم السياسي الحديث. وهو مفهوم منفصل تماماً عن «الصفقة». التسوية هي نتاج مجموعة من المفاهيم قلّ عددها أو كثر في إطار سياسي واحد يعبّر عنه شخص ينتخب رئيساً، ويحفظ للمفاهيم التي أتت به حق الحياة ويزيد فيها القدرة على الانسجام. أما «الصفقة» فهي عنوان لسرقة سياسية ما تجري في الكواليس ويُلزم الشعب بدفع ثمنها. التسوية هي زواج المثال مع الواقع. لذلك فالسعي إليها ضرورة وواجب.

∎ خامساً ـ لم أنكر يوماً الود الشخصي والعارم تجاه سعد الحريري، إذ مهما للأحداث أن تفعل فهي لا تلغي ما أسست له سنوات طويلة من العمر. لكن في السياسة كنت دائماً على خط النقد، إلى أن حان وقته السياسي فكان لا بد من نصرته في مسعاه، الى أن يصح الرهان أو يخيب.

∎∎∎

هل تكفي هذه الوقائع لنصرة التسوية؟

أضاف سعد الحريري إلى إقدامه الداخلي، نتائج أولية في زيارته الى واشنطن واجتماعه بالرئيس بوش، كادت أن تضيع وسط الثرثرة الفارغة في بيروت تعليقاً على محادثات واشنطن.

لم يرد أحد من القوى السياسية اللبنانية ملاحظة أن الحريري لم يأت على ذكر القرار 1559 في واشنطن ولا تناول سلاح المقاومة. بل حدد كلامه باستعجال المحكمة الدولية والإصرار على وقف التدخل السوري في الانتخابات الرئاسية. وهذه حدود تحسب له من ضمن قراره باستكمال الحوار الداخلي وإنجاحه. وما الاتصال الذي أجراه بالرئيس بري من العاصمة الأميركية إلا تتمة لهذه الحدود السياسية.

الأهم أن أحداً من المسؤولين الأميركيين لم يأت على ذكر القرار 1559 ولا سلاح المقاومة، بل التأكيد على دعوة لبنان الى المؤتمر الدولي الخاص بالشرق الأوسط الذي يفترض أن يعقد في الشهر المقبل في ولاية ميريلاند الأميركية.

لم يكن هذا صدفة ولا قدراً. بل هو نتيجة سياسة مرسومة بدقة من قبل الحريري، والواضح أن المسؤولين الأميركيين تجاوبوا معها.

الحدود الثانية هي إيلاء الوضع الاقتصادي اللبناني أهمية من خلال اللقاء مع رئيس صندوق النقد الدولي الذي تعهد بما يفوق 3 مليارات دولار تسهيلات الى لبنان في مؤتمر باريس .3 وهو مسعى متلازم مع الإطار السياسي الذي دار الحوار حوله مع الإدارة الأميركية.

النص الوحيد الخاضع للاجتهاد هو تصريح الحريري في البيت الأبيض بأنه يسعى لرئيس من 14 آذار إرادة وانتماء. يحتمل هذا النص الاجتهاد إذ أن الانتماء يمكن أن يكون لإرادة 14 آذار القائلة بالحرية والسيادة والاستقلال وهي شعارات يتبناها كل المرشحين.

هل يعني هذا أن الإدارة الأميركية ستسهل انتخابات رئاسية وفاقية؟

ينقل مسؤولون لبنانيون عن المبعوث الفرنسي السفير كوسران العائد من واشنطن ونيويورك أن المشاورات التي أجراها تشير الى إجماع على تمرير الاستحقاق بسلام. وأن الشروط الإقليمية تشير الى تهدئة متزايدة تساعد على تحقيق الاستحقاق الرئاسي خلال المهلة الدستورية، دون عقبات جدية.

وربط السفير كوسران بين تأجيل فرض عقوبات دولية على إيران والانفراج الرئاسي المنتظر. والرئيس الأميركي قال إن رسائل وصلت الى سوريا لوقف تدخلها في الانتخابات.

مصادر دبلوماسية أميركية في واشنطن قالت إن وزير الخارجية التركي الذي وصل أول أمس السبت الى دمشق هو الذي يحمل الرسالة الأميركية بعد إلغاء زيارة وزير الخارجية الفرنسي الى العاصمة السورية.

يقول المطلعون على العلاقات السورية ـ التركية إن هناك ثقة متبادلة بين رئيس الوزراء التركي أردوغان والرئيس السوري بشار الأسد، مما يسهّل مهـمة الوزير التركي. خاصـة بعد أن ظهرت أهمية الموقع التركي في الغــارة التي قامـت بها الطائرات الإسرائيلية على موقع في دير الزور السـورية. فقد قام وزير الخارجية السوري وليد المعلم بزيارة الى أنقرة بعد الغارة للاستفسار عن الظروف المحيطة بالغارة ونوعية الطائرات المغيرة وخط سيرها.

لم يعلن عن نتائج زيارة الوزير المعلم إلا أنه لم يصدر ما يوحي بعدم حصوله على أجوبة على الأسئلة التي طرحها.

وقد نشر موقع «دبكا» الإسرائيلي أن وفداً إيرانياً زار العاصمة التركية بعد الغارة الإسرائيلية واستوضح السلطات التركية عن هوية الطائرات المغيرة لكن الجانب التركي رفض الإجابة عن الأسئلة الإيرانية ولم يسمح بزيارة الموقع الذي رمت فيه الطائرات المغيرة خزاناتها الإضافية.

يكمل اليوم الحريري زيارته الأميركية في نيويورك بلقاء مع الأمين العام للأمم المتحدة، ثم الى باريس للقاء وزير الخارجية الفرنسي، وإلى السعودية يوم العيد ليقف الى جانب العاهل السعودي في الصلاة. يستمد منه القدرة على التسوية الشجاعة. بعد أن جعل الملك عبد الله بن عبد العزيز من الدبلوماسية في عهده شجاعة عالية الصوت والفعل.

السفير (08 10 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

الـكَـمـيــن ..

الحِــمْــلُ الكــبير ..

الخيـار للمسيحييـن والقـرار للمسلميـن..

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007