|
|
|
آخر تحديث Friday October 13, 2006 الساعة 03:00:23 PM |
دين يبتلع الديموقراطية ميشال سبع في الآية الانجيلية «لا تسقط شعرة من رؤوسكم الا بإذنه تعالى» وفي الآية القرآنية «لن يصيبكم الا ما كتب الله لكم» اشعار يقول ان الارادة البشرية انما هي خاضعة لحكم الهي وبالتالي فمساحة الحرية البشرية محدودة وبطبيعة الحال فليست هي معدومة كما يدعي القدريون ولا هي مطلقة كما يدعي الوجوديون ولكن في كلتا الحالتين فإن هذه الحرية المحدودة فردية كانت ام جمعية تجعل الحرية تكبر كلما اقتربت من ارادة الله وتصغر كلما ابتعدت عنه الا اذا الغي الله او همش دوره او تم دفنه كما اعلن نيتشه. وقد درج النظام الديني المسيحي السياسي على اعتبار ان لا سلطة الا من فوق. وبالتالي فالملك يحكم باسم الله وقد كان طبيعيا ان يكون خليفة الرسل بطرس وخلفاؤه من الباباوات يحكمون باسم المسيح ولهذا فهم لا يخطئون وقد اصبحت العصمة الباباوية مثار نزاع كبير في اوروبا. وقد سار على خطاهم الخلفاء المسلمون فهم خلفاء الرسول والرسول موحى اليه من الله لذا فهم ايضا ظل الله على الارض واحكامهم مبرمة لا تقبل الجدل ولا النقاش. والدولة بهذا هي هرمية في المبنى والمعنى ففي مبناها الملك رأس الهرم وفي المعنى رأس الهرم هو الله ثم رسله والكهنة ثم المؤمنون ثم عامة الناس. في هذا الهرم القاعدة تنفذ قرارات الرأس لأن الرأس سلطانه اكيد وأحكامه اكيدة وبالتالي ففي يده الحياة والموت والقاعدة ان سألت فهو تمرد وان تمردت فهو كفر يستوجب القصاص والموت. لذا لا قيمة لرأي الشعب جماعة او افرادا بل القيمة كل القيمة هي للقرار الصادر من فوق وقد لعب الكاهن الاول في البلاط او المستشار ادوارا تاريخية لها فصول كثيرة في كتب التاريخ والتراجيديا. في الديموقراطية، القضية مقلوبة تماما، فالقاعدة التي هي الشعب تنتخب بحرية مندوبين عنها يمثلون سطح الهرم وهم بدورهم ينتخبون رئيسا هو رأس الهرم وعليه، فعندما يخطئ رأس الهرم فإن القاعدة مخولة ان تحاسبه لأنها هي التي عملت على ايصاله لذلك يكون الرئيس خادما للشعب وعاملا على سد حاجاته والقيام بخدماته مبررا كل تقصير وشارحا كل تغيير ومفسرا كل تدبير اما في النظام الملكي ـ الكهنوتي فليس للملك ان يبرر أي شيء تجاه الشعب لأن سلطانه من فوق لا من تحت. انطلاقا من هذه المفارقة وجب في كل نظام ديموقراطي ان يجرد الحاكم من كل صبغة فوقية ولا تكون له مهام دينية او فوق انسانية وبمجرد ان يكون القائد هو بهالة القداسة والنبوية والرسولية حتى يدخل في الوجدان الايماني للشعب ويصبح من المستحيل مقاضاته أي تسقط الديموقراطية بمجرد ادخال أي اطر دينية في تركيبتها. البلاد الشرقية والآسيوية بشكل عام هي بلاد متدينة وفي ثقافتها الحضــارية تعلق شديد بالدين والماورائيات لذا فلا يمكنــها ان تتــخلى عن الهالة القدسيــة للقائد او الرئيس وحتى عندما لم تدخل الاطر الدينية لرئاسة ابتكرت شبيها لها وهو الديكتاتوريات، فالديكتاتور هو رئيس مدني يتمتع بصفات قدسية بمعنى انه لا يمكن مناقشته او الاشارة الى اخطائه ولا يمكن ان يقال له انتهت مدة الحكم وهو اذ يموت فردا يستمر عائلة وقبيلة، انها طبقة كهنوتية مفرزة من الناس على ذاتها. لقد انطلقت في الثورة الفرنسية ديموقراطية علمانية اسقطت الهالة الدينية والمقدس عن الملك والكاردينال وفصلت تماما بين الكنيسة أي الايمان والدين المسيحي وبين الحكم المدني ولقد لحقت بها البلدان المجاورة وحاولت الولايات المتحدة الاميركية جاهدة كي تكون المثال الاول لهذه الديموقراطية لكنها لم تستطع ان تقلد اوروبا الا بالشكل حيث ان تركيبة سكانها هي مهاجرون من بلدان مسيحية ملتزمة لا بل متزمتة خصوصا من الانغليكانيين البريطانيين والاسبان المتشددين والبرتغاليين المستعمرين. هؤلاء الذين في غربتهم في العالم الجديد لم يجدوا امامهم الا الكتاب المقدس كي يخبرهم عن اعدائهم المتربصين بهم في حين ان الواقع هو انهم الاعداء وان اهل البلاد الاصليين هم اصحاب الحق. لقد قلبوا الكتاب المقدس كما قرأه ويقرأه اليهود عبر التاريخ فيجعلون انفسهم الضحية في حين انهم الجلادون والضحية هي امامهم. الاميركيون هؤلاء فهموا الديموقراطية ارادة الهية وهي ان يحكموا الارض الجديدة بتقسيمها في ما بينهم أي ان الديموقراطية تكون في تقاسم المصالح الحيوية للمستعمرين في حين ان التعامل مع السكان الاصليين هو تعامل ثيوقراطي بامتياز ولا حق للسكان ان يطالبوا بأكثر من الحياة المجردة. هذه الخلطة من الديموقراطية دعيت بالديموقراطية الاميركية حيث لها الحق الالهي في السيطرة على الشعوب وامتلاك القرارات بشأنها في حين ان على الشعوب ان تطبق الديموقراطية في ما بينها انما السقف لهذه الممارسة هو القبول بالقرارات الاميركية وهيمنتها. لذا لا غرابة ان تعم الفوضى في كل بلد تتدخل فيه الولايات المتحدة الاميركية ولا غرابة ان تنقلب كل الدول ضدها لأن البلدان التي تتعامل معها تريد ان تقلدها في حين ان الولايات المتحدة ترفض ان يقلدها احد بل ان يتبعها وواقع الديموقراطية يقول كما قال سارتر للاله «لقد اعطيتني حريتي ولم أعد بعد عبدا لذا لن تستطيع ان تنتزعها مني وحريتي تعني ألا تحكمني بعد». الديموقراطية الاوروبية لم تستطع ان تتعايش مع الشرق الآسيوي ولا العربي ولا الاسلامي لأنها علمانية ولا يمكن للدين ان ينسحب من حياة آسيا لذا تحاول البلاد الاوروبية ان تترك مسافة بينها وبين هذه البلاد تقدم النصح دون ان تتورط بالكامل. وإذا كانت مصالحها تعني تجنب الخلاف مع الولايات المتحدة فهي احيانا تغوص في مستنقعات لحين ومن ثم تعمل على الخروج منها كما هو واقع الحال في الحلف الاطلسي وأماكن نشر قواته او المباشر في التدخل الاميركي. لا يستطيع احد ان يرسم صورة الديموقراطية المرتقبة في الشرق ولا احد يمكنه ان يتصور كيف يمكن ممازجة الدين بالنظام الديموقراطي فكيف يمكن ان يحكم الشعب ويحكم الله في وقت واحد سينفي الآخر أو يلبس الآخر وفي الثورة الفرنسية صار صوت الشعب هو صوت الله. لقد كشف التاريخ ان لابسي الكهنوت السياسي هم تجار الحروب وأربابها فالباباوات حركوا قرونا من الحروب والخلفاء المسلمون قــادوا قرونا من الحروب ولكنهم حاربوا باسـم السماء ولأجل السماء. واليوم الولايات المتحدة الاميركية يقودها مجموعة من لابسي الكهنوت المدني يقودون حروب الموت في العالم باسم المسيح الآتي والصهاينة يحاربون لتحقيق وعود الهية وإيران باسم آيات الله فيها تحارب من اجل ثورة راية الله وحكم الله. لن تنطفئ الحروب في العالم الا اذا حكمت الشعوب ولا يمكن لأي سلطات كهنوتية دينية صهيونية او مسيحية او اسلامية ان تنشر سلاما في العالم. ومن المفارقة بمكــان ان تكــون الاديــان تبشر دوما بأن الله هو الحب والحق والخير والجمال ومع ذلك فباسمه ينشرون القتل والحرب والدمار. عندها يصح التفكير اوليس عالم يعيش السلام والهدوء دون رب كهذا هو افضل من عالم باسم رب كهذا يعيش الحرب والقتل والموت؟ السفير (12 10 2007) |
|
|||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||
|
منتدى النهضة ® 2007 |
||||||||