تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday October 20, 2006 الساعة 04:47:47 AM

مقـالات

فرسان تسطيح التاريخ

سليمان تقي الدين

تحاول القوى والجهات المتعاونة مع الولايات المتحدة الأميركية ومشروعها في المنطقة أن تعمّم ثقافة تبرّر هذا التعاون. يذهب التبرير أحياناً كثيرة لدى المثقفين أبعد مما تحتاج اليه اللحظة السياسية في مواكبة الهجمة الأميركية التي تحاول إعادة تشكيل العالم الآن وفق مصالحها ورؤيتها. لا يعود الجهد السياسي والإعلامي والثقافي مقتصراً على تشخيص موازين القوى والتعاطي معها بإيجابية كما يفترض اللاعبون السياسيون الكبار، بل يصبح المطلوب إعادة قراءة تاريخية شاملة يفسَّر فيها الماضي بعين الحاضر المنكسرة أمام فائض القوة الذي يمارسه مركز القرار الدولي الجديد. ويصبح هذا البناء الثقافي حتماً إيديولوجية كاملة متكاملة بالمعنى السلبي لمفهوم الإيديولوجيا، حيث يتم تسطيح التاريخ وإخضاعه لرؤية نمطية معينة لحمتها وسداها لحظة القوة أو الغلبة، فيجري تصويرها كأنها معطيات «جوهرية» لا تحول ولا تزول ولا تتبدل في سياق تاريخي متغيّر. يدعونا هؤلاء المثقفون إذاً ليس فقط إلى التسليم غير المشروط لعناصر الهيمنة في السياسات الدولية، بل إلى مراجعة تاريخنا كله بصفته مجموعة أخطاء ومنظورات وسلوكيات قاصرة عن إدراك «نهايات التاريخ» التي صنعها ويصنعها الغرب الأميركي هذه المرة. وعلينا بالتالي أن نعتذر عن سلسلة الأخطاء والخطايا التي جعلت مجتمعاتنا تسير في خط اجتماعي وسياسي مغاير «للمادية التاريخية» الجديدة المتمثلة في نظرية النشوء والارتقاء الأميركية، للأجناس البشرية وللمجتمعات على حد سواء.

تشكّل عناصر المراجعة المطلوبة في عرف هؤلاء خروجاً نهائياً من كل الوعي التاريخي الزائف الذي أسهم في تشكيل ذاكرتنا ومعها مشاعرنا الإنسانية، وعلينا بالتالي أن نتصرف الآن كأقراص مدمجة تمحى وتكتب في ضوء التقدم الهائل للامبراطورية الصاعدة في العالم. إنه تاريخ يمحو تاريخ الامبراطوريات الأخرى كما يمحو أمجادها. فلا التاريخ اليوناني يشكل مدماكاً في الحضارة المعاصرة ولا طبعاً الثورة الفرنسية أو البلشفية، فكيف بالثورات الفلاحية الأدنى مرتبة في سلم القيم الجديد. عند هذا الحد من إلغاء العالم القديم يخرج العرب أصلاً من التاريخ كله لأنهم انحرفوا عن الخط البياني الصاعد نحو استقبال المسيحية الجديدة المستعادة في ثوب أصولية صهيونية تنتظر ظهور المخلص مثلها مثل سواها من الإيديولوجيات الدينية ولا تمتاز عنها إلا بتفوّق آلة الدمار التي تمتلكها لولادة عالم جديد.

في منظور كهذا أخطأ العرب والمسلمون في مقاومة الغزوات الصليبية وأضاعوا على أنفسهم عدة قرون من اكتساب الحضارة الغربية التي هي السيرورة الحتمية لتقدم المجتمعات. وأخطأوا كذلك في مقاومة الحملة الفرنسية، ومن بعد في إنهاء عصر الاستعمار التقليدي الأوروبي. وما زالوا يرتكبون الحماقات لأنهم لم يحالفوا مصادر القوة في العالم ولم يدركوا «روح العالم» السائر إلى إعطاء مقاليد القوة والنصر «للامبريالية» صاحبة «الحسنات الكثيرة» في تمدين الشعوب وصهرها بنار الحضارة.

أصحاب هذه النظريات يريدون أن ننسى الماضي كله ونبدأ من محطات تاريخية استفز فيها عبد الناصر الغرب بالتعامل مع الشرق الضعيف. واستفزت فيها المقاومة إسرائيل في خطف جنديين خارج الخط الأزرق. واستفز فيها العراق المارد الأميركي بأحلامه أن يمتلك أسلحة متقدمة، وكذلك تفعل إيران الآن. فليس أمام هذه الشعوب إلا أن «تحب الحياة» على الطريقة الأميركية وأن تبحث عن أنماط عيش هادئ من دون مشاكل مع الغرب، وأن تتخلى عن إدارة ثرواتها الطبيعية وعن استقلالها وكرامتها وعن طموحاتها في القوة والتقدم لأن الاستعمار أعلى مراحل التقدم، ولأن الترسيمة الماركسية لتطور المجتمعات قد سقطت، ولأن الطوباوية الاشتراكية انضمت إلى وعود الأديان السماوية، وليس في الميدان إلا الرأسمالية التي تتعايش مع «الوهابية» وترفض «المهدوية»، وتتآلف مع الصهيونية وتنبذ «الإسلام السياسي». وهذا كله غيض من فيض تعميم «ثقافة الاستسلام» باسم عقلانية لا تعقل صراعات العالم وتحدياته المغمّسة في الدم من العراق إلى فلسطين.

ولأن اقتراحات هؤلاء وجيهة جداً وجاءت في سياق اختباراتهم التاريخية وعراكهم الفكري الذي يمتد لعقود من الزمان، ولأن صحوة بعضهم على هذه الاستنارة غير المسبوقة، فهي تحتاج بالفعل إلى قراءة تاريخية من نوع آخر تنحّي الإنسان كلياً عن الفعل الإنساني خلافاً لما استنتجه ماركس في بداية مشروعه الفاشل حين قال: «لم يفعل الفلاسفة إلا أنهم فسّروا التاريخ والمطلوب الآن تغييره». ربما تعب الكثيرون من مهمة تغيير التاريخ فغرقوا في تفسير لحظة القوة في أميركا. لكن أميركا ليست نهاية التاريخ. ليتذكّر ذلك فرسان تسطيح التاريخ.

السفير (15 10 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

الشارع يصنع السياسة

أميركا هي الأصل

المسألة ليست دستورية

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007