تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday October 13, 2006 الساعة 02:47:16 PM

مقـالات

فخـامـة الـفـراغ

الفضل شلق

مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي يبدو الانتخاب ابعد منالاً. كل انتخاب غير توافقي سيولد فراغاً في المنصب، فراغاً سياسياً، فهل سوف ننظر في الفراغ، ننادي فخامة الفراغ تعويضاً عما فاتنا؟ ام سيكون القطار قد فات، ولا ينفع الندم بعد فوات الأوان.

نشرت جريدة «هيرالد تربيون» في عدد الجمعة الماضي تحقيقاً طويلاً عن العراقيين الذين ساهموا مع الادارة الاميركية تحضيراً وتحريضاً على الحرب والاحتلال. بعد اربع سنوات ونصف على الاحتلال يعلن امثال كنعان مكية الندم، امام رؤية الخراب والدمار وفقدان الامل بتوحيد العراق وتحريره. ولا يتورع جورج تينيت في كتابه «في عين العاصفة»، وهو رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الذي ساهم في كل ذلك، عن القول بعد استقالته ان السبب الاساسي لما وصلت اليه امور العراق هو السياسة الاميركية الخرقاء.

ألا يخشى اللبنانيون من فراغ سدة الرئاسة وانهيار الدولة؟ ألا يعنيهم مصير الكيان بقدر المراهنة على التغيّرات الإقليمية؟ يبدو أن المنطقة العربية هي حقاً ساحة واحدة بدول متعددة.

هل يعلمون ان عدم انتخاب رئيس للكيان السياسي سيؤدي الى فراغ تكون نتائجه مماثلة لنتائج احتلال العراق؟ الا يعلمون ان بقاء الكيان مرهون بانتخاب رئيس للجمهورية في الموعد الدستوري، وان انتخاب الرئيس مرهون بالتوافق، اي بقدرة الطبقة السياسية على انشاء تسوية ما، وبقدرتها على التوافق بطريقة ما، مهما كانت؟ هل يعلمون ان سيرورة المجتمع وصيرورته مرهونتان بكل ذلك، اي بقيام دولة تشكل اطاراً ناظماً للمجتمع؟ هل هناك خيار غير انتظام المجتمع، منعاً للفوضى والاقتتال وتعميم العنف؟

اسئلة نعرف الاجوبة عليها سلفاً، ولا بد ان الجميع يعرفون. كيف لا، وما زالت آثار الحرب الاهلية الماضية ماثلة امام اعيننا، في ذاكرتنا، وفي كل ما اصاب لبنان من خراب مادي لم ينتهِ اللبنانيون من اعادة بنائه.

الا يستدعي الانتباه انه في حين يتحدث الناس والجهات الدولية عن القرارات الدولية ونزع سلاح المقاومة، يزداد السلاح انتشاراً بين أيدي غير المقاومين لإسرائيل، وتتكاثر مخيمات التدريب في لبنان والخارج، باعتراف السلطة؟ وفي حين يتكرر الحديث عن دعم الدولة اللبنانية نرى الدولة تنهار من الداخل. لا يزدهر الا الجهد من اجل بيع املاك الدولة تحت عنوان الخصخصة. ألا يستدعي الانتباه ان انتخاب رئيس للجمهورية مشروط بمن سيكون رئيساً للحكومة، وبالبرنامج الذي سوف تطبقه هذه الحكومة؟ فإما ان تكون الحكومة نيوليبرالية متحللة من واجباتها تجاه مجتمعها والا لن تكون هناك دولة. يتحدثون عن تحييد لبنان في الصراع العربي الاسرائيلي، لكنهم يقحمونه في صراعات المنطقة على السلطة، وفي خضم الحروب الآتية من الخارج.

من الذي ادخل في أذهان اللبنانيين انه في حال عدم التوافق على انتخاب رئيس سيكون هناك حكومتان او رئيسان وحكومتان، وان الامر يكون بمثابة حل مؤقت الى ان يقضي الله امراً كان مفعولاً؟ كيف أُنتجت هذه الراحة النفسية إزاء وضع ينذر بأوخم العواقب في حال انهيار الدولة؟ في العام 1975 دخلنا في حرب اهلية ونحن نصفق فرحاً. فريق اعتبر انه سوف يحرر لبنان من تحكّم الفلسطينيين، وفريق آخر اعتبر انه سوف يحرر الطبقات الفقيرة من امتيازات طائفة ما. والآن ندخل فيما هو أسوأ من الحرب الأهلية الماضية بعقل مستريح ونفس مطمئنة. الا ندري ان اطمئنان النفس والموت تعبيران عن شيء واحد؟

أسئلة محرجة للبعض، مقلقة للجميع. الجواب عليها، بما يتيح قيام الدولة واستعادة النظام السياسي لسويته، لا يكون الا بعمل داخلي دؤوب من اجل تسوية ما. والتسوية تعني التوافق. ولا تقوم الدولة، أية دولة، الا على التسوية. ولا سياسة إلا بالتسويات. والتسويات تكون بين مختلفين، والاختلاف ليس حجة. فلماذا يركز البعض على نقاط الاختلاف ولا يبحثون عن المساحات المشتركة؟ المن والسلوى لا يأتي من الخارج. لا تستقيم الأمور، في حالنا هذه، كما في جميع حالات البلدان الأخرى، الا بتسويات داخلية. مهما كانت التسوية الداخلية فإنها خير من التوافقات الخارجية على لبنان.

اذا انتخب فريق من النواب رئيساً بأكثرية نصف زائد واحد، فان الفريق الآخر سيقوم بخطوة مقابلة بما تبقى، أي بأقلية نصف ناقص واحد. هل يعقل ان يكون الفارق صوتاً واحداً ونمتنع عن التوافق؟ اذا كان الوضع حرجاً لهذه الدرجة، فإن الأجدر ان يلجأ اللبنانيون الى التوافق. بالتوافق (التسوية، التضامن، المشترك اللبناني) يستطيع اللبنانيون الصمود في وجه التحديات الخارجية، علماً بان التحديات الخارجية الآن تدفع باتجاه ان تكون الدولة أو لا تكون. وعندما لا تكون دولة ينهار المجتمع.

رحم الله من كان يقوم بالتسويات ولو على حساب وضعه السياسي الخاص. رحم الله الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي قضى عمره يبحث عن التسويات. كانت عينه على التسوية من جهة، وعلى العمل والجهد والإعمار من جهة أخرى. كنا ننتقد أحياناً بسبب كثرة التسويات. نعتذر ولو بعد الاستشهاد. رجاؤنا أن لا يضطر الكثيرون الى الاعتذار وتلاوة فعل الندامة بعد فوات الاوان. وسيفوت الاوان اذا لم ينتخب رئيس للكيان في الموعد الدستوري المحدد.

وفاء منا لذكرى الرئيس الشهيد نرجو الا نضطر يوماً الى النظر الى سدة الرئاسة وهي فارغة لننحني أمام «فخامة الفراغ». الفراغ القاتل.

السفير (12 10 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

حروب أميركا ومؤتمرات السلام

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية المقبل

هُزمت العصابة تبقى المشـكلة

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007