تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday October 13, 2006 الساعة 02:47:42 PM

مقـالات

الموارنة ليسوا "البارونات" ولا "أمراء الحرب"!

أدمون صعب

"شفت السفير الانكليزي وعطاني كل التأكيدات لتحقيق المشروع المتعلق بالجنرال (فؤاد) شهاب. واليوم كنت عند المعارضة وشفتهم معنّدين أكتر من أي يوم، وتغيّروا كتير عن مبارح. انا عم شوف هالعناد الجديد يلي ظهر عند المعارضة كان ظهوره بعد مجيء رشيد كرامي مبارح لبيروت من الشام".

هنري فرعون

هاتفيا مع الوزير جورج كرم (من أشرطة التنصت على الهاتف كما وردت في كتاب "في خدمة الوطن" للمدير العام السابق للأمن العام الامير فريد شهاب)

هل نحن أمام "جمعة عظيمة" سبقت "خميس الأسرار"، أم أمام صراع مع الغربان التي تنعق منذ مدة في سماء لبنان، وفي الفضاء المسيحي خصوصا منذ أخذت الكنيسة المارونية مواقف سياسية غير تصالحية وغير توافقية بعيدة عن روح الارشاد الرسولي الذي جاء به البابا الراحل يوحنا بولس الثاني في ايار 1997 رسالة مصالحة وسلام وأخوة وتعاون مسيحي - اسلامي؟

أم أننا أمام نتيجة حتمية للشقاق بين المسيحيين، والموارنة خصوصا، والذي يزداد يوما بعد يوم ولا ترى الكنيسة حلا له، ويا للأسف، خارج "بارونات" الحروب وأمرائها، وحفنة من الطامحين الى الجلوس على كرسي بعبدا بأي ثمن؟

واذا كان البابا في روما وحده معصوماً من الخطأ في القضايا الايمانية، فان ثمة في الكنيسة عندنا من لا بد أن يكون ارتكب أخطاء، وإن صغيرة، في مسيرة قيادة المسيحيين منذ "النكبة الكبرى" التي تمثلت بتهجّر نحو ثلث الشعب المسيحي من الجبل خارج أرضه ومنازله وبعيدا من ضرائح الاجداد الذين استشهدوا في سبيل الارض فسقوها بدمائهم، وافتقروا وجاعوا واقتاتوا بشعير كانوا "ينقّونه" من روث البغال التركية، كما طحنوا الصخور وتناولوها بديلا من الطعام ليبقى لأحفادهم هذا اللبنان الذي كان يعوّل كثيرا على الكنيسة أن تعيد المهجرين الى ديارهم واسترجاع الجبل الذي استُنزع منهم وقُتلوا فوق جلاله وعُذبوا لذنوب لم يرتكبوها. بل ان المذنبين والمرتكبين الذين رافقوا الاسرائيليين الى الجبل الماروني – الدرزي بعد اجتياح عام 1982، والذين جبهوهم بمعاونة السوريين العلنية العسكرية والسياسية واللوجستية، قد تصالحوا على حسابهم وباتوا حلفاء متضامنين على السرّاء والضرّاء في جبهة واحدة بعد 14 آذار 2005، ولم تتردد الكنيسة في الوقوف بجانبهم صراحة ضد فريق 8 آذار، الامر الذي حوّل المسيحيين، والموارنة خصوصا، من أسياد الى تابعين.

وهل ثمة اعتراف بفشل الكنيسة في توحيد المسيحيين، ولا سيما الموارنة، من إقرارها بأن زعماء هؤلاء باتوا يصنفون في قاموس التبعية "موارنة 8 آذار"، و"موارنة 14 آذار"، وقد وجهت بكركي الدعوات الى الطرفين على هذا الأساس، ويا للأسف، بدل اشتراط سيد الصرح توحدهما لفتح أبوابه أمامهما.

لذلك فان الصلاة التي انطلقت في حريصا كان الاحرى بالداعين اليها، اذا كانت على نية الوفاق المسيحي وانقاذ لبنان، أن يحولوها رياضة روحية يتم خلالها في قاعات مغلقة فحص ضمير وسلسلة اعترافات زمنية وكهنوتية بالاخطاء التي ارتُكبت في شتى المجالات، ثم طلب الصفح والغفران من الله، التوجّه بعد ذلك الى بكركي لاجراء اللازم في ضوء الارشاد الرسولي الذي جاء به البابا للمسيحيين والمسلمين معا، من أجل المصالحة والمشاركة في المسؤولية الوطنية، وقال فيه ان المسيحيين ينمون في الحرية والمشاركة والانفتاح على الآخرين والتزام انتمائهم الى المسؤولية على أساس ان "المصالحة هي طريق السلام"، وإن على المسيحيين والمسلمين أن "يعيشوا معا في المساواة والكرامة والمسؤولية".

إذ لو أخذ المسيحيون، وخصوصاً الموارنة، بالارشاد الرسولي لما كان "اضطر" الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في "يوم القدس" واتهم اسرائيل باغتيال أحرار "ثورة الأرز" مبرّئا ساحة سوريا التي جاءت التهديدات للشهداء من طرفها منذ الرئيس رفيق الحريري، وحيث لو سُئل الشهداء، كما يُسأل المعرّضون لأي اعتداء: هل لديكم أعداء؟ وهل تلقيتم تهديدات من أي جهة؟ ومن تظنون انه وراء قتلكم؟ لجاء الجواب واحدا: سوريا. مع عدم اسقاط امكان ضلوع اسرائيل في اغتيالات أخرى بحيث يبدو اللبنانيون تحت مقصلتين سورية واسرائيلية.

واذا كان السيد نصرالله يجزم بأن ابنه هادي قد قتله الاسرائيليون، فان الاستاذ غسان تويني يجزم أيضاً بأن ابنه جبران قتله السوريون بعد سلسلة تهديدات!

ولا يستطيع أحد ان يتجاهل ما يحصل، وخصوصا بعدما بلغ التجاذب والاستقطاب حدودا خطرة. وقد عبّر نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الامير قبلان ثم المجلس نفسه عن استنكارهما لما ورد في "النداء الثامن" للمطارنة الموارنة من تعرض للطائفة الشيعية على نحو مخالف لتقاليد الكنيسة المارونية ولمسلكية أحبارها.

ولقد كان طموح الغالبية العظمى من المسيحيين أن تقوم الكنيسة بدور الحَكَم والجسر والجامع بين فريقي 8 آذار الحليف الرئيسي لسوريا والمستفيد الاكبر من نظام الوصاية وربما تناسبه عودته الى لبنان ليستعيد هذا الفريق نفوذه في اطاره، وفريق 14 آذار الاستقلالي والسيادي والمناهض للفريق الآخر وتحالفاته السورية – الايرانية...

إلا أن ذلك لم يحصل وتجاهل الفريقان مع توابعهما من المسيحيين، والموارنة خصوصا، بيانات المطارنة ونداءاتهم الثلاثة، ثم الثوابت المارونية التي هي قانون إيمان لبقاء لبنان واستمراره كيانا ديموقراطيا حرا يتمتع بالاستقلال والسيادة الكاملين، كما تجاهلوا بيان نيسان للمطارنة الموارنة الذي وضع الأسس التي يفترض بأي مرشح لرئاسة الجمهورية الأخذ بها. وإذ أدار الجميع ظهورهم لبكركي واعتبرها بعضهم – وهو ذو حجم لا يستهان به – متحيزة للفريق المناهض، وجدت الكنيسة نفسها في وضع العاجز عن الاضطلاع بالدور التاريخي الذي درجت على القيام به. وكان تعثر اللقاء نهار أمس في بكركي مع أحد أبرز قطبين من "موارنة المعارضة" ثم انعقاده ليلا أبلغ دليل على حراجة وضع الكنيسة حيال مجموعة من المسائل تتصل بمستقبل البلاد ومصيرها.

وسواء عقد اللقاء الثاني اليوم لـ"موارنة 14 آذار" أو لم يعقد، وهو سيعقد بالتأكيد، فانه لن يغيّر شيئا في المعادلة التي رأى الاستاذ غسان تويني في الحوار التلفزيوني معه مساء أول من أمس، أن البلاد في حاجة الى فريق وسط او "حركة وسطية" خارج التجاذبات والاستقطابات الحالية، قادرة على العمل لرأب الصدع الذي فسخ البلاد قسمين او خطين يعتقد الفريقان باستحالة تلاقيهما رغم التفاؤل الذي تعبق به الاجواء.

ولا غضاضة في ان تعترف الكنيسة بأنها عاجزة لوحدها عن الاضطلاع بالدور التاريخي للموارنة في هذه الظروف. وهي لو سألت الحكماء: ما العمل؟ لأتاها الجواب: حاولي توسيع نطاق التشاور في ما يشبه "المجمع الوطني"، وعدم حصر القضية بالبارونات وأمراء الحرب الذين تلطخت أيدي بعضهم بدماء الابرياء. وتوجهي الى الشعب، الى المفكرين والمثقفين والموارنة الناجحين في مختلف الميادين، والشباب والشابات ورجال الاعمال وأساتذة الجامعات والباحثين والقضاة والمحامين والنساء الفاعلات والنقابيين والعلمانيين غير المتعصبين والوسطيين أصحاب الرؤوس الباردة، على غرار ما تفعل بقية الطوائف. متذكرين ما قاله ذات يوم رئيس أساقفة البرازيل لوسيانو مندس الذي زار لبنان في كانون الثاني 1988 وحل ضيفا على البطريرك صفير: "جئنا الى لبنان نستلهم حكمة اللبنانيين ونفيد من تجربتهم الرائدة في التعايش بين الاديان، نموذجا فريدا للانفتاح على مختلف الثقافات. اننا نتعلم من لبنان كيف نبني الثقة ما بين الطوائف، وكيف نوظفها من ثم على الصعيد العالمي، باعتبارها ضمانا ليس لسلامة لبنان فحسب، بل كذلك لسلام الانسانية جمعاء. فلينظر اللبنانيون الى وطنهم بعيون الاطفال، أكانوا مسلمين أم مسيحيين. أنهم جميعا في الحرب تعساء، لكن عليهم جميعا تقع مسؤولية بناء لبنان وجعله نموذجا للعالم بأسره".

ألا يتحسّر المسيحيون، والموارنة خصوصا، على تخييبهم أمل المونسنيور مندس فيهم بعد قرابة عشرين عاماً؟

النهار (12 10 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

زيارة حلم أميركية لرفيق الحريري ؟

Wanted رئيس ماروني حياً أو ميتاً !

"النداء الثامن" ومزامير داود

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007