|
|
|
آخر تحديث Friday October 13, 2006 الساعة 02:48:22 PM |
القدس في الملفين القومي والدولي محمد المجذوب سنطل على الملفين من خلال الملاحظات العشر الآتية: أولاً ـ القدس أرض مقدسة اغتصبها العدو الصهيوني، جزئياً في العام ,1948 وكلياً في العام ,1967 ثم اعتبرها عاصمة أبدية لكيانه الذي قام على البطش والطغيان، وعاش بمساندة الدول المستكبرة، وانضم إلى عضوية الأمم المتحدة بالخداع والتآمر. ولكن مصير القدس (ومعها فلسطين كاملة غير مجزأة) قضية تؤرق الضمير العربي، وتحدد المستقبل العربي، وتنبئ بمدى قدرة العرب على العيش بعزة وكرامة. ثانياً ـ نحن أمام عدو شرس لم يخجل أي زعيم من زعمائه، منذ اغتصاب فلسطين، من التبجح بالمواقف الجرمية التي يتبناها كل صهيوني، والتي تتجلى في أقوال وشعارات مثل: ـ أنا أحارب العرب، اذن أنا موجود. ـ إدفع دولاراً تقتل عربياً. ـ من نكد الدنيا على الصهيوني أن يرى ولادة أكثر من فلسطين كل يوم. ـ القدس لنا وحدنا، وسنزيل كل أثر غير يهودي فيها. ـ الفلسطينيون حشرات وخلايا سرطانية يجب التخلص منها. ـ حدود إسرائيل ليست من الفرات إلى النيل، بل من فلسطين الى أقصى أرض يحتلها الجيش الاسرائيلي. ثالثاًـ ان الانظمة العربية الحاكمة، ومعها معظم حركات التحرير العربية، بقيت سنوات طويلة تنادي بوجوب تحرير القدس كلها، ولكنها تراجعت في الآونة الأخيرة وأخذت تطالب بتحرير القدس الشرقية فقط، كأن العواصم قطع من الحلوى مؤهلة للقسمة والتوزيع. أما إسرائيل فكانت دوماً تصر على إخضاع القدس كلها لسيادتها. وقد استطاعت، بعد العام ,1967 السيطرة على القدس وضمها الى الاراضي المغتصبة والادعاء بأنها ستبقى الى الأبد موحدة وعاصمة لاسرائيل. ولم تتورع عن تكرار رفضها لكل القرارات الدولية التي تعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة. رابعاً ـ نحن نعتقد بأن وضع القدس، في الضمير الانساني والوجدان العربي، لا يمكن ان ينفصل عن وضع فلسطين، وبأن مصير القدس سيبقى دائما مرتبطاً بمصير فلسطين، وبأن تحرير القدس لا يتم بمعزل عن تحرير فلسطين، وبأن لا قيمة للقدس خارج فلسطين المحررة والحرة، وبأن العكس صحيح كذلك. وإذا كانت القدس مدينة، فهي عروسة المدائن. وإذا كانت عاصمة، فهي جوهرة العواصم. وكثيراً ما ارتبط مصير الأمم بمصير عواصمها. فكم من أمة انهارت أو بادت او استسلمت بعد سقوط عاصمتها. وكم من أمة بقيت وعمّرت بعد صمود عاصمتها. فموسكو فضلت، في العام ,1812 إحراق نفسها لمنع نابليون من احتلال روسيا، وقاومت جيوش هتلر، في العام ,1941 لإنقاذ الاتحاد السوفياتي من الاحتلال. وصمود هانوي في وجه العدوان الأميركي، في الستينيات من القرن الماضي، وفر لفيتنام الشمالية أسباب البقاء والانتصار وتوحيد الأمة الفيتنامية. وعلى العكس من ذلك، فإن احتلال القسطنطينية، في العام ,1453 من قبل الجيش العثماني أدى الى انهيار الأمبراطورية البيزنطية. واضطرت فرنسا، في العام ,1940 الى الاستسلام بعد دخول الجيش الألماني عاصمتها باريس. وأكرهت ألمانيا النازية، في العام ,1945 على الاستسلام بعد اجتياح جيوش الحلفاء عاصمتها برلين. خامسا ـ ان استعادة فلسطين، ومعها القدس وكل الحقوق العربية، لا يمكن مطلقاً ان يتم بالصفقات والمساومات والاتفاقات والقرارات الدولية، فالتاريخ القديم والحديث لا يتحفنا بمثل واحد عن اتفاق او قرار دولي استطاع فرض حل عادل أو إعادة حق سليب إلى أصحابه. إن المقاومة، بكل أنواعها، ما زالت حتى اليوم أصدق أنباء وأجدى نفعاً من أي قرار دولي، ولو صدر بالإجماع. لقد علمنا التاريخ درسا خالدا (حتى اثبات العكس)، وهو ان الحق في القضايا القومية، المرتبطة بالعزة والكرامة، لا يستعاد إلا بالنضال المجسد في المقاومة. فالعدالة لا تخرج من زنزانات المعتقلات او المفاوضات العقيمة الا على رؤوس الحراب. والسلام العادل والشامل والصامد لا تبنيه الا النفوس الأبية والجباه الشامخة والسواعد الفتية المدربة على مقارعة التحديات. لقد تعلم جيلنا، في المنزل والمدرسة والحياة العامة، ان الشرف الرفيع لا يسلم من الأذى ولا يدحر العدوان حتى يراق على جوانبه الدم، وان دم الثوار يرهب الاستعمار والفجار، وإن من يهن يسهل الهوان عليه، وان العزائم تأتي على قدر أهل العزم، وإن المطالب القومية لا تنال بالتمني وإنما تؤخذ الدنيا غلاباً. سادساً ـ نحن ننتمي الى أمة مجيدة أسهمت، بكل أطيافها الاسلامية والمسيحية، في تطور البشرية روحيا وعلميا وثقافيا. ولكنها اليوم أمة مشتتة وموزعة على دول عديدة، يستعصي بعضها على الوصف والتصنيف. وأنظمة هذه الدول (وكذلك حكامها) على خلاف وخصام بسبب النزوات او ضيق الآفاق او الانحراف الذي يحلل ما حرمه الضمير القومي. والأمة المفككة المتخاذلة لا وزن لها على المسرح الدولي، ولا قدرة لها على رد الإهانات ورفض التنازلات ومقاومة التحديات. وهي تغري الأعداء بالنيل منها والحط من قدرها. ويكفينا الإطلاع على النعوت المخزية التي يلصقها العدو الصهيوني بنا، وعلى المشاريع الاستعمارية التي يعدها الأعداء لتقسيم كل إقليم في أمتنا، ونهب كل جزء من ثرواتنا، وإجهاض كل محاولة لتحسين أوضاعنا وتوحيد أقطارنا. سابعاً ـ لقد تسلمت الأمم المتحدة الملف الدولي للقدس منذ العام ,1947 فعقدت عليها الآمال. ولعل السبب يعود إلى الوعود والشعارات التي حفل بها ميثاقها في مجالات حقوق الإنسان وحق تقرير المصير ونشر العدالة والمساواة بين الشعوب. وكانت القدس، ومعها القضية الفلسطينية، المحك والتحدي لنجاح المنظمة العالمية الجديدة أو إخفاقها في التوفيق بين المبادئ الإنسانية والأخلاقية السامية التي أعلنتها وبين الواقع الدولي المرير الذي تعيش فيه. ويؤلمنا أن نلاحظ ان هذه المنظمة قد أخفقت في مهمتها. صحيح أنها كرست لقضية فلسطين، وللقدس بوجه خاص، ما لم تكرسه للقضايا العالمية الأخرى من وقت وجهد وعناية، وأنها لم تتوان عن تقديم بعض المساعدات المادية للشعب الفلسطيني، المضطهد او المشرد، وعن إصدار القرارات العديدة الداعمة لحقوقه الثابتة، الا انها لم تتمكن من حل مشكلته وإعادته الى وطنه وتحرير عاصمته وإنزال العقوبة بمن كان السبب في نكبته. ثامناً ـ لقد علل العرب النفس، عندما تعرضت القدس للمخاطر، بأنها مدينة يحتضنها الإسلام والمسيحية، وبأن مكانتها الروحية الرفيعة كفيلة، اذا ما أصيبت أعتابها المقدسة بأي سوء، بتفجير الغضب الساطع وتحريك المشاعر واطلاق صرخة (واقدساه) في كل أرض يقرع فيها جرس او يرتفع منها أذان. غير ان القدس شهدت، منذ العام ,1947 سلسلة من الأهوال والمآسي، فتعرض المسجد الأقصى فيها للحريق المفتعل، وشقت تحته او حوله طرق وأنفاق، وأطلق الرصاص مرات عدة على المصلين فيه، واستعمل جنود العدو الهراوات ضد الفلسطينيين لمنعهم من أداء الواجبات الدينية فيه، فلم نسمع إلا صرخات المصابين، وبيانات التنديد والاستنكار، وتشكيل اللجان وعقد المؤتمرات وتنظيم التظاهرات. وأدرك الشعب العربي، بعد إمعان العدو في غيه وطغيانه، ان خصال الشمم والإباء والمروءة وإغاثة الملهوف التي كان العربي يفاخر بها كادت تتلاشى من أرضنا العربية الطيبة بسبب وجود فصيلة كبيرة من حكامنا الذين وصفهم الشاعر عمر أبو ريشة بقوله: إن خوطبوا كذبوا، او طولبوا غضبوا، وإن حوربوا هربوا، أو صوحبوا غدروا... عاشوا وما شعروا، ماتوا وما قبروا. تاسعاً ـ إن الملف الدولي للــقدس حافل بالتقلبات والمؤامرات والتنازلات. فالزعمــاء العرب الذين كانوا، منذ عقــود، يتظاهرون بالنضال من أجل تحرير فلسطين كلها، وفي مقدمتها القدس بكاملها، أخذوا اليوم، بعد ان هان عليه الهوان، يطالبون بالقدس الشرقية فقط ليجعلوا منها عاصمة لدولة فلسطينية من الصعب قيامها. وإذا كان هذا الحلم ما زال يدغدغ بعض النفوس، فان إصرار العدو على ضم القدس وما حولها لسيادته الكاملة كفيل بتبديد احلام اليقظة. ويكفينا الاستشهاد ببعض المواقف الإسرائيلية المعبرة: 1ـ في العام ,1990 قال اسحاق شامير (رئيس وزراء العدو آنذاك): «ان القدس بكاملها جزء شرعي من اسرائيل». 2ـ وفي الاحتفال بتوقيع اتفاق اوسلو، في العام ,1993 ألقى رابين (رئيس وزراء العدو آنذاك) خطاباً قال فيه: «لقد جئنا من القدس، العاصمة القديمة الأبدية للشعب اليهودي». 3ـ وكان الكنيست قد أصدر في العام ,1980 في عهد مناحيم بيغن (رئيس وزراء العدو آنذاك) قانوناً أساسياً (أي دستورياً) أكد فيه ان «القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة إسرائيل». 4ـ وعمد العدو، بعد ذلك، الى مصادرة كل الاراضي المحيطة بالقدس، والى الاحتفال كل عام بـ «يوم القدس»، ابتهاجاً بتحرير القدس الشرقية. 5ـ وفي العام ,1994 وبمناسبة الاحتفال بـ «يوم القدس»، تبنى الكنيست قراراً أكد فيه من جديد «أن القدس، عاصمة إسرائيل، ستبقى إلى الأبد مدينة موحدة تحت السيادة الإسرائيلية... وان القدس وضواحيها ليست موضوعاً سياسياً أو أمنياً، وإنما هي روح الشعب اليهودي». وفي العام ذاته صرح شيمون بيريز (الذي أصبح رئيس الكيان الصهيوني) في الكنيست «بأن القدس لن تقسم ولن تكون عاصمة لكيانين». وفي العام ,1998 صرح نتنياهو (رئيس وزراء العدو آنذاك): «إن القدس مدينة يهودية منذ ثلاثة آلاف سنة، ولا يمكن بالتالي التفاوض بشأنها». والخلاصة ان قضية القدس، محليا ودوليا، جزء من كل متكامل، وان تهويد القدس بكاملها مخطط صهيوني قديم يسهم الفجور الصهيوني والتخاذل العربي في إنجازه، وان زعماء العدو، على مختلف مشاربهم، يؤمنون بوجوب العمل على إعادة إنشاء «اسرائيل الكبرى» او «مملكة اسرائيل التاريخية». غير أن إنشاء هذه المملكة لا يمكن ان يتم الا على أنقاض الآخرين. ولهذا كانت الصهيونية، في جوهرها ومسارها، حركة إلغاء الآخرين. والإلغاء يعني الإفناء. والإفناء في فلسطين يعني طمس المعالم والآثار والقيم والتعاليم المسيحية والإسلامية، وإبادة كل انسان ينادي بها او يحاول استلهامها والحفاظ عليها. والتغلب على الصهيونية والاستعمار الجديد لا يتم إلا بالوحدة او الاتحاد وتجنيد القوى والطاقات وإيقاظ العناصر الحية في الأمة. ان السبات العربي طال وكدنا نصاب بمرض اليأس القاتل لولا الانجازات الباهرة الأخيرة التي حققتها المقاومة العربية الباسلة في كل من لبنان وفلسطين والعراق، وذكرت الاجيال الطالعة بأن أجدادهم في الماضي استدلوا، كما قال الشاعر، على الدهر فتى ومشوا فوق رؤوس الحقب، وعمموا بالشمس هاماتهم وبنوا أبياتهم في الشهب. السفير (11 10 2007) |
|
|||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||
|
منتدى النهضة ® 2007 |
||||||||