تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday October 13, 2006 الساعة 02:48:12 PM

مقـالات

ثمن الانتقال من معركة الأمة إلى معركة المشاركة

فاروق الساحلي

لو أمكن «لحزب الله» أن يكون غير ما هو عليه، وانطلق في مقاومته من خلال الالتزام بالمنطلقات القومية والوطنية وقاتل العدو الصهيوني من خلال هذه الرؤية. لكان الحاصل على الساحة اللبنانية أخذ أشكالاً أخرى وأحجاماً مختلفة اولها وأهمها، ان الدفاع عن لبنان وقتال العدو الصهيوني لن يكون سبباً في انقسام كبير مثل الذي نعيشه اليوم، وفي أقصى حدوده كان سيفرز اقلية لبنانية، قليلة، تستنسخ ظاهرة العمالة لإسرائيل على شاكلة «الحداديين» او «اللحديين» نسبة الى سعد حداد وانطوان لحد، والتعامل مع هذه النماذج اللاوطنية معروف ومنصوص عليه في القوانين اللبنانية، التي تحاسب المتعاملين مع العدو بطريقة مباشرة او غير مباشرة.

لكن. وبما ان «حزب الله» تأسس وتشكل وقاتل على طريقته الخاصة ووفق مفاهيم أحادية، تستعير عند الحاجة، المفاهيم القومية والوطنية، كما تجلى في حرب تموز عام 2006 مع الاستئثار بالعمل المقاوم، ومن غير استنباط صيغة وطنية جامعة، تجعل منه مقاومة وطنية شاملة، فلا بد له في غياب ذلك من الاصطدام بخصوصيات الواقع المحلي اللبناني، الشديد التعقيد، والحساسية، نحو الأحادية والاستئثار، حيث يصبح توظيف الانتصار على العدو الصهيوني في الصراع الداخلي والتجاذبات السياسية المحلية عبئاً جديداً وثقيلاً ليس فقط لأن لبنان لديه ما يكفي من مواد أولية لإشعال الصراعات حول مسائل خلافية من داخله، انما بدخول مادة اضافية شديدة الانفجار ترتبط بصواعق مزروعة في الخارج، اذا انفجرت قد تطيح بكل ما هو قائم، وتؤسس، ليس لبناء جديد كما يعتقد البعض، بل لبناء من ركام فوق الركام، مهما جهد أصحابه في تزيينه. خارج هذا كله وعلى هامشه يمكن «لحزب الله» أن يباهي ويفاخر بإنجازاته في مواجهة العدو الصهيوني في حرب تموز عام ,2006 وقبلها، باعتباره حقق الانتصار الأول والوحيد في تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني، لكن هذا لم يقدمه فصيلاً قومياَ اول ووحيداً، تفتقده الساحة القومية وتعيش حالة من اليتم والفراغ.

لقد خاض «حزب الله» معركته بكفاءة مشهودة، أجبرت العدو الصهيوني وقادته على الاعتراف بأن أقوى جيش في العالم لا يمكنه نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التنظيمية وتجلت هذه الكفاءة بدقة التنظيم والاعتماد على عناصر مشبعة بروح التضحية والاستشهاد ولطالما ردد «الشيعة» في مجالس عزاء يثابرون على إحيائها منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام: «يا ليتنا كنا معكم لنفوز فوزاً عظيماً» والفوز هنا هو الاستشهاد مع الحسين وبين يديه في معركة كربلاء التي ذهب اليها الإمام الثائر والمظلوم وهو يقول: «اذا كان دين جدي لا يستقيم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني».

لكن «حزب الله» آثر الانتقال من معركة الأمة إلى معركة المشاركة، ومعركة من هذا النوع في لبنان، لا يمكن إلا ان تكون تحت سقف الصيغة اللبنانية مما جعل العديد من القوى المحلية والعربية ومن ثم الدولية تشعر بالتوجس والريبة من معركة كهذه وما ستؤول اليه من نتائج لا يمكن القبول بها او الاستفادة منها، بل هي أفقدت «حزب الله» سلاحين هامين كان قد اكتسبهما في المعركة لهذا العدو الصهيوني هما:

الأول: التأييد الواسع الذي عبرت عنه القوى السياسية العربية، أنظمة وأحزاباً وتيارات ومنظمات وحركات، كانت منضوية في الخط القومي وفي حركة التحرر العربي. رغم أنها في وقت ما انكفأت وتراجعت، وبعضها انحرف وتساقط.

الثاني: التأييد الواسع أيضاً من اللبنانيين كافة وإن تفاوتت درجاته وأشكاله، لكنه أسهم في حماية الخطوط الخلفية للمقاومة واسقط من يد العدو ورقة المراهنة على الانفجار الداخلي باعتبار ان لبنان لا يحتمل حرباً مدمرة من هذا النوع، وبأن الاشتباك السياسي حول قضايا أساسية. سيمنع اللبنانيين من التوحد، دفاعاً عن بلدهم، لكن هذا الرهان سقط بفضل الصمود العسكري للمقاومة، والسياسي للحكومة اللبنانية، وإن التراجع عن مقولة أن الحكومة كانت حكومة المقاومة السياسية، كان خطأ كبيراً وكأن المقصود منه الاستئثار بانتصار يتم البناء عليه لاحقاً من غير اعتبار بان العدو الصهيوني عدو قومي وليس عدوا دينيا. وعدو للأمة العربية كلها وليس لبلد واحد او لطائفة او فريق منها، ولبنان ليس الساحة الوحيدة لقتاله، اذ ما جدوى ان نصمد امام ضرباته العسكرية الوحشية، وندفع كلفة عالية لمنعه من تحقيق الانتصار على المقاومة في لبنان، وينتصر على الأمة العربية كلها بالتسويات الموقعة معه او بالأرض التي يحتلها ويسعى أصحابها لتوقيعات جديدة مماثلة، او بدخوله في تفاصيل الوضع العربي من خلال الفتن الطائفية والصراعات المذهبية والعرقية. ان انتصار «حزب الله» في حرب تموز حقيقة يجب الا يشكك فيها احد، سيما بعد اعترافات قادة العدو امام لجان التحقيق والتداعيات المتواصلة في الكيان الصهيوني. ورغم ان حلاوة هذا الانتصار تكاد تضيع وتصبح ذكرى من الماضي بسبب القصور في استثماره وتطويره والتأسيس عليه للأيام القادمة بإزالة بعض الالتباسات التي أطاحت ولا تزال تحيط به، وهي:

الالتباس الأول في علاقة «حزب الله» مع قوى أساسية في لبنان تشكل في أدنى تقدير نصف الشعب اللبناني وهذه القوى لها رؤيتها السياسية، وقبل ذلك هي من المكونات الرئيسية للبنان الوطن النهائي. وكان لبعضها السبق في احتضان العمل المقاومة بمراحله كافة الفلسطينية والوطنية ثم الإسلامية. وكان لهذا الاحتضان الذي بدأ منذ أواخر الستينيات من القرن الماضي وحتى اليوم، ثمناً باهظاً لا يمكن التنكر له. وكان للرئيس الشهيد رفيق الحريري دور بارز في صيانته وحمايته وشرعنته عالمياً، في كل المحافل والمنابر.

الالتباس الثاني في إدارة «حزب الله» للنتائج السياسية لحرب تموز وانعكاساتها في توزيع جديد للقوى والأحجام. وذهابه إلى رعاية الانقسام الكبير الذي كرس انشقاقاً وطنياً حاداً دون مراعاة التوجهات المشروعة لقوى طائفية وسياسية شاركت في قيام لبنان كتسوية تاريخية بين اللبننة والعروبة ودون إدراك مخاطر الإطاحة بهذه التسوية والمشاركة ستفقد معناها إذا كانت على حساب الآخرين او انتقصت من دورهم.

الالتباس الثالث في العلاقة مع الدولة وقبل ذلك هل ثمة ضرورة لقيامها. وإذا كنا نعتقد أن «حزب الله» مع قيام الدولة ويؤمن بضرورتها كما يقول، فإن الواقع على الأرض هو غير ذلك. وهنا. لا يتحمل «حزب الله» وحده المسؤولية. لأن العلاقة السلبية بين شرائح كبيرة من اللبنانيين وبشكل خاص في المناطق والأطراف من النائية التي تغيب عنها الدولة كان سابقاً لنشوء «حزب الله». لقد عاش هؤلاء اللبنانيون عقودا في غربة طويلة عن الدولة بما تعنيه من مؤسسات تربوية وصحية وتنموية وأمنية وقد تشارك في هذه الغربة ـ المحنة لبنانيون من كل الطوائف، وحتى الآن لم يثبت «حزب الله» ان «المؤسسات» التي بناها هي لمصلحة هؤلاء كلهم، لان عملها المنظم جيدا خاضع لرؤية الحزب وسياسته في ان يكون الأقوى وربما الأوحد في قيادة «الشيعة»، ووفق هذا الميزان تقوم حساباته وتترجمها مؤسساته في دورة اقتصادية واجتماعية وفكرية وبالطبع نفسية يشعر من يعيش في دائرتها انه في غنى عن الدولة وخدماتها ولا يبدي حماساً لقيامها. بعكس بعض «الشيعة» الذين تستقطبهم حركة أمل فهم أكثر اقتراباً من الدولة او شعوراً بأهميتها، لان الحركة اعتمدت في الأساس على نجاحها في احتكار حصة الطائفة الشيعية في كل المجالات من أعمال وتوظيفات والتزامات وكان الانتماء اليها هو الممر الوحيد للمواطن الشيعي وخاصة الجنوبي، نحو الوظيفة والمدرسة والمستشفى وكل المجالات الحياتية الأخرى المرتبطة بوجود الدولة وامكانية الاستفادة منها.

الالتباس الرابع وهو شائبة، العودة الى أسلوب الراحل «ابو عمار» وعلاقته الناهية الآمرة، مع الحركة الوطنية اللبنانية في مرحلة الحروب الأهلية، حيث اقتصر دورها على إصدار البيانات وتعداد الشهداء، مع الالتزام الكامل بما يرسمه لها ويقرره في مكاتبه ودوائره الكثيرة، دون ان يكون لها الحق في النقاش فكيف بالاعتراض، باعتبار ان صاحب المال والسلاح هو الذي يقرر ويبدو أن هذه الوضعية باتت من «الثوابت» في العمل السياسي في لبنان، وكل ما أثمرته هذه الحالة في نهاية الأمر، حفلة وداعية في مرفأ بيروت شارك فيها قادة الحركة الوطنية راسمين بأصابعهم إشارة النصر ـ أيضاً استجابة لإشارته ـ ليعودوا بعدها إلى فراغهم المرعب. في محاولة جديدة انما للنسيان والبدء بحياة جديدة.

إنها مأساة العمل الوطني والسياسي في لبنان فإما يكون طوباوياً فوق الواقع وخارجه، وإما مستغرقاً في تفاصيله الجزئية والصغيرة. وفي الحالتين يقود الى الانكماش، عاجزاً عن الخلق والإبداع فنبقى حيث نحن ندور في حلقة مفرغة بانتظار.. أن نعود إلى الدوران من جديد.

السفير (11 10 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007