تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday October 13, 2006 الساعة 10:17:03 AM

مقـالات

الشارع يصنع السياسة

سليمان تقي الدين

الشارع يصنع السياسة في لبنان ولو أنه لا يصنع الرئاسة. هناك فجوة كبيرة بين تأثير التيارات السياسية ودورها في الأزمات وبين المؤسسات السياسية الدستورية. لا رئيس الجمهورية ولا الحكومة ولا البرلمان يمكن أن يأخذوا البلاد إلى غير ما يرتجيه مزاج الشارع. الأكثريات البرلمانية لم تنقذ العهود التي واجهت معارضة شعبية واسعة أو معارضة كتل طائفية أساسية. لم يجدّد الرؤساء الراغبون في التجديد برغم دعم البرلمان خوفاً من حراك الشارع والانقسام الوطني. الرؤساء الذين جاؤوا من خارج الوفاق الوطني لم يستطيعوا أن يحكموا. لقد حاصرتهم الاعتراضات السياسية وشلّت مؤسسات الدولة. البرلمانات المتعاقبة اختارت رؤساء من اتجاه سياسي معيّن كما من نقيضه. هذه هي حال نظامنا السياسي ومشكلاته. المجتمع أقوى من الدولة. الدولة حتى الآن موجودة فقط حيث هناك شراكة وتوافقات. لا يبالغنّ أحد في دور الرئاسة والرؤساء. سياسة لبنان ستكون حتماً جزءاً من تطلعات الشارع والمناخ العام في المنطقة الذي يفرض نفسه على الاتجاهات السياسية. إذا تعاكست سياسات الحكم مع مناخات المنطقة دخلنا في الأزمات.

ليس مهماً ما يقوله الرئيس عن نفسه، المهم ما يستطيعه بين صراعات القوى. لا يحتاج المرء إلى دليل على هذا الاستنتاج أكبر من واقع الرئاسة الحالية وواقع الحكومة. ما نحتاج اليه لتدبير الاستحقاق الرئاسي الآن هو القليل من الشعارات السياسية الطموحة لمصلحة الكثير من فهم قواعد اللعبة والعمل من ضمنها. نود لو أن الرؤساء يُختارون مباشرة من الشعب لكان اختيارهم مرتبطاً بمواصفات الأشخاص والبرامج، لكنهم في الواقع هم حصيلة مساومات بين الجهات البرلمانية الفاعلة.

يتعهّد الرؤساء أمام زعماء الكتل وأقطاب الطوائف ولا يلتزمون بأي عهود حقيقية أمام الجمهور والمواطنين. وليس هناك وسيلة واحدة من وسائل المساءلة. ما حققه الرئيس فؤاد شهاب لم يعد به أحداً من قبل بل هو استجاب لاحتياجات وطنية عامة ظهرت مع أحداث 1958 في السياستين الخارجية والداخلية. لا تمكن معالجة مشكلاتنا إلا بالسياسة. السياسة ليست فقط العناوين الإقليمية. الاقتصاد والمالية والشؤون الاجتماعية والدين العام والفساد كلها مواضيع تحتاج إلى سياسة. حكومات المليونيرية زادت المديونية وزادت الفوضى. كان ذلك بقرار سياسي.

مداخل المعالجة تحتاج إلى قرار سياسي في مسائل أساسية لبناء الدولة. ثلاثة قوانين لها الأولوية في أي مشروع للنهوض الوطني: قانون الانتخاب، قانون السلطة القضائية المستقلة، قانون الإثراء غير المشروع. هذه القوانين هي أكبر استثمار اقتصادي ومالي.

البرنامج الوحيد الذي يمكن وصفه بالبرنامج هو الذي يستعيد ولاء اللبنانيين لدولتهم ويعطيها الشرعية اللازمة لإدارة المجتمع. إذا ظل اللبنانيون يتصرفون على أنهم جاليات ومجموعات طائفية لديهم سياسات خارجية ودفاعية وتحالفات وعداوات من فوق سلطة الدولة، فلن تستطيع الدولة القيام بمهامها. الدولة وحدها من يباشر مهمة السيادة والدفاع عنها وتحقيق سياسة لبنان الخارجية. لا يمكن أن تكون السيادة لفريق سياسي أو طائفي مقابل فريق آخر. الدولة هي من ينطق باسم اللبنانيين.

سياسة المحاور والجبهات التي تعمّق الانقسام بين اللبنانيين تشلّ الإرادة الوطنية الواحدة. آن للبنانيين أن يتصرفوا على أن قضاياهم الوطنية هي شراكة في ما بينهم وليست ملفات موزعة مهمات على الطوائف، واحدة للأمن وأخرى للاقتصاد وثالثة للحرية. حاجات اللبنانيين كشعب أكبر من أن تختصرها النزاعات الإقليمية والدولية. لا قيمة لأي سياسة حصيلتها هجرة الطاقات اللبنانية والبطالة والفقر والانهيار الاجتماعي. إن تحرير الأرض يفقد معناه مع استعباد الإنسان. آن للوطنية أن تأخذ معناها الحقيقي في خدمة الإنسان.

السفير (10 10 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

أميركا هي الأصل

المسألة ليست دستورية

لم يعد للطوائف أن تنتصر

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007