|
|
|
آخر تحديث Friday October 13, 2006 الساعة 02:48:17 PM |
من مسلم يائس إلى مسيحي عاجز: كي لا يطغى الهاجس التكتيكي في بكركي جهاد الزين تروي المغفور لها السيدة مود فرج الله في مذكراتها انها نظمت للسيد بيار اميل اده، في سياق تجميع المعارضين ضد الشيخ بشارة الخوري في ولايته الثانية، موعدا في لندن مع مستشار لرئيس الوزراء البريطاني هو "الكومودور بوث" وأن المضيف البريطاني فوجىء مستاءً بالسيد اده يسأله عن مدى امكانية اعادة النظر بحدود الكيان اللبناني(). كان ذلك عام 1952، ولا مانع جوهريا من تصديق هذه الرواية، فالسيدة الراوية كانت مطلعة، في تلك الايام، ثم ان هذا "التيار" الذي يمثله هنا ابن اميل اده "المفجوع" حديثا آنذاك من "الاستقلال"، كان تيارا موجودا في أجواء بعض موارنة لبنان، ربما منذ اللحظة الاولى لتأسيس "دولة لبنان الكبير"... بل يمكن القارئ العودة الى بعض الصحف والمجلات الصادرة في النصف الاول من العشرينات لقراءة مقالات لأعيان موارنة يبدو فيها تململهم من الثمن، أو الأثمان التي يدفعونها كمسيحيين لقاء تكبير لبنان من حدود المتصرفية في جبل لبنان الى حدوده "الجديدة"، ومنها مثلا مقال للشيخ خطار سليم دحداح في مجلة "المشرق" (مجلد 21 – العدد 8 – آب 1923). ... كانت وجهة التململ لدى بعض نخب الموارنة في تلك الفترات ذات عنوان "سني" عند المسلمين. فحتى لو أن ضم جبل عامل الشيعي ذي الريف المتخلف جدا كان جزءا من "المشكلة الديموغرافية" لكيان "لبنان الكبير" في وعي النخب المارونية المعترضة، إلا أن مصدر السجال الفعلي كان المدن الثلاث الكبيرة المهمة التي أضيفت الى المتصرفية وهي طرابلس وبيروت وصيدا ذات الاغلبية المسلمة السنية. ... السياسيون الموارنة "الزمنيون" الذين سيجتمعون في بكركي اعتبارا من اليوم، أيا يكن مستوى تمثيلهم، يجمعهم الآن هاجس أن مصدر "التوتر" السياسي – الأمني في الكيان اللبناني هو الآن "شيعي"، حتى لدى حلفاء "حزب الله" بين المجتمعين. فلقد تغيرت الأزمنة، ومعها تغيرت عوامل "اللالبننة"، إذن عوامل "اللبننة" نفسها. فكما ان "الموارنة" عام 1975 أصبحوا، رغم أنهم مؤسسو "لبنان"، أقل تمسكا بكيان (وبدولة) اختلت وظائفه السيادية اختلالا عميقا مع ظهور مشكلة الوجود الفلسطيني، ظهر "السنة" في اللحظة 1559 التي حملت قرار "النظام العالمي" باخراج الجيش السوري من لبنان، أكثر لبنانية، بل متلبننين تماما كأصحاب "جدد" للشعار السيادي، فيما انكتب فصل "مفاجىء" لأدبيات كثيرة من الستينات والسبعينات الى "حرب المخيمات" في الثمانينات ذهبت هباء وظهر "الشيعة" ضد "السيادة اللبنانية". زعمتُ شخصيا طويلا، وما زلت أزعم ان "وطنيات" الطوائف، هي "وطنيات" متغيرة، ولا يجب التعويل على ديمومتها، مثل التعويل على اللبننة الدائمة لـ"السنة" اذا تغير "الجو" في المنطقة المحيطة!! ... الذين يبدأ البطريرك الماروني بجمعهم في بكركي اعتبارا من اليوم، ربما تحت هاجس محاولة تجنب انخراطهم في حرب أهلية آتية بين "الاحزاب" المسيطرة على السنة والدروز من جهة، والاحزاب المسيطرة على الشيعة من جهة أخرى، او لمحاولة التحضير لاسم رئيس جديد للجمهورية تم أو يتم التوافق عليه بين الاميركيين (والسعوديين) وبين السوريين (والايرانيين) او للهدفين معا... هؤلاء الموارنة الذين يبدأ البطريرك بجمعهم اعتبارا من اليوم وبمعزل عن التاريخ الشخصي لكل منهم وعن علاقاتهم ببعضهم البعض المعلنة او المضمرة... هؤلاء هم حاليا فريقان متصارعان على رهانين كبيرين جديين جدا... أقول انهما، على تناقضهما كرهانين، هما في الواقع من زاوية المشهد اللبناني – الاقليمي، الرهانان "اللبنانيان" الوحيدان... إذا جاز التعبير في ظل ايرانية وسورية الحزبين المسيطرين على الشيعة، وفي ظل سعودية الحزب المسيطر على السنة. لكل من هذين الرهانين، رهان ما يسمى "مسيحيو 14 آذار" ورهان "التيار الوطني الحر" بقيادة ميشال عون، منطقه الجاد في النظر الى وضعية المسيحيين اللبنانيين. مسيحيو 14 آذار، يقول منطقهم، ان الموارنة كانوا دائماً حلفاء الغرب، فرنسا في تاريخهم القديم والحديث، وبريطانيا والولايات المتحدة في تاريخهم المعاصر، ودائماً كانوا كنسياً وسياسياً على علاقة بـ"الفاتيكان" الذي هو جزء لا يتجزأ من الغرب. لهذا فان لسان حالهم المعلن - وغير المعلن - يقول ان الموارنة إذا لم يكونوا في هذا "الصف" الغربي فأين يكونون غير هنا؟! بكلام آخر هذا هو موقعهم الطبيعي، تاريخياً وسياسياً، فكيف اذا كان خصمهم في سوريا قد همشهم خلال ادارته للبنان فترة طويلة. ميشال عون ومسيحيوه يقولون، ان لبنان والمنطقة لم يعودا الى ما كانا عليه. فالغرب سلم "السلطة" في لبنان الى الفريق الذي يسيطر على الطائفة السنية ومعه الفريق المسيطر على الطائفة الدرزية الملتحق تماماً بهذا الخيار. لذلك فإن المعادلة القديمة عن "بداهة" العلاقة المارونية بالغرب لم تعد قائمة بالمعنى القديم. ويضيف لسان حال "التيار الوطني الحر" ان الخطر على المسيحيين في منطقة "بلاد الشام" يأتي من الأصولية السنية، ولهذا فإنه لم يعد من مبرر لمعاداة دائمة للنظام السوري بعد إخراجه من لبنان، النظام الذي لا يعلن العونيون وحلفاؤه انه يحظى حالياً بتأييد كبير جداً لدى مسيحيي سوريا رغم "قصصه" الكثيرة مع مسيحيي لبنان. (وأضيف هنا ان الخوف من الأصولية يجعل بورجوازية المدن السورية الرئيسية مع النظام ايضاً الذي ابقاها في مركز القيادة الاقتصادية الفعلية لسوريا ناهيك عما اسميه "حس الاستقرار" العالي تاريخياً لدى بورجوازية المدن السورية بعكس التجربة العراقية... لكن هذا حديث آخر). * * * إذا سلّمنا جدلاً انه في المشهد اللبناني الحالي تبدو النخب المسيحية المتصارعة بين رهانين اقليميين دوليين، هي وحدها "اللبنانية" حالياً، اي المنطلقة من اعتبارات "لبنانية" اساساً، فيما الجسمان السني والشيعي هما تحت السيطرة البنيوية للخارج الاقليمي للمرة الأولى بهذا الشكل في تاريخهما داخل الدولة اللبنانية، اي منذ 1920... إذا سلمنا بذلك، فماذا سيقول البطريرك صفير لمدعويه، والأدق... واسمح لنفسي هنا بهذا التعبير – ماذا يجب ان يقول لمدعوّيه: يرتسم دور لمسيحيي لبنان، في زمن الحساسية السنية – الشيعية في المنطقة، وتحول هذه الحساسية الى مادة صراعات مصالح اقليمية ودولية ضخمة، ربما بإمكانه – اي دور مسيحيي لبنان – ان يفرض مساراً، او تعديلاً على مسار الاحداث اللبنانية، خصوصاً في فترة استحقاق "انتخابات" رئاسة الجمهورية. ويمكن البطريرك ان يقول لمدعويه: إذا وقعت "اعجوبة" امكان اتفاقكم على اسم لرئيس الجمهورية المقبل، فإنكم قادرون ليس فقط على فرضه على الطائفيات الأخرى السنية الشيعية الدرزية، بل أيضاً حتى على "اللعبة" الدولية – الاقليمية. "التيار الوطني الحر" بثقله الفعلي في العلاقة مع "حزب الله" والتي صمدت، ومسيحيو "14 آذار" بالعلاقة مع تيار الحريري والحزب الجنبلاطي. ثم ان باستطاعة البطريرك صفير، اذا كان هدفه يتخطى مجرد السعي للحؤول دون تورط المسيحيين في حرب أهلية محتملة بين القوى المسيطرة على السنة والشيعة والدروز... ان يتجاوز هذا "التكتيك"، وهو "تكتيك" مشروع أخلاقياً، الى السعي لبلورة مسار "استراتيجي" يطل عبره المسيحيون بفريقيهم برؤية للبنان... سيتردد كثيراً "حزب الله" او "تيار المستقبل" او "الحزب التقدمي الاشتراكي" في الاعتراض السريع والتبسيطي عليها اذا حملت المواقف الواضحة التالية: 1 – ضرورة إنهاء التهديد باستخدام سلاح "حزب الله" في أي توتر اقليمي مع اسرائيل... وربط ذلك باستراتيجية الدولة اللبنانية باتجاه بلورة مسار الاستغناء عن وجود هذا السلاح بعدما فقد مبرره اللبناني. واعتبار أي انفراد في التوظيف السياسي لهذا السلاح تهديداً لميثاق التعايش بين اللبنانيين. والتأكيد على تطبيق القرار 1701 كعنصر الحماية الوحيد للجنوبيين وجميع اللبنانيين من اسرائيل. 2 – مطالبة الولايات المتحدة الاميركية واي طرف غربي او عربي آخر بعدم استخدام لبنان في المواجهة مع النظام السوري، أي بتحييد لبنان في هذه المواجهة وتعزيز الضمانات الدولية والعربية بعدم العودة الى وضع ما قبل 26 نيسان 2005 تاريخ خروج آخر جندي سوري من لبنان. 3 – اعادة النظر بكل الممارسات الفئوية التي حصلت داخل دوائر الدولة في السنتين المنصرمتين، وتحقيق "التوازن" حيث حصل خلل فاضح. 4 – تكليف العماد ميشال عون باسم المجتمعين فتح الحوار مع القيادة السورية حول كيفية المساهمة السورية في تأمين الاستقرار الأمني في لبنان. 5 – الدعوة الى اعتماد صيغة اللامركزية الادارية والانمائية الموسعة للمناطق اللبنانية، والتأكيد على اعتماد "القضاء" دائرة انتخابية في الانتخابات التشريعية المقبلة بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة اتحاد وطني. يجب ألا يسود الهاجس التكتيكي في بكركي، على الأقل عند سيدها الرصين. فإذا كان خطر اندلاع حرب أهلية بين مسلمي لبنان يثير الهلع لدى بلدان عربية مهمة من إصابة رذاذها مجتمعات هذه البلدان، إن لم يكن إطلاق شرارة تفجير حروب أهلية لديها، فكيف سيكون وضع "جبل لبنان" حيالها؟ إنها لحظة يستطيع ربما مسيحيو لبنان – إذا "استعادت" نخبهم طليعيتها – ان يساهموا في انقاذنا جميعاً، "هم" و"نحن"... أي نحن ونحن كلبنانيين؟ .... إني أخاطب ربما آخر اللبنانيين... آخرهم "مؤقتاً"؟... فالهويات الوطنية "مؤقتة" كما ظهر في لبنان. () Visages D'une Epoque. Maud Fargeallah raconte – Firnass – Liban / Cariscript – Paris 1989, P-223. النهار (11 10 2007) |
|
|||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||
|
منتدى النهضة ® 2007 |
||||||||